الكويت - الجزيرة:
قدّم جامع عبدالله بن عبداللطيف العثمان في منطقة النقرة بحولي بدولة الكويت تجربة في المحافظة على المساجد التاريخية وتطويرها، بعد إعادة تأهيله وفق رؤية جمعت بين استعادة عناصره المعمارية الأصلية وتطبيق حلول حديثة لكفاءة الطاقة وترشيد المياه، في مشروع أشرف عليه المهندس عدنان عبدالله العثمان، المدير التنفيذي لوقف العثمان، وأسفر عن تسجيل الجامع في السجل الوطني للمباني التاريخية بالكويت، وحصوله على تقدير خليجي في مجال الاستدامة.
تكتسب التجربة أهميتها من معالجة أحد التحديات التي تواجه المباني التاريخية، والمتمثل في تطوير مرافقها لتلبية الاحتياجات الحديثة دون فقدان خصائصها المعمارية. فقد استند مشروع إعادة التأهيل إلى دراسة الوثائق والصور التاريخية، ومراجعة ما طرأ على المبنى من تغييرات خلال العقود الماضية، وصولًا إلى ترميم عناصره الأصلية وإعادة تصنيع الأجزاء المفقودة وفق ما توافر من مراجع موثقة.
يعود تأسيس الجامع إلى المُحسن الكبير عبدالله بن عبداللطيف العثمان، الذي بدأ بناءه عام 1958م على مساحة خمسة آلاف متر مربع، قبل افتتاحه في الخامس من فبراير عام 1961م برعاية وحضور الشيخ عبدالله المبارك الصباح. وقد تميز منذ إنشائه بطراز معماري جمع بين عناصر العمارة الإسلامية والمملوكية والشامية، وبرزت فيه المئذنتان والبوابات المزخرفة والجداريات القرآنية والثريات الكريستالية.
اكتسب الجامع مكانة معمارية وثقافية مبكرة، إذ نشرت مجلة «لايف» الأمريكية صورته عام 1965م، واختارت مجلة «العربي» إحدى مئذنتيه لغلاف عددها الصادر في أغسطس 1977م، كما عُرضت صوره ضمن جناح الكويت في معرض أوساكا الدولي، كما ظهر في مجلة «الوعي الإسلامي» ومطبوعات شركة نفط الكويت، وهو ما يعكس حضوره بوصفه أحد المعالم المرتبطة بتاريخ العمران الكويتي الحديث، وشهد مجالس علمية وتلاوات قرآنية لعدد من كبار القراء، من بينهم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمد صديق المنشاوي.
مع مرور السنوات، خضع الجامع لأعمال توسعة وترميم لتلبية احتياجات المصلين، إلا أن بعضها أدى إلى تغير ملامح من تصميمه الأصلي. ومن هنا برزت الحاجة إلى مشروع يعيد للجامع هويته المعمارية، وبعد جهود امتدت سنوات، جرى التوصل عام 2020م إلى اتفاق بالتعاون بين وزارة الشؤون الإسلامية الكويتية والهيئة العامة لشؤون القُصّر، ممثلةً بلجنة أوصياء ثلث المرحوم عبدالله بن عبداللطيف العثمان، لإعادة تأهيل الجامع والمحافظة على طرازه التاريخي، تحت إشراف المهندس عدنان عبدالله العثمان.
شملت أعمال التأهيل إعادة العناية بالواجهات والمآذن والبوابات والزخارف والجداريات القرآنية، وترميم الثريات الكريستالية وإعادة تصنيع العناصر التي فُقدت خلال التعديلات السابقة. كما أسهم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في توثيق القيمة التاريخية والمعمارية للجامع، حتى جرى تسجيله في السجل الوطني للمباني التاريخية، بما يعزز المحافظة عليه بوصفه جزءًا من التراث المعماري الكويتي.
وفي الجانب التقني، جرى تطوير أنظمة تشغيل الجامع من خلال نظام ذكي لإدارة الإضاءة والتكييف وفق أوقات الصلاة واستخدام المبنى، إلى جانب حساسات الحركة وتركيب ألواح شمسية بقدرة 40 كيلوواط، وإدخال حلول لإعادة استخدام مياه الوضوء في الري والخدمات.
ووفق الحسابات التصميمية للمشروع، تستهدف منظومة الطاقة الشمسية توفير نحو 28 % من احتياجات الكهرباء، فيما يمكن لأنظمة إعادة استخدام المياه توفير ما يصل إلى نصف الاستهلاك، في توجه يهدف إلى خفض الموارد المستخدمة في تشغيل المبنى والمحافظة على كفاءته.
وتُوج المشروع في نوفمبر 2025م بحصول جامع العثمان على جائزة التميز الخليجي في كفاءة الطاقة وترشيد الكهرباء والمياه، إلى جانب حصوله على الاعتماد المبدئي الذهبي «LEED Gold» للمباني الخضراء، بما يعكس الاهتمام المتزايد بتطبيق معايير الاستدامة في المباني ذات القيمة التاريخية.
جاء المشروع بمساندة وتعاون عدد من الجهات، من بينها وزارة الشؤون الإسلامية، والهيئة العامة لشؤون القُصّر، ولجنة أوصياء ثلث المرحوم عبدالله بن عبداللطيف العثمان، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكلية العمارة بجامعة الكويت، إلى جانب المختصين المشاركين في أعمال التوثيق والتأهيل.
ويواصل وقف العثمان مسؤولية العناية بالجامع وصيانته، امتدادًا لوصايا مؤسسه الذي عُرف بإسهاماته في التعليم والعمل الخيري، لتقدم هذه التجربة مثالًا على إمكانية الاستفادة من الأوقاف في المحافظة على المباني التاريخية وتطويرها، بما يحقق استمرارية دورها الديني والاجتماعي ويحفظ قيمتها المعمارية للأجيال القادمة.