هيا الدوسري
في جولة استكشافية على بثوث تيك توك، قررت أن أراقب هذا العالم بصمت، لأتعرف على ما يدور فيه، وأفهم دوافع الأشخاص الذين يقفون خلف هذه الشاشات، وما الذي يدفعهم إلى الظهور أمام الآخرين، لا سيما أنني لست من متابعي البثوث، لكن الفضول دفعني هذه المرة إلى خوض هذه التجربة.
فخرجت من جولتي بعدد من الملاحظات والأفكار، فقد وجدت أن هذه البثوث تتنوع بين من يبحث عن الظهور لمجرد الظهور، ومن يسعى إلى الشهرة والمكاسب الدنيوية، ومن يطلب الدين والعلم، ومن يبحث عن الترفيه لقتل الفراغ وتبديد الملل، ومن يفتش عن دفء العلاقات والصداقات التي قد يفتقدها في محيطه، فيجد في التواصل مع الآخرين وتبادل الحديث معهم ما يحقق له شيئًا من الأنس والمشاركة.
إنه عالم واسع يجمع الفرد والأسرة وكبار السن وربات البيوت والمثقفين والبسطاء، ولكل منهم غاية يسعى إلى تحقيقها من خلال هذا الظهور.
وقد لفتني أن الظهور لم يعد غاية في ذاته لدى الجميع، بل أصبح عند بعضهم وسيلة لتبديد الملل والوحدة، والشعور بأن هناك أناسًا يشاركونهم الوقت والحديث وتفاصيل الحياة اليومية.نظراً لطبيعة الإنسان الاجتماعية .
فعلى سبيل المثال، شاهدت أسرة تُعد الطعام وتتبادل الحديث مع متابعيها، ورأيت امرأة بسيطة تغمرها الفرحة بفستانها الجديد، الذي ستحضر به العرس ،فأرادت أن يراه المشاهدون ويشاركوها فرحتها. وربما وجدت هذه المرأة في البث مساحة تعبّر فيها عن سعادتها، وتجد من يتفاعل معها ويشاركها لحظتها البسيطة، بل و حتى راعي الغنم القابع في خيمته البعيدة لم ينسَ نصيبه من التواصل الذي يبدد وحدته المخيفة في غياهب الصحراء.
وشاهدت رجلًا وزوجته يعيشان في شقة صغيرة وضيقة، وهما يغسلان ملابسهما وينشرانها على حبل داخل الشقة، ويتبادلان الحديث مع المشاهدين فيتحوّل عملهما إلى وقت للترفيه ،ولم ألحظ أنهما ينتظران من مشاهديهما هدايا افتراضية، كالأسد أو الزرافة أو القلوب، أو دعمًا ماديًا من أشخاص بسطاء مثلهم؛ بل بدا المشهد أقرب إلى مشاركة تفاصيل الحياة اليومية وقضاء الوقت في أجواء من الأنس.
وقد وجدت في مثل هذه البثوث صورة مختلفة عن تلك التي يغلب عليها الاستعراض والتنافس على الهدايا والمكاسب؛ إذ شعرت بصدق الرغبة في التواصل لدى بعض هؤلاء البسطاء، وأصبحت أميل إلى مشاهدتهم أكثر من أولئك المزعجين الذين بدا لي أن غايتهم الظهور من أجل الظهور أو التكسب منه.
ولم تقتصر مشاهداتي على البثوث اليومية والترفيهية، بل شاهدت دروسًا في قراءة القرآن الكريم، وبثوثًا تتناول التربية والاستشارات، وغيرها من الموضوعات التي يجد فيها كل شخص ما يناسب اهتمامه وحاجته. فلكل نوع من البثوث متابعوه الذين يحرصون على الحضور والمشاركة، ولولا اختلاف العقول لبارت البثوث!
لقد أصبحت بعض هذه البثوث مجالس يتبادل فيها الناس الأحاديث والأفكار والفكاهة، وأخرى مدارس يتلقون فيها العلم والمعرفة، ومنها ما يفتح أبوابًا للاستشارة وتبادل الخبرات. وهكذا أصبحت البثوث جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ فمنها ما نشاهده في المجالس والمطابخ، ومنها ما يتسلل إلى أماكن وأوقات مختلفة، حتى بات بعض الناس يشاركون الآخرين جانبًا من أنشطتهم اليومية أينما كانوا.
وقد جعلني ذلك أتساءل: كيف أصبحت هذه التقنية التي أبعدت الناس عن بعضهم في جوانب من حياتهم الواقعية، وساهمت في تراجع بعض أشكال التواصل المباشر بين الأهل والجيران والأصدقاء، وسيلةً أخرى تجمعهم وتقربهم، ولكن بطريقتها الخاصة؟
لقد اتسعت دوائر التواصل، وأصبح بإمكان الإنسان أن يتحدث مع أشخاص من أماكن بعيدة، لم يسبق له أن التقاهم، وأن يشاركهم فرحته أو حزنه أو اهتماماته، بل أن يجد بينهم من يستمع إليه ويبادله الحديث، حتى أثناء انشغاله بأعماله اليومية.
