عبد العزيز الموسى
لم تكن حرمة الحرمين الشريفين، عبر التاريخ، بمنأى عن أطماع السياسة وصراعات السلطة. فمن محاولة أبرهة هدم الكعبة، إلى اعتداء القرامطة على مكة في القرن الرابع الهجري، وصولًا إلى اقتحام جماعة السلفية المحتسبة للمسجد الحرام عام 1400هـ/ 1979م، تكشف الوقائع أن المقدسات قد تتحول، في حسابات بعض الجماعات، إلى أهداف للصراع ووسائل لفرض النفوذ. لكن خطورة الاعتداء لا تتحدد بهوية المعتدي وحدها، بل بما يكشفه من استخفاف بحرمة المكان، وبحياة الناس، وبالمعنى الذي يمثله الحرمين الشريفين للمسلمين.
وتتضاعف مسؤولية حماية المقدسات حين تكون الدولة القائمة على خدمتها هدفًا لهجمات تستهدف أمنها ومرافقها الحيوية. فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل مع الحرمين الشريفين بوصفهما رمزًا دينيًا منفصلًا عن كيان الدولة، بل ارتبطت حمايتهما باستقرار البلاد وأمن الحجاج والمعتمرين والزوار.
ومن هنا، فإن استهداف مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو تهديد المرافق التي تخدمهما، ليس حادثًا عابرًا في نزاع إقليمي؛ بل مساس بأمن المجتمع وحرمة المقدسات ومصالح تتجاوز حدود المملكة.
وقد أعادت التطورات الأمنية في عام 2026م هذه الحقيقة إلى الواجهة؛ من الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض، إلى استهداف محطة طيبة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، التي تزود المسجد النبوي الشريف بالكهرباء، فضلًا عن التهديدات والهجمات التي طالت مرافق حيوية ومنشآت للطاقة. وهذه الوقائع، على اختلاف مواقعها وتفاصيلها، تضع أمن المدنيين والمرافق التي يعتمدون عليها في قلب الصراع، وتكشف أن تداعيات المواجهة لا تقف عند حدود الاشتباك العسكري