ناصر بن فريوان الشراري
ثمة مفارقات لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى تكشف حجم الخلل في المشهد، إحداها أن تطلق جماعة الحوثي الإرهابية على أحد صواريخها اسم «فلسطين»، ثم تتردد الأنباء عن تهديدات وهجمات تستهدف المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين، وكأن أسماء القضايا العادلة أصبحت قابلة للاستعارة في معارك لا تخدم أصحاب تلك القضايا، بل تضع الأمة أمام تناقض مؤلم بين ما ترفعه بعض الجماعات من شعارات، وما تمارسه من أفعال.
ليس السؤال هنا عن الاسم الذي يحمله الصاروخ، وإنما عن البوصلة التي توجهه، ففلسطين لم تكن يومًا مجرد كلمة تصلح لتزيين السلاح، وإنما قضية شعب وحق وتاريخ، والسعودية التي ظل موقفها من الحقوق الفلسطينية ثابتًا لا يمكن أن تصبح هدفًا مشروعًا تحت أي شعار، فحين يُستدعى اسم فلسطين لتبرير تهديد أمن بلد عربي وإسلامي، فإن القضية لا تُنصر، بل يُساء إلى معناها وتُستنزف رمزيتها.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا لا مواربًا، فالاعتداء على السعودية اعتداء مدان، واستهداف المدنيين عمدًا جريمة لا يغسلها شعار، ولا يخففها ادعاء، ولا يمنحها المشروعية اسم الصاروخ أو الجهة التي أطلقته، ومن حق المملكة، بل من واجبها، أن تحمي أرضها ومواطنيها والمقيمين فيها، وأن تتخذ ما يلزم لردع التهديدات وصون حياة الناس، وفق مقتضيات الدفاع المشروع وأحكام القانون الدولي.
وخلف الصواريخ والمسيّرات سؤال أكبر يتعلق بكيفية تحول جماعات مسلحة إلى أطراف تمتلك قدرات عسكرية تتجاوز إمكاناتها الذاتية، ومن يمدها بالتقنيات والخبرات وشبكات الإمداد، وكيف أصبحت جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة قادرة على فرض أعباء أمنية واقتصادية باهظة على دول المنطقة، وقد أشارت تقارير أممية إلى اعتماد الحوثيين على دعم خارجي في تطوير منظومات تسليح معقدة، وهو ما يجعل مصادر هذه القدرات جزءًا من القضية، لا تفصيلًا يمكن تجاوزه.
ولا تكمن خطورة هذه الجماعات في حجم قوتها العسكرية، بقدر ما تكمن في النهج الذي تتبعه، حين تجعل من الصواريخ والمسيّرات وسيلة لتهديد أمن الدول والممرات الدولية، متجاهلة ما تجرّه هذه الممارسات على شعوب المنطقة من توترات ومخاطر، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على إطلاق السلاح، وإنما بالقدرة على بناء دولة مستقرة وصون حياة الإنسان، وهي معادلة تكشف الفارق بين مشروع دولة تنظر إلى المستقبل، وجماعة لا تزال ترى في السلاح وسيلتها لإثبات الحضور.
من هذه الزاوية يعود إلى الذاكرة حديث «الشرق الأوسط الجديد» الذي ارتبط بوزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس عام 2006، ثم جاءت أحداث عام 2011 لتفتح المنطقة على تحولات عميقة، تراجعت معها مؤسسات دول، واتسعت ساحات الصراع، وتنامى نفوذ الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية، حتى بات المشهد العربي اليوم يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله، من المستفيد من هذا الامتداد المتواصل للفوضى، ومن الذي يجد في إضعاف الدول وإشغالها بصراعاتها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة والنفوذ في المنطقة؟
وما يجري في اليمن لا يمكن عزله عن صورة إقليمية أوسع، ففي السودان حرب تمزق المجتمع ومؤسسات الدولة، وفي ليبيا انقسام طال أمده، وفي البحر الأحمر تهديدات تطال الملاحة الدولية، وفي القرن الأفريقي تتقاطع المصالح والتنافسات حول الموانئ والممرات والنفوذ، ولكل ساحة أسبابها المختلفة، لكن ما يجمعها أن ضعف الدولة يفتح المجال لقوى تتجاوز حدودها، وأن الفوضى حين تستقر في بلد لا تتوقف آثارها عند حدوده.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن المملكة العربية السعودية تمضي في مشروع وطني كبير يعيد رسم ملامح اقتصادها ومجتمعها، بينما لا تزال المنطقة تواجه أطرافًا تستثمر في الاضطراب، فهناك من يفتح أبواب المستقبل بالاستثمار والمعرفة والمشروعات، وهناك من يحاول إبقاء الجغرافيا رهينة الصواريخ والمسيّرات، وبين هذين المسارين يتحدد جانب مهم من الصراع على شكل الشرق الأوسط القادم، أهو فضاء للتنمية والتكامل، أم ساحة مفتوحة للاستنزاف؟
والسعودية ليست رقعة على خريطة الصراع، إنها بلاد الحرمين الشريفين، ومركز ثقل عربي وإسلامي، وركيزة أساسية لاستقرار الخليج والمنطقة، ولذلك فإن استهدافها لا يقف عند حدودها، فأمنها يتصل بأمن جيرانها، وبسلامة الممرات البحرية، وباستقرار الطاقة والتجارة وحياة ملايين البشر، ومن يظن أن النار ستبقى محصورة في بيت جاره يخطئ قراءة الجغرافيا والتاريخ معًا.
لهذا فإن المطلوب من العواصم العربية والإسلامية ليس بيانًا مقتضبًا بعد كل اعتداء، ثم عودة إلى الترقب حتى تقع الضربة التالية، وإنما موقف يترجم التضامن إلى فعل، عبر تنسيق أمني واستخباراتي، وتعاون في الإنذار المبكر وحماية الأجواء، وموقف سياسي جماعي يرفض تحويل اليمن إلى منصة للصواريخ والمسيّرات، وجهود جادة لوقف الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، فالتضامن الذي لا يحمي ولا يردع ولا يمنع تكرار الخطر، يبقى عبارة جميلة لا تصون وطنًا ولا تنقذ إنسانًا.
ومع أهمية الردع، فإن الحل الأبعد أثرًا يبدأ من استعادة الدولة في المناطق التي تنازعتها الجماعات المسلحة، فلا أمن مستدامًا في ظل تعدد مراكز القرار العسكري، ولا استقرار في منطقة تستطيع فيها جماعة أن تختار الحرب بينما تتحمل الشعوب تبعاتها، ومن هنا فإن حماية أمن المنطقة تبدأ بموقف حازم يمنع تحويل الأراضي اليمنية إلى منطلق للاعتداء على المملكة وجيرانها، ويؤكد أن سيادة الدول وسلامة شعوبها ليستا محل مساومة، وأن أي مسار نحو الاستقرار لا يمكن أن يستقيم ما دامت الصواريخ والمسيّرات تُستخدم لتهديد الأمن وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
لقد آن الأوان لأن يُطرح سؤال مختلف عن ذلك الذي يفرضه كل هجوم، فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن مدى الصاروخ وسرعته وإمكان اعتراضه، ينبغي أن نسأل عن البيئة التي تسمح بإنتاج التهديد وتجديده، وعن الأطراف التي تستفيد من بقائه، وعن قدرة الدول على بناء موقف يحول دون تكراره، فالاختبار الحقيقي ليس في اعتراض الصاروخ فحسب، وإنما في منع الظروف التي تسمح بإطلاق الصاروخ التالي.
في نهاية هذا المشهد تبقى فلسطين أكبر من أسماء الأسلحة، وتبقى حرمة الدماء أسمى من شعارات المزايدة، ويبقى أمن السعودية جزءًا أصيلًا من استقرار المنطقة، أما الدرس الذي ينبغي ألا يغيب فهو أن الفوضى لا تحتاج دائمًا إلى جيش يعبر الحدود، فقد تبدأ بشعار يضل طريقه، وسلاح يخرج من سلطة الدولة، وصمت يطول حتى يصبح الخطر مألوفًا، وحينها لا يكون السؤال من أطلق الصاروخ وحده، بل كيف سمحنا لمنطق الفوضى أن ينازع منطق الدولة على مستقبل أوطاننا.