من خلال هذه البثوث، شعرت بأن العالم قد اشتبك بعضه ببعض، وكأن المسافات التي تفصل بين البشر لم تعد تحول دون تواصلهم، وهو ما يؤكد أن الإنسان لا يستغني عن الآخرين، مهما اختلفت ظروفه واهتماماته.
وربما استطاعت ربة المنزل أن تنجز أعمالها وهي تتبادل الأحاديث مع المشاهدين، فلا تشعر بمرور الوقت الممل أثناء العمل. وفي مثل هذه الحالات، يصبح البث وسيلة نافعة تضيف إلى اليوم شيئًا من المتعة والأنس، ما دام لا يؤثر في واجبات الإنسان أو خصوصيته أو حقوق الآخرين.
وهنا أدركت أن هذه البثوث ليست نمطًا واحدًا، ولا يمكن الحكم عليها بحكم واحد؛ فهي تختلف باختلاف غايات أصحابها، ومحتواها، والأثر الذي تتركه في نفوس متابعيها. فهناك من يوظفها للتعلم والتعليم، وهناك من يجد فيها الترفيه والصحبة، وهناك من يسعى من خلالها إلى الشهرة أو الكسب، وقد تجتمع أكثر من غاية لدى الشخص نفسه.
فهل هذه البثوث نعمة تحقق لكل مستخدم غاية في نفسه، أم أنها أصبحت هوسا افتتن به كثير من الناس، رغبة في الظهور أو الشهرة حتى باتت تستحوذ على أوقاتهم وتشغلهم عن واقعهم ومسؤولياتهم؟
هناك من ينتقد البثوث ويرى فيها أمرًا سلبيًا، لكنني أرى أن البث في ذاته ليس أمرا سلبيا، وإنما تتحدد قيمته بحسب طريقة استخدامه وأسلوب التواصل من خلاله، فالكأس يمكن أن يُشرب فيه الماء، كما يمكن أن يُشرب فيه الخمر، لكنه في الحالتين مجرد وعاء؛ وكذلك البث، فهو وسيلة للتواصل، وما نقدّمه من خلاله، والطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين، هما مايحددان أثره وقيمته .
إن البث، كغيره من وسائل الحياة، سلاح ذو حدين؛ فقد ينفع أو يضر وقد يفيد أو يفسد، بحسب الغاية من استخدامه وطريقة توظيفه. فالمهم ليس مجرد الظهور، وإنما أن نعرف لماذا نظهر، وماذا نقدم، وما الأثر الذي نتركه في أنفسنا وفي الآخرين.
وفي نهاية جولتي الاستكشافية، وجدتني أعود إلى المثل الشعبي: «الناس لبعضيها».
فمهما ابتعد الناس عن بعضهم، ومهما تغيرت وسائل التواصل بينهم، سيبحثون عن الآخرين ، وتظل الحاجة إلى المشاركة والحديث والأنس حاضرة في حياتهم، ويبحثون عن وسائل تلبيها. وقد أصبحت البثوث لدى بعضهم مجالس افتراضية تجمعهم، يتبادلون فيها العلم أو الترفيه أو تفاصيل الحياة البسيطة، دون أن تجمعهم بالضرورة معرفة سابقة أو مصلحة مشتركة.
ولعل ما لفتني أكثر من غيره أنني وجدت نفسي أميل إلى استكشاف عالم البسطاء الذين يشاركون تفاصيل حياتهم بعفوية، وأشعر بصدق رغبتهم في التواصل، أكثر من انجذابي إلى بعض البثوث التي يغلب عليها الاستعراض والسعي إلى الظهور أو التكسب.
وهنا يبقى السؤال: هل قرّبتنا وسائل التواصل الاجتماعي من بعضنا، أم أبعدتنا ؟ أم أنها كشفت لنا أن الإنسان كان دائمًا بحاجة إلى الآخرين، وأنه كلما تغيرت وسائل الحياة، بحث عن وسيلة جديدة يجتمع بها معهم؟
ربما لا نملك إجابة واحدة عن هذا السؤال، لكن ما خرجت به من جولتي هو أن الناس، على اختلاف عقولهم واهتماماتهم وغاياتهم، ما زالوا يبحثون عن مساحات تجمعهم؛ وكأن المثل الشعبي «الناس لبعضيها» يجد في هذا العالم صورة جديدة لحياة الناس.
وأختم مقالي بسؤال أخير؛ هل ما زال هناك بشر يحتفظون بخصوصيتهم، ويبقون خارج التغطية في عالم تيك توك؟!.