حين تنظر الصين إلى مستقبلها التكنولوجي فإنها لا تحصر اهتمامها في الجامعات ومراكز الأبحاث، وإنما تمدّه إلى المدارس حيث يبدأ الأطفال بالتعرف إلى البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، الفكرة هنا تتجاوز تعليم مهارات جديدة إنها تتعلق بإعداد جيل يفهم الأدوات التي ستعيد تشكيل العالم، ويكون قادراً على المشاركة في تطويرها بدلاً من الاكتفاء باستهلاك منتجاتها.
في كانون الأول 2024 أعلنت وزارة التعليم الصينية توجيهات لتعزيز تعليم الذكاء الاصطناعي في المدارس الابتدائية والمتوسطة مع مراعاة المراحل العمرية وتشجيع التعلم التطبيقين ويكشف هذا التوجه عن إدراك صيني لأهمية إدخال المعرفة التقنية إلى التعليم الأساسي بدلاً من تأجيلها إلى المرحلة الجامعية حين يكون الطالب قد أمضى سنوات طويلة في اكتساب المعرفة النظرية من دون احتكاك كافٍ بالتطبيقات الحديثة، فالطفل الذي يتعلم البرمجة لا يتعلم كتابة الأوامر للحاسوب فحسب وإنما يتدرب على التفكير المنطقي وتحليل المشكلات وتصحيح الأخطاء والطالب الذي يصمم روبوتاً بسيطاً يختبر العلاقة بين الفكرة والتنفيذ ويتعرف إلى مبادئ الهندسة والتقنيات التي تدخل اليوم في الصناعة والطب والخدمات، هذه الخبرات المبكرة لا تجعل منه متخصصاً بالضرورة لكنها تمنحه أساساً يساعده على اختيار مساره العلمي والمهني مستقبلاً. هنا يكمن الفارق بين نظام تعليمي ينتظر تخرج الطالب ليبدأ تأهيله للتكنولوجيا ونظام يسعى إلى بناء المهارات منذ الطفولة.
الجامعة ضرورية للتخصص والبحث العلمي لكنها ليست المكان الوحيد الذي ينبغي أن يتعرف فيه الإنسان إلى التحولات التقنية، وكلما تأخر اكتساب المهارات الأساسية ازدادت الحاجة إلى تعويض ما فات من وقت وجهد، أما في العراق فما زال تطوير التعليم التقني يحتاج إلى الانتقال من المبادرات المحدودة إلى سياسة تعليمية واضحة، فالتحدي لا يتمثل في توفير الحواسيب والأجهزة وحدها وإنما في تحديث المناهج وتأهيل المعلمين وإدخال التطبيقات العملية إلى الصفوف وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، ولا يمكن مطالبة الطالب بمواكبة الذكاء الاصطناعي إذا كانت بيئته التعليمية لا تمنحه فرصة التجربة أو الوصول إلى المعرفة التقنية بصورة منظمة، ولا يتطلب البدء استنساخ التجربة الصينية أو انتظار تجهيز جميع المدارس بمختبرات متقدمة يمكن إدخال مبادئ البرمجة والتفكير الحاسوبي تدريجياً وإنشاء مختبرات مشتركة والاستفادة من خبرات الجامعات والكفاءات العراقية مع ضمان وصول هذه الفرص إلى المدارس الحكومية في المحافظات لا أن تبقى امتيازاً لفئة محدودة من الطلاب.. كما أن تعليم الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يقتصر على استخدام التطبيقات إنما يشمل فهم حدودها والتحقق من المعلومات التي تنتجها وحماية الخصوصية، وإدراك مسؤولية الإنسان عن قراراته فالمطلوب إعداد جيل يمتلك المعرفة التقنية والتفكير النقدي معاً لا جيل يعتمد على الآلة من دون فهم آلياتها ومخاطرها.
إن أهمية التجربة الصينية تتمثل في النظر إلى الطفل باعتباره جزءاً من مشروع بناء القدرات العلمية للدولة لا مجرد طالب ينتظر شهادة في نهاية المرحلة الدراسية.
أما العراق فإن الاستثمار في التعليم منذ السنوات الأولى يمكن أن يوسع فرص الشباب ويعزز قدرتهم على دخول سوق العمل ويفتح المجال أمام إنتاج المعرفة بدلاً من الاعتماد المستمر على استيرادها فإن من يمتلك المدرسة اليوم يقود الغد لصناعة المستقبل ليست خطة مؤجلة لحين يكبر الصغار ليتعلم فلسفته إنما هي ورشة عمل وطنية تنطلق من الطفولة المبكرة، حيث تتشكل ملامح القادة قبل أن يشتد عودهم.
** **
- مصطفى طارق الدليمي