د. سجى عارف
تدار معارك اليوم على شاشة الهاتف وفي الإعلام الرقمي فلم تعد الفتنة بين الشعوب عملًا عشوائيًا يولده الغضب أو سوء الفهم، بل تحولت في بعض الحالات إلى صناعة منظمة تستثمر في الانقسام وتعيش عليه، هذه الفكرة كانت من أبرز الرسائل التي حملتها مداخلة معالي المستشار تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج الحكاية حين تحدث عن وجود تنظيم يدفع مايقارب 700 ألف دولار شهريًا من أجل الإساءة والتشويه بين المملكة ومصر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن هذه المافيا لاتموت لأنها شغلة كل من باع ضميره ووطنه ليستهدف واحدة من أهم العلاقات العربية.
هذا الحديث يكشف طبيعة صراع من نوع جديد يستهدف الوعي، فهناك من يدرك أن اختراق المجتمعات يبدأ من استهداف وعيها وأن ضرب العلاقات الإستراتيجية بين الدول قد يكون أقل كلفة وأكثر تأثيرًا من المواجهات التقليدية، لذا تحولت الحسابات المجهولة إلى أدوات تأثير وتحولت الشائعة إلى سلاح وأصبح الكذب المنظم جزءًا من معركة طويلة هدفها إنهاك الثقة وإرباك الرأي العام العربي، الأدهى من ذلك أنها أثرت في ضعاف النفوس وشحنتهم ضد إخوانهم في الدول الشقيقة حتى باتت حملات التحريض والسب والقذف وتعقب حسابات الآخرين غايتهم مع كل مشكلة بسيطة.
السوشيال ميديا في أصلها وسيلة تواصل واتصال، واليوم تتحول إلى بيئة مثالية لصناعة الكراهية والفتن وتضخيم الاستقطاب فهي عالم يمنح الصوت الأعلى فرصة التفوق على الصوت الأصدق ويتيح للحسابات الوهمية أن تبدو أكثر حضورًا من الواقع نفسه، ولهذا هي أقرب إلى بيت سام من يدخله باستمرار لابد أن يتجرع شيئًا من سم الشك أو الغضب أو الكراهية مالم يمتلك الوعي الكافي للتمييز بين الحقيقة والتشويه.
لهذا لم يكن مستغربًا أن يؤكد معالي المستشار تركي آل الشيخ أن هذه الحملات لا تقوم على اجتهادات فردية بل على أجندات منظمة تدرك أن العلاقة السعودية المصرية تُمثل أحد أعمدة الاستقرار العربي، فكلما تعززت هذه العلاقة تضاءلت فرص الفوضى وكلما ضعفت ازدادت مساحة المناورة أمام القوى والتنظيمات التي تستثمر في الانقسام.
غير أن الظاهرة لم تعد تقتصر على استهداف العلاقات بين الدول والشعوب بل امتدت إلى استهداف الرموز العلمية والأكاديمية، فقد شهدت الفترة الماضية حملات إساءة وتشويه طالت أساتذة جامعيين سعوديين وعربا في مشهد يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتطال العقول والخبرات والكفاءات الوطنية والعربية وتضعف الثقة فيها، الأمر الذي يستوجب ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية وتطبيق الأنظمة بحق من يثبت تورطه في حملات التشهير والإساءة المتعمدة إلى جانب أهمية التعاون الدولي لرصد التجاوزات وفرض السيطرة على مايتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة من الحسابات الداخلية التي يتم بيعها لمستخدمين من الخارج.
ويبقى الدرس الأهم أن المواجهة لا تبدأ من الجهات الأمنية وحدها بل من وعي الأفراد أيضًا فكل صاحب حساب أو منشور يجب أن يدرك أن الكلمة لم تعد رأيًا عابرًا بل أثرًا قد يُسهم في دعم الاستقرار أو تأجيج الانقسام، ومن يسيء إلى وطنه أو إلى الدول الشقيقة من خلال نشر الأكاذيب والتحريض والتشويه المتعمد لا يمارس حرية التعبير بل يشارك عن قصد أو دون قصد في خدمة الأجندات التي تستهدف مجتمعاتنا ولهذا يصبح من الواجب الأخلاقي والوطني مراجعة ما يُنشر والتراجع عن المحتوى المسيء أو حذفه متى ثبت عدم صحته أو ضرره.
وفي المقابل تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التعاون السعودي العربي لاستحداث إدارات نوعية في وزارات الإعلام لمراقبة ومتابعة حملات التأثير الرقمي المنظمة من خلال تطوير آليات مشتركة لرصد الحسابات والشبكات التي تمارس التحريض الممنهج أو تنشر المحتوى الموجهة للإضرار بالعلاقات العربية ورفع مستوى المساءلة القانونية للحسابات والشبكات التي تدعم هذا التوجه، وتفعيل الأنظمة والإجراءات القانونية والغرامات المالية بحق المتجاوزين خصوصًا عندما يتحول النشر الإلكتروني إلى أداة للإساءة المتعمدة أو بث الكراهية أو نشر المعلومات المضللة.
ومن هنا تصبح قدرة الدولة على حماية وعي مجتمعها من الاختراق المعرفي أحد أهم عناصر القوة الوطنية التي يحفظ العلاقات التاريخية بين الشعوب من أن تتحول إلى ضحية لمنشور مضلل أو حملة منظمة أو فتنة ممولة، ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب العربية وعدم تأثرهم بالقلة أو بالحالات الفردية الغوغائية التي تستهدف الشهرة أو الانتقام لأنه السد الأقوى في وجه كل من يحاول المتاجرة بالأخوة أو الاستثمار في الفرقة.