«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
يختزن معرض عمارة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة شواهد مادية على تاريخ يمتد عبر قرون من الحضارة الإسلامية؛ إذ تستعيد أبوابه التاريخية ونقوشه ومخطوطاته وعناصره المعمارية مراحل متعاقبة من بناء المسجد الحرام والمسجد النبوي وتوسعتهما وتجديدهما، وتكشف عن تطور فنون العمارة والزخرفة والصناعة المرتبطة بهما.
ويقدم المعرض، الذي تشرف عليه الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، تجربة ثقافية تتجاوز عرض المقتنيات إلى قراءة دلالاتها التاريخية والفنية، من خلال قطع أصلية ونماذج معمارية وصور ووثائق توثق ملامح من العناية بالحرمين الشريفين، وما ارتبط بها من جهود لخدمة المصلين والحجاج والمعتمرين.
ويقع المعرض في حي أم الجود بمكة المكرمة، بالقرب من مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة، على مساحة تبلغ نحو 1200 متر مربع، وافتُتح في 25 شوال 1420هـ، الموافق 1 فبراير 2000م. ويتكون من سبع قاعات تستعرض جوانب متعددة من تاريخ الحرمين الشريفين، وتضم نماذج معمارية ومخطوطات وصورًا فوتوغرافية ومقتنيات مرتبطة بالكعبة المشرفة والمسجد الحرام والمسجد النبوي وماء زمزم.
لوحة ذهبية تروي تاريخ باب الكعبة
من أبرز مقتنيات المعرض لوحة تاريخية مصنوعة من الذهب الخالص، كانت تعلو باب الكعبة المشرفة، ويعود تاريخها إلى عام 1119هـ، الموافق 1707م. وتتكون من ست قطع متصلة ومثبتة على قاعدة حديدية، نُقشت عليها آيات قرآنية، في عمل يجمع بين دقة الصياغة وجمال الخط العربي والقيمة المعمارية.
وتكشف اللوحة عن جانب من تطور فنون النقش والزخرفة وتوظيف الكتابة العربية في عمارة الأماكن المقدسة، كما تمنح الباحثين والمهتمين بالفنون الإسلامية فرصة لتأمل العلاقة بين التكوين الفني والوظيفة المعمارية، في قطعة تستمد أهميتها من قيمتها الجمالية وارتباطها التاريخي بباب الكعبة المشرفة.
ويضم المعرض أيضًا ساعة تاريخية يُرجح أن تعود إلى عام 1277هـ، الموافق 1860م، وترتبط بتاريخ المسجد النبوي وتنظيم أوقات الصلاة. وتمثل الساعة شاهدًا على جانب من الأدوات التي ارتبطت بتنظيم شؤون العبادة، وتعكس ما بلغته صناعة الساعات من دقة وحرفية خلال تلك المرحلة.
نقوش وأعمدة تحفظ تاريخ العمارة
وتشمل المقتنيات شواهد معمارية ذات قيمة تاريخية، من بينها قطعة رخامية تعود إلى عام 1073هـ، الموافق 1662م، وترتبط بتاريخ أروقة المسجد الحرام، وعمود رخامي يحمل نقشًا يؤرخ لبناء إحدى مآذن المسجد الحرام عام 772هـ، الموافق 1370م.
وتتيح هذه القطع تتبع مراحل من تاريخ البناء والتجديد، وتبرز أهمية النقوش التأسيسية في توثيق الأعمال المعمارية والعصور التي تنتمي إليها. كما تكشف عن المهارات الفنية التي وظفت في صناعة العناصر المعمارية وزخرفتها، وعن الدور الذي أدته الكتابة العربية في تسجيل تاريخ المباني الإسلامية.
ومن خلال هذه الشواهد، تتجلى العمارة بوصفها سجلًا تاريخيًا تتجاوز دلالاته الأشكال الهندسية إلى تفاصيل البناء والصيانة والتطوير، وما تختزنه من آثار الخبرات الفنية المتعاقبة التي أسهمت في تشكيل ملامح الحرمين الشريفين.
قاعدة خشبية توثق تاريخ تنظيم الطواف
ومن المقتنيات اللافتة قاعدة خشبية كانت تُستخدم لوقوف أحد العسكريين المكلفين بتنظيم حركة الطائفين بالقرب من الحجر الأسود، وهي قطعة توثق جانبًا من الوسائل الميدانية التي ارتبطت بتنظيم الطواف في المسجد الحرام.
وتكشف هذه القاعدة عن جانب من تاريخ الخدمات التنظيمية في الحرم المكي، وتوضح أن العناية بالحرمين الشريفين لم تقتصر على البناء والتوسعة، بل امتدت إلى تنظيم حركة المصلين والطائفين، وتطوير الوسائل التي تسهم في تيسير أداء الشعائر والمحافظة على انسيابية الحركة.
وتمنح هذه القطعة التاريخية قراءة المعرض بعدًا يتصل بالحياة اليومية في الحرمين الشريفين، حيث تتكامل شواهد العمارة مع مقتنيات توثق تطور الخدمات وأساليب التنظيم، بما يعكس تعدد جوانب العناية بالمكان عبر العصور.
التوثيق الرقمي وصون الذاكرة التاريخية
وشهد المعرض أعمال تطوير استهدفت تحسين أساليب عرض مقتنياته وتحديث بنيته الفنية وأنظمة الإضاءة، بما يبرز تفاصيل القطع التاريخية ويعزز تجربة الزوار. كما شملت جهود التوثيق استخدام تقنيات المسح الضوئي والتصوير الفوتوغرافي والتصميم ثلاثي الأبعاد لحفظ تفاصيل المقتنيات وإتاحتها لأغراض التوثيق والدراسة.
ويتيح التوثيق الرقمي تسجيل تفاصيل القطع بدقة، ويدعم دراستها ومقارنتها، ويوسع فرص الاستفادة منها في البحث والتعليم والتعريف بالتراث المعماري الإسلامي، إلى جانب المحافظة على المقتنيات الأصلية وصيانتها بوصفها شواهد مادية على تاريخ الحرمين الشريفين.
إرث حضاري للأجيال
توفر مقتنيات المعرض مدخلًا لفهم المسار التاريخي للعناية بالحرمين الشريفين، من الشواهد المعمارية التي تعود إلى عصور إسلامية مختلفة، إلى مشروعات التوسعة والتطوير التي شهدها الحرمان الشريفان في العهد السعودي، وما صاحبها من أعمال إنشائية وخدمية استجابت لتزايد أعداد المصلين والحجاج والمعتمرين.
وتتجاوز أهمية هذا التوثيق حدود المكان؛ فالحرمين الشريفين يحتلان موقعًا مركزيًا في الوجدان الإسلامي، وما يرتبط بهما من عمارة وفنون وصناعات ومخطوطات يمثل جانبًا من التراث الحضاري الذي أسهمت أجيال متعاقبة في تشكيله والمحافظة عليه.
ويستهدف المعرض إثراء معرفة الزوار بهذا الإرث وتعريف الأجيال بمراحله التاريخية، من خلال محتوى يجمع بين المقتنيات الأصلية والتوثيق وأساليب العرض الحديثة، فيما تقدم كوادر وطنية الخدمات الإرشادية والمعرفية، وتتيح الهيئة حجز مواعيد الزيارة عبر بوابتها الإلكترونية.
وبذلك، لا تقتصر قيمة معرض عمارة الحرمين الشريفين على ما يضمه من مقتنيات نادرة، بل تمتد إلى ما تتيحه من قراءة لتاريخ المكان وتحولاته؛ فالنقوش تسجل أثر العصور، والعناصر المعمارية تكشف تطور فنون البناء، والمقتنيات تستعيد جوانب من الجهود التي تعاقبت على خدمة الحرمين الشريفين، لتظل هذه الشواهد ذاكرة حضارية تصل الأجيال بتاريخ المكان ومكانته في وجدان المسلمين.