حذامي محجوب
لا تبدأ أهمية اليمن من حدوده الجغرافية وحدها، ولا تنتهي عند أزمته السياسية والعسكرية الداخلية، بل تنبع من موقعه في قلب معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
فهذا البلد المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، والمشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يقف عند نقطة تتقاطع فيها حركة التجارة والطاقة مع حسابات الأمن والسياسة والنفوذ. ولذلك، فإن ما يجري في اليمن لا يمكن اختزاله في كونه خلافا بين حكومة شرعية وفصائل مسلحة، لأن تداعياته تجاوزت الحدود منذ وقت طويل، وأصبحت تمس أمن الخليج، واستقرار الجزيرة العربية، وسلامة الملاحة الدولية.
ومن هذه الزاوية تحديدا، ينبغي قراءة العلاقة بين إيران والحوثيين، بعيدا عن التفسيرات التي تحصر المشهد في أسبابه الداخلية، أو تتعامل مع الهجمات الإرهابية التي استهدفت المملكة العربية السعودية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية باعتبارها وقائع منفصلة عن سياقها الإقليمي.
فالحوثيون ليسوا مجرد جماعة مسلحة إرهابية نشأت في بيئة يمنية مضطربة، بل أصبحوا، بفعل الدعم الإيراني المتراكم، جزءًا من منظومة نفوذ عابرة للحدود، تمتلك أدوات عسكرية وسياسية وإعلامية تتجاوز طبيعة العصابات والجماعات المحلية التقليدية.
هذا لا يعني إلغاء العوامل اليمنية أو إنكار وجود حسابات محلية لدى الحوثيين، غير أن تجاهل طبيعة الدعم الإيراني وأهدافه يجعل قراءة المشهد ناقصة، ويحول دون فهم التحول الذي طرأ على قدرات الجماعة ودورها.
فالحوثيون، بوصفهم جماعة إرهابية، انتقلوا بفعل فاعل من حركة مسلحة محدودة التأثير إلى قوة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات القتالية، وتستطيع تهديد المدن والمنشآت والممرات البحرية، وتفرض نفسها طرفًا في معادلات إقليمية أوسع من حدود اليمن. لقد طورت إيران خلال العقود الماضية نموذجًا يقوم على بناء وكلاء وشبكات من الميليشيات الإرهابية المسلحة داخل عدد من الدول العربية، لتمنح هذه الشبكات طهران قدرة على التأثير في قرارات الحرب والسلم، وتعطيل مؤسسات الدولة، وفتح جبهات متعددة ضد خصومها، من دون أن تضطر إلى خوض مواجهة مباشرة في كل مرة.
وتقوم هذه الاستراتيجية على فكرة واضحة: كلما ضعفت الدولة الوطنية، اتسعت مساحة الحركة أمام الجماعات المسلحة، وكلما امتلكت تلك الجماعات سلاحا نوعيًا وقدرة على فرض التوترات والاضطرابات، أصبحت ورقة تفاوضية في يد الجهة التي تدعمها.
وبذلك، يتحول النفوذ من علاقة سياسية عابرة إلى بنية أمنية وعسكرية متكاملة، تستطيع طهران استخدامها في الردع والضغط والمساومة، سواء في مواجهة دول المنطقة أو في إدارة علاقاتها مع القوى الدولية.
لقد أدركت إيران أن النفوذ لا يُقاس فقط بعدد الجنود أو مساحة الأراضي التي تسيطر عليها، بل يمكن أن يتحقق عبر حلفاء محليين يمتلكون القدرة على تعطيل الدولة وتهديد الجوار.
فالجماعة الإرهابية المسلحة التي تسيطر على ميناء أو عاصمة أو منطقة حدودية لا تحتاج إلى أن تكون دولة كاملة حتى تؤثر في أمن الدول الأخرى. يكفي أن تمتلك السلاح والقدرة على التصرف فيه واستخدامه، وأن تكون مرتبطة بشبكة دعم خارجية، حتى تتحول إلى أداة ضغط وابتزاز.
وهذا ما يفسر اهتمام إيران بتطوير قدرات الحوثيين، وتزويدهم بالخبرات والتقنيات التي مكنتهم من تشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحسين قدرتهم على استهداف مواقع بعيدة نسبيا عن مناطق سيطرتهم.
فالمسألة لا تتعلق بتقديم دعم عسكري لجماعة محلية فحسب، بل بإعادة تشكيل وظيفة اليمن داخل الصراع الإقليمي، وتحويله إلى منصة ضغط على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وإلى ورقة تهديد للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
الجغرافيا ورقة ضغط
يحتل اليمن موقعًا لا يسمح بالتعامل معه باعتباره هامشا جغرافيًا أو دولة بعيدة عن مراكز التأثير.
فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل بوابة رئيسية لحركة السفن بين آسيا وأوروبا.
كما أن قربه من السواحل السعودية ومن خطوط الملاحة الدولية يمنحه أهمية أمنية مضاعفة، خصوصا في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار طرق التجارة والطاقة.
ومن هنا، فإن السيطرة على أجزاء من الساحل اليمني أو امتلاك القدرة على تهديد السفن لا يمثل مجرد مكسب عسكري محدود، بل يوفر ورقة ضغط ذات أبعاد دولية.
فكل هجوم على سفينة تجارية، أو تهديد لممر بحري، يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويدفع الشركات إلى تغيير مساراتها، بما ينعكس على الأسواق والاقتصادات في مناطق بعيدة عن اليمن.
وتزداد خطورة هذا الواقع عندما تكون الجهة التي تملك القدرة على التهديد مرتبطة بمشروع إقليمي لا يخضع لمؤسسات الدولة اليمنية.
فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم تصبح عاجزة عن حماية حدودها وموانئها ومياهها الإقليمية، بينما تتحول أراضيها إلى ساحة تستخدمها قوى خارجية لتوجيه رسائلها وفرض شروطها.
وفي هذه الحالة، لا يعود اليمن صاحب القرار في موقعه الجغرافي، بل يصبح الموقع نفسه أداة في صراع الآخرين.
إن خطورة الوضع لا تكمن في الهجمات وحدها، بل في تحولها إلى نمط دائم من الابتزاز. فكلما امتلكت جماعة إرهابية مسلحة القدرة على تهديد الملاحة أو المدن أو المنشآت الحيوية، أصبح بإمكانها استخدام هذه القدرة في توقيتات سياسية محددة، وربطها بملفات إقليمية لا علاقة مباشرة لها باليمن. وهنا تتحول الجغرافيا من فرصة للتنمية والتكامل إلى مصدر دائم للقلق والتهديد.
من جماعة محلية إلى ذراع إرهابية إقليمية
ساعد الدعم الإيراني على تسريع هذا التحول، سواء من خلال نقل الخبرات أو توفير التقنيات أو تقديم التدريب والمساندة اللوجستية. ومع مرور الوقت، لم يعد الحوثيون يعتمدون على الأسلحة التقليدية وحدها، بل أصبحوا يمتلكون منظومات هجومية قادرة على استهداف مواقع بعيدة، وتهديد منشآت مدنية واقتصادية، وإرباك حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وهنا ينبغي التمييز بين القدرة المحلية للجماعة وبين البيئة الإقليمية التي ساعدت على تطويرها.
فالحوثيون يمتلكون دوافعهم وحساباتهم، لكن وصولهم إلى مستوى متقدم من القدرات الصاروخية والمسيّرة لم يكن نتيجة طبيعية للصراع اليمني وحده.
كما أن استمرار تدفق الخبرات والتقنيات والسلاح يمنح الجماعة قدرة على مواصلة التصعيد، ويجعل أي تهدئة مؤقتة عرضة للانهيار متى قررت طهران أو حلفاؤها إعادة تنشيط الجبهة.
إن تحويل جماعة إرهابية إلى قوة قادرة على تهديد دول، أو التأثير في حركة التجارة الدولية، بما يمثل نموذجا واضحًا لكيفية استخدام إيران للأزمات المحلية في بناء نفوذ إقليمي. فبدلًا من أن تكون الحرب اليمنية طريقًا إلى تسوية سياسية، أصبحت في جانب منها وسيلة لإنتاج ميليشيا مسلحة جديدة وتقويتها، وإعادة توزيع موازين الردع في المنطقة.
تحتل المملكة العربية السعودية موقعًا محوريًا في معادلة الأمن اليمني، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة، بل بسبب الروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تجمع البلدين.
فاستقرار اليمن ينعكس مباشرة على أمن المملكة، وأي فراغ أمني أو انتشار لجماعات مسلحة إرهابية على الحدود يمثل تهديدًا لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنا داخليا يمنيًا.
ولهذا، فإن استهداف الأراضي السعودية من داخل سيطرة الحوثيين في اليمن لا يمكن وصفه بأنه مجرد امتداد لنزاع محلي.
إنه اعتداء على أمن دولة محورية ذات سيادة في المنطقة، ومحاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على إبقاء المملكة تحت ضغط مستمر، وتهديد منشآتها الحيوية، وإرباك اقتصادها ومشروعاتها التنموية.
كما أن استهداف المدن والمنشآت المدنية يكشف أن الهدف لا يقتصر على تحقيق مكسب عسكري، بل يهدف الى إحداث أثر نفسي واقتصادي وسياسي واسع.
وقد تعاملت المملكة بحكمة كبيرة مع الملف اليمني، انطلاقًا من مسؤوليتها الأمنية والإقليمية، وحرصها على منع تحول اليمن إلى منصة تهديد دائمة.
فدعمها للحكومة اليمنية الشرعية، ومساندتها للجهود السياسية والإنسانية، وحرصها على حماية حدودها، كلها سياسات ترتبط بهدف أساسي هو استعادة الدولة اليمنية لدورها، ومنع الجماعات المسلحة من احتكار القرار الوطني.
كما لا يمكن فصل أمن السعودية عن أمن الخليج بأكمله. فالمملكة ليست دولة عابرة في منظومة المنطقة، بل تمثل ثقلًا سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وأي محاولة لتهديد أمنها تنعكس على استقرار دول مجلس التعاون، وعلى أمن الطاقة والتجارة.
لذلك، فإن الدفاع عن أمن المملكة ليس موقفا ثنائيًا، بل جزء من حماية منظومة إقليمية أوسع.
الملاحة الدولية.. ضحية أخرى للفوضى
لم يعد أثر الأزمة اليمنية محصورًا في المدن والقرى اليمنية أو في الحدود السعودية، بل امتد إلى البحر الأحمر وخليج عدن، حيث أصبحت السفن التجارية عرضة للتهديد والهجمات.
وهذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة، لأن حرية الملاحة ليست قضية تخص دولة واحدة، بل مبدأ أساسي من مبادئ الاقتصاد العالمي والقانون الدولي.
إن تهديد السفن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويجبر الشركات على اتخاذ طرق أطول وأكثر كلفة، ويؤثر في وصول السلع والطاقة إلى الأسواق.
كما أن استمرار المخاطر في البحر الأحمر قد يدفع إلى عسكرة متزايدة للممرات البحرية، ويزيد احتمالات وقوع حوادث أو مواجهات غير محسوبة.
وفي كل الأحوال، يدفع المدنيون والاقتصادات ثمنًا لا علاقة لهم بأسباب الصراع الأصلية. ومن المؤسف أن تتحول معاناة اليمنيين وموقع بلادهم إلى وسيلة لخدمة أجندة خارجية.
فاليمن الذي كان يمكن أن يكون جسرًا للتجارة والتواصل بين الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، أصبح مهددًا بأن يتحول إلى نقطة اضطراب دائمة.
وكلما طال أمد الحرب، تراجعت فرص استعادة دوره الطبيعي، وتعمقت الأضر ار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد والمجتمع.
إن حماية الملاحة لا تعني معالجة الأعراض فقط، بل تتطلب معالجة أصل المشكلة، أي إنهاء حالة الفوضى التي تسمح لجماعة إرهابية بامتلاك قرار الحرب، ووقف تدفق السلاح والخبرات التي تغذي التصعيد، ودعم الدولة اليمنية الشرعية لتكون قادرة على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.
كما لا يمكن فهم الدور الإيراني في اليمن بمعزل عن نمط تدخل طهران في دول عربية أخرى. ففي العراق، أدى انتشار الفصائل المسلحة خارج الإطار الوطني إلى إضعاف الدولة وتعقيد بناء مؤسسات أمنية موحدة.
وفي سوريا، أسهم التدخل الإيراني في إطالة أمد الحرب، وترسيخ واقع عسكري وطائفي، وتحويل البلاد إلى ممر لنقل السلاح وتثبيت النفوذ.
وفي لبنان، أدى احتفاظ حزب الله بترسانة من الأسلحة مستقلة عن الدولة إلى تعطيل الحياة السياسية وإبقاء البلاد رهينة للتجاذبات الإقليمية.
هذه الحالات، رغم اختلاف ظروفها، تكشف نمطًا واحدًا يقوم على دعم ميليشيات مسلحة لتمتلك قرارًا مستقلًا عن الدولة، وتستخدم السلاح لفرض شروطها، وتربط استقرار البلد بمصالح الجهة الخارجية التي تدعمها.
وفي كل مرة، تكون النتيجة إضعاف المؤسسات الوطنية، وتعطيل التسويات، وتوسيع الانقسام الاجتماعي، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة.
وفي اليمن، تبدو الصورة أكثر خطورة بسبب الموقع الجغرافي. فالجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة لا تملك نفوذًا داخل اليمن فحسب، بل تسيطر على منطقة قريبة من ممرات بحرية دولية، وتستطيع توظيف هذا الموقع في صراعات تتجاوز حدودها.
ولذلك، فإن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفًا يمنيًا فقط لا يعكس الواقع، لأن ما يجري في اليمن جزء من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي. فهناك مشروع يسعى إلى بناء دول وطنية مستقرة، تمتلك مؤسساتها وقرارها السيادي، وتدير علاقاتها وفق مصالحها، في مقابل مشروع يقوم على تفكيك الدول إلى مناطق نفوذ، وإسناد أدوار أمنية وسياسية إلى جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بالخارج. وبين المشروعين يتحدد مستقبل المنطقة وقدرتها على تجاوز الحروب والانقسامات.
يمكن للحوثيين أن يطلقوا على أنفسهم الاسم الذي يريدونه، ويمكنهم أن يتظاهروا بعدائهم للولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الوقائع تُثبت أنهم جماعة إرهابية تُشهر السلاح ضد اليمنيين، وترسل المسيّرات في اتجاه المنشآت المدنية للمسلمين، وتهدد أمن المنطقة. فلا ولاء لهم إلا لمن يمدهم بالسلاح والمسيّرات والقذائف لخدمة أجنداته.
إنهم جماعة إرهابية خارج الدولة الشرعية، حتى وإن رفعوا شعارات دينية. فليس كل من رفع شعار الدين ناصرًا له، فالحوثي يتخذ من قداسة الشعار ستارًا لباطل الموقف.
إن المعيار الصحيح ينبغي أن يكون واضحًا وثابتًا: احترام سيادة الدول، ورفض إنشاء كيانات مسلحة موازية، وحماية المدنيين، ودعم الحلول السياسية، ومنع استخدام أراضي الدول العربية لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن السياسة الرشيدة تقوم على مبادئ ثابتة، وتضع مصلحة الدولة والمجتمع فوق الحسابات الأيديولوجية.
قد تحاول إيران تبرير تدخلاتها وانتهاكاتها لسيادة الدول باعتبارها رد فعل على مواقف خصومها، أو تصوير دعمها للجماعات الإرهابية المسلحة على أنه جزء من معادلة الردع.
لكن هذه التبريرات لا تغير من حقيقة أن طهران تتحمل المسؤولية كاملة عن بناء منظومة إقليمية تقوم على نشر الإرهاب وتسليح الفاعلين من خارج الدولة، وتوسيع نفوذهم، واستخدامهم في الضغط والتفاوض.
فالردع الحقيقي لا يُبنى على إضعاف الدول، ولا على تحويل المجتمعات إلى ساحات صراع، ولا على منح جماعات إرهابية مسلحة القدرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم.
وما تسميه إيران نفوذا أو عمقا استراتيجيًا، تدفع الشعوب العربية ثمنه من أمنها واستقرارها واقتصادها ومستقبل أجيالها.
كما أن استمرار دعم الميليشيات الإرهابية المسلحة يعرقل أي تسوية سياسية.
فكيف يمكن بناء دولة مستقرة في ظل وجود قوة عسكرية لا تخضع لسلطة الحكومة الشرعية ؟ وكيف يمكن تحقيق سلام دائم إذا بقيت الحدود مفتوحة أمام نقل الخبرات والتقنيات والأسلحة؟
إن المسؤولية الإيرانية لا تعني إعفاء الأطراف اليمنية من مسؤولياتها، لكنها تعني وضع الأمور في سياقها الصحيح.
فالأزمة اليمنية لها جذور داخلية، غير أن التدخل الإيراني يتحمل مسؤولية كبيرة عن تعميقها، من خلال منح الحوثيين قدرات عسكرية جعلت التسوية أكثر صعوبة، وتحويل اليمن إلى مصدر للإرهاب وورقة في صراع إقليمي واسع.
لا يمكن أن يكون الحل في اليمن عسكريًا فقط، كما لا يمكن أن يكون سياسيًا بمعزل عن الترتيبات الأمنية. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى أن تستعيد الحكومة اليمنية الشرعية بسط سلطتها، وتوحيد مؤسساتها، ووضع ترتيبات تضمن احتكار الدولة للسلاح، وتمنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الجوار أو الملاحة الدولية.
ويبدأ ذلك بدعم مسار سياسي يمني شامل، لا يستثني المكونات الاجتماعية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه لا يكافئ الإرهاب ومنطق القوة، ولا يمنح السلاح شرعية دائمة. فالمشاركة السياسية حق، أما فرض الإرادة بالسلاح فليس مشروعا لبناء الدولة.
كما أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة واضحة لمسألة السلاح والحدود والقرار السيادي سيظل معرضًا للانهيار.
ورغم كل ما تقدمه المملكة العربية السعودية للشعب اليمني من مساعدات، فإن اليمن يحتاج إلى مزيد من الدعم الاقتصادي والإنساني من العالم، لأن الفقر والبطالة وانهيار الخدمات توفر بيئة خصبة للتجنيد والتطرف واستمرار الحرب. ولا يمكن مطالبة اليمنيين ببناء السلام بينما يعيش ملايين منهم تحت ضغط الجوع والنزوح وانعدام الأمان. فالتنمية ليست ملفا منفصلًا عن الأمن، بل هي أحد شروطه الأساسية.
أما على المستوى الإقليمي، فتحتاج دول المنطقة إلى موقف أكثر تنسيقًا تجاه التدخلات الخارجية، وإلى تعزيز قدراتها في حماية الملاحة والحدود، وإلى استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية للضغط من أجل وقف تهريب السلاح ودعم الجماعات المسلحة.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره قضية استراتيجية، لا مجرد ملف طارئ يظهر عند وقوع الهجمات.
في النهاية
اليمن ليس ساحة هامشية في الحسابات الإقليمية، وأمن المملكة العربية السعودية ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص المنطقة.
فاستقرار اليمن يرتبط مباشرة بأمن الخليج، وسلامة الملاحة في البحر الأحمر، واستقرار التجارة والطاقة، وقدرة الدول العربية على حماية سيادتها من مشاريع النفوذ الخارجي.
لقد أسهمت إيران في تحويل الأزمة اليمنية إلى جزء من منظومة صراع أوسع، عبر دعم جماعة مسلحة وتطوير قدراتها، واستخدام موقع اليمن الجغرافي في الضغط على خصومها.
غير أن استمرار هذا الوضع لا يخدم اليمنيين، ولا يحقق استقرارًا حقيقيًا لإيران نفسها، بل يفتح الباب أمام مزيد من الحروب والتدخلات والتوترات.
والخروج من هذه الدائرة يتطلب رؤية عربية واضحة، لا تتعامل مع الأمن بمنطق الانتقائية، ولا تسمح للشعارات بأن تحجب الحقائق. فالدول لا تُحمى بالخطابات، وإنما بالمؤسسات والسيادة والقدرة على احتكار السلاح، وبناء علاقات إقليمية تقوم على الاحترام المتبادل لا على فرض الوقائع.
إن اليمن يستحق أن يستعيد دولته الشرعية ودوره، وأن يتحول موقعه الجغرافي من مصدر تهديد إلى بوابة للتنمية والتكامل، كما أن المملكة العربية السعودية لن تسمح لهذه الجماعة الإرهابية بأن تجعل أمن مواطنيها والمقيمين على أرضها رهينة لاعتداءاتها، أو أن تعبث بأمنها وتستهدف منشآتها. فأمن المملكة خط أحمر، وسيادتها ليست مجالا للابتزاز، ومن يهدد سلامة أراضيها ومن يقصدها، عليه ان يدرك أن السعودية لن تسمح لميليشيا مسلحة بأن تفرض عليها معادلات التهديد والابتزاز.
إن المنطقة بأكملها تحتاج إلى نظام إقليمي يرفض تحويل الدول إلى ساحات نفوذ، ويضع أمن الشعوب وسيادة الدول وحرية الملاحة فوق الحسابات الأيديولوجية والتحالفات المؤقتة.
فحين يصبح أمن الدول العربية معيارًا ثابتًا، وحين يُنظر إلى التدخلات الإيرانية بوصفها عاملًا أساسيًا في تأجيج الصراعات، لا مجرد رد فعل عليها، يمكن بناء مقاربة أكثر اتزانًا لمستقبل اليمن والخليج. وعندها فقط، يمكن أن تتحول الجغرافيا اليمنية من أداة للتهديد والابتزاز إلى جسر للتواصل، ومن ساحة لصراع النفوذ إلى ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي.