د. عبدالمحسن الرحيمي
بلغ الإنفاق على البحث والتطوير لدى أكبر الشركات العالمية نحو 1.5 تريليون دولار في عام 2025، فيما تجاوز الاستثمار العالمي في الأصول غير الملموسة 10 تريليونات دولار في العام نفسه، وشملت هذه الأصول البحث والتطوير والبرمجيات والبيانات والعلامات التجارية وغيرها من أشكال الملكية الفكرية. وفي الوقت ذاته، واصلت طلبات براءات الاختراع الدولية نموها، لتصل إلى نحو 275.900 طلب في عام 2025، بزيادة قدرها 0.7 % عن العام السابق، وفق بيانات منظمة الويبو.
هذه الأرقام لا تشير إلى أفول عصر براءة الاختراع، بل تكشف تحولاً أعمق في المكان الذي تتشكل فيه القيمة قبل أن تصل إلى البراءة. فالاستثمار العالمي في الابتكار يتوسع، ويتزايد حضور البرمجيات والبيانات والقدرات الحوسبية والذكاء الاصطناعي، بينما تستمر البراءات في حماية الابتكارات التي تصل إلى مرحلة يمكن استثمارها اقتصادياً. وتكشف حركة البراءات نفسها اتساع حضور الاتصالات الرقمية والحوسبة وأشباه الموصلات في موجة الابتكار الجديدة.
في النموذج التقليدي كان الابتكار يتحرك من البحث والتطوير إلى المنتج، ثم تأتي براءة الاختراع لتمنح صاحب الابتكار حقاً قانونياً واقتصادياً في استثماره. أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فتظهر طبقة تسبق هذه العملية: البيانات التي يتعلم منها النموذج، والحوسبة التي تعالجها، والخوارزميات التي تستخرج منها الأنماط، والبنية التي تحول المعرفة إلى اكتشافات ومنتجات جديدة.
وبذلك لا تصبح البيانات بديلاً عن براءة الاختراع، وإنما تصبح جزءاً من البنية التي تنتج الابتكارات التي ستتحول لاحقاً إلى براءات ومنتجات وأسواق. وهذا فرق جوهري في موقع القيمة؛ فبراءة الاختراع تحمي ابتكاراً تحقق، بينما البيانات والنماذج والحوسبة تشارك في بناء القدرة على إنتاج ابتكارات لم تتحقق بعد.
وهنا يمكن قراءة الاقتصاد العالمي من خلال صورة مختلفة للقطب الشمالي والقطب الجنوبي. فالمقصود هذه المرة ليس التقسيم الجغرافي التقليدي، وإنما موقع الدول والمؤسسات داخل منظومة إنتاج القيمة الرقمية. في أحد القطبين تتجمع البيانات عالية الجودة، والقدرة الحوسبية، والمعالجات المتقدمة، والنماذج الكبرى، والمنصات الرقمية، ورأس المال، والملكية الفكرية، والقدرة على تحويل هذه العناصر إلى منتجات وأسواق ومعرفة جديدة. وفي القطب الآخر توجد مجتمعات تنتج كميات ضخمة من البيانات، وتمثل أسواقاً واسعة، وتوفر المواهب والموارد البشرية، وتستخدم المنصات والنماذج الرقمية، بينما قد تبقى أجزاء أساسية من البنية التي تحول هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية خارج نطاق ملكيتها.
ومن هنا تتشكل فجوة أعمق من الفجوة الرقمية. كانت الفجوة الأولى مرتبطة بامتلاك الجهاز والوصول إلى الإنترنت، ثم أصبحت فجوة في المهارات بين من يستطيع استخدام التكنولوجيا ومن يستطيع تطويرها. أما الفجوة الجديدة فتتعلق بموقع الدولة والمؤسسة داخل دورة إنتاج الذكاء والقيمة. ويصبح السؤال الاقتصادي متعلقاً بمن ينتج البيانات ويمتلكها، ومن يملك الحوسبة التي تعالجها والنماذج التي تتعلم منها، ومن يحول نتائجها إلى ملكية وعائد اقتصادي.
وتتجاوز هذه المسألة حدود التقنية إلى صميم السيادة الاقتصادية. فالبيانات أصبحت أصلاً غير ملموس تتزايد قيمته مع ارتباطه بالبرمجيات والبحث والتطوير والقدرات التنظيمية والحوسبة. وقد قدرت منظمة الويبو قيمة الأصول غير الملموسة للشركات عالمياً بنحو 97 تريليون دولار في عام 2025، وتشمل الملكية الفكرية والبرمجيات والبيانات والعلامات التجارية والقدرات التنظيمية.
وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي لا ينتقل من الأصول المادية إلى الأصول الرقمية في قفزة واحدة، وإنما يعيد تركيب منظومة الأصول نفسها. فالمصنع يبقى مهماً، وبراءة الاختراع تبقى مهمة، والمنتج يبقى مهماً، لكن فوق هذه الطبقات تتشكل أصول جديدة تستطيع إنتاج المعرفة وتسريع الابتكار وخفض تكلفة التجربة وفتح أسواق جديدة. ولهذا لم يعد السؤال متعلقاً فقط بقيمة براءة الاختراع، وإنما بقيمة البنية التي تستطيع إنتاج آلاف الابتكارات التي يمكن أن تتحول إلى براءات اختراع.
في صناعة الدواء يظهر هذا التحول بصورة واضحة. فبراءة اختراع مركب دوائي يمكن أن تمنح صاحبها حماية اقتصادية مهمة، لكن قاعدة بيانات دوائية عالية الجودة، مرتبطة بنماذج ذكاء اصطناعي وحوسبة متقدمة، يمكن أن تساعد في تحديد أهداف علاجية جديدة، وتحليل مركبات، وتوقع خصائص دوائية، وتوجيه التجارب، وتسريع مراحل من دورة الاكتشاف. وهنا تصبح قيمة البيانات مرتبطة بقدرتها على توليد اكتشافات متعددة، وليس بمنتج واحد.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول الذي تناولته في مقال سابق حول ترميز الملكية الفكرية للأدوية المبتكرة؛ فالبراءة يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي يمول الابتكار، لكن البيانات والنماذج تضيف طبقة أسبق من ذلك، لأنها تدخل في صناعة الابتكار نفسه. وتصبح المنافسة بذلك أكثر اتصالاً بامتلاك مصدر القدرة على الابتكار وليس فقط امتلاك حقوق الابتكار بعد تحققه.
هذه النقلة تعيد تعريف مفهوم الأصل الاستراتيجي. فالأصل القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي تزداد قيمته بقدرته على إنتاج أصول جديدة، ولذلك قد يكون الأصل الأعلى قيمة في بعض القطاعات هو القدرة على إنتاج ما لم يُنتج بعد.
وتظهر هنا إحدى أهم خصائص البيانات؛ فهي تتولد باستمرار من حركة المجتمع. الصحة والتعليم والتجارة والصناعة والطاقة والنقل والمدن والخدمات الحكومية والمختبرات والمنصات كلها تنتج تدفقات متواصلة من البيانات. والمجتمع الذي ينتج هذه البيانات يمتلك مورداً معرفياً متجدداً، لكن القيمة الاقتصادية الكاملة لهذا المورد تعتمد على القدرة على تنظيمه وتحليله وربطه بالحوسبة والنماذج والملكية والتطبيقات. وتتناول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قيمة البيانات وتدفقاتها باعتبارها مدخلاً متزايد الأهمية في النشاط الاقتصادي.
فالقطب الذي يمتلك البيانات والحوسبة والنماذج والمنصات لا يمتلك خدمة رقمية واحدة، وإنما يمتلك قدرة مستمرة على إنتاج المعرفة والخدمات والمنتجات. أما الطرف الذي ينتج البيانات ويستخدم الخدمات دون امتلاك الطبقات التي تحولها إلى نماذج ومعرفة وملكية، فقد يبقى في موقع مختلف داخل سلسلة القيمة؛ ينتج المورد ويستخدم المنتج، بينما تتراكم القيمة الأعلى في الطبقة التي تعالج المورد وتحوله إلى أصل قابل للتوسع.
وتشبه هذه العلاقة في بعض جوانبها تاريخ الموارد الطبيعية، حين كانت القيمة لا تتحدد فقط بوجود المورد، وإنما بالقدرة على استخراجه وتصنيعه وتحويله إلى منتج. غير أن البيانات أكثر انتشاراً وتعقيداً، لأنها تتولد من النشاط اليومي للمجتمع، ويمكن استخدامها مرات متكررة في إنتاج المعرفة، وتدخل في تدريب النماذج وتطوير الخدمات واكتشاف الأنماط واتخاذ القرارات.
ومن هنا يصبح مفهوم السيادة الرقمية أوسع من تخزين البيانات داخل الحدود الوطنية أو حماية الخصوصية. السيادة الرقمية تتصل بالقدرة على التحكم في دورة القيمة التي تبدأ بالبيانات وتنتهي بالمعرفة والقرار والملكية والعائد. وتوضح أطر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتدفقات البيانات وحوكمتها أن البيانات وتدفقاتها أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الرقمي ومن منظومات القيمة الحديثة.
إذا كانت بيانات المرضى تنتج داخل منظومة صحية، ثم تدخل في تدريب نماذج أو تطوير تقنيات خارجية، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمكان وجود البيانات، وإنما بمكان تراكم المعرفة والملكية والقيمة الناتجة عنها. وينطبق الأمر نفسه على البيانات المالية والتعليمية والصناعية والبيئية وبيانات المدن وسلاسل الإمداد.
وهنا يظهر مفهوم السيادة على دورة القيمة الرقمية؛ أي القدرة على الانتقال من البيانات إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى النموذج، ومن النموذج إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى الملكية والعائد. وهذه الدورة تحدد موقع الدولة أو المؤسسة داخل الاقتصاد الرقمي أكثر مما يحدده مجرد عدد التطبيقات التي تستخدمها.
ومن هذه الزاوية يصبح «القطب الشمالي» و«القطب الجنوبي» مفهوماً اقتصادياً جديداً. الأول يمثل الجهات التي تمتلك طبقات متعددة من منظومة إنتاج الذكاء، بينما يمثل الثاني الجهات التي تمتلك جزءاً من المدخلات أو الأسواق أو البيانات، لكنها تعتمد على طبقات خارجية لتحويلها إلى قيمة. والفجوة بينهما ليست فجوة في امتلاك التكنولوجيا فقط، وإنما فجوة في ملكية دورة القيمة.
وتتحدد مكانة الدولة داخل الاقتصاد الرقمي بقدرتها على المشاركة في إنتاج البيانات والنماذج والحوسبة والملكية الفكرية والمنصات التي تصنع هذا الاقتصاد. فالدولة التي تستورد النموذج والحوسبة وتستخدم المنصة وتنتج البيانات تملك قدرة عالية على الاستخدام، لكنها تعتمد على منظومة قيمة تقع أجزاء أساسية منها خارج نطاقها. أما الدولة التي تبني قدراتها في البيانات والحوسبة والنماذج والبحث والتطوير والملكية الفكرية، فتوسع موقعها داخل إنتاج القيمة.
ولا يعني ذلك أن كل دولة مطالبة ببناء نموذج عالمي أو تصنيع جميع مكونات البنية التقنية داخلياً؛ فالاقتصاد الرقمي قائم على شبكات عالمية معقدة. لكن السيادة تتطلب معرفة الطبقات الحرجة، وامتلاك القدرات التي تمنح الدولة خيارات حقيقية، وحماية الأصول التي يصعب تعويضها، وبناء موقع داخل سلاسل القيمة بدلاً من الاكتفاء باستخدام نتائجها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع استمرار الاستثمار العالمي في الأصول غير الملموسة. فقد تجاوز الاستثمار العالمي فيها 10 تريليونات دولار في عام 2025، وأصبح ينمو بأكثر من ثلاثة أضعاف سرعة الاستثمار الملموس منذ عام 2008، مع صعود واضح للبرمجيات والبيانات والبحث والتطوير، وفق منظ مة الويبو ومدرسة لويس للأعمال.
لذلك فإن السؤال عن مستقبل براءة الاختراع يحتاج إلى صياغة أكثر دقة. البيانات لا تهدد البراءة بإلغائها، وإنما قد تعيد موقعها داخل منظومة القيمة. فكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف المنتجات وتصميمها وتحسينها، تزداد أهمية الطبقات التي تسبق المنتج: البيانات، والحوسبة، والنماذج، والخوارزميات، والبنية التحتية، والقدرة البحثية.
وفي الوقت نفسه، تشير حركة البراءات نفسها إلى أن هذا التحول يجري من داخل منظومة الملكية الفكرية وليس خارجها. فقد سجلت طلبات براءات الاختراع الدولية 275.900 طلب في عام 2025، وكانت الاتصالات الرقمية والحوسبة وأشباه الموصلات من المجالات البارزة في النمو، بما يعكس استمرار البراءة كأداة لحماية الابتكار في قلب الثورة الرقمية نفسها، وفق منظمة الويبو حول طلبات البراءات الدولية لعام 2025.
وهكذا لا تتجه المنظومة من براءة الاختراع إلى البيانات، وإنما من نموذج تكون فيه البراءة نقطة مركزية في تثبيت قيمة الابتكار إلى نموذج تصبح فيه البراءة واحدة من عدة طبقات داخل منظومة أوسع تبدأ من البيانات وتنتهي بالمنتج والسوق.
في الاقتصاد الصناعي كانت الأرض والآلة والمصنع من أهم مصادر القوة. وفي الاقتصاد المعرفي أصبحت المعرفة والبحث والتطوير وبراءة الاختراع أصولاً استراتيجية. أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فتتقدم طبقة جديدة إلى المقدمة: القدرة على إنتاج الذكاء الذي ينتج المعرفة والابتكار.
لم تعد المسألة فقط من يملك المنتج، ولا من يملك براءة اختراعه، وإنما من يملك البيانات التي يتعلم منها الذكاء، والحوسبة التي تشغله، والنموذج الذي يحولها إلى معرفة، والبنية التي تحول المعرفة إلى قيمة.
فبراءة الاختراع تحمي ابتكاراً تحقق، أما السيادة الرقمية فتتعلق بالقدرة على إنتاج الابتكارات التي لم تتحقق بعد.
ومن هنا يمكن فهم الفجوة الجديدة بين القطبين: قطب يمتلك البيانات بوصفها مورداً، وقطب يمتلك المنظومة التي تجعل البيانات مصدراً مستمراً للمعرفة والثروة والسيادة.
وفي هذا العالم، قد لا تكون المعركة القادمة على من يملك أكبر عدد من البراءات، بل على من يملك القدرة على إنتاج البراءات والمنتجات والمعرفة القادمة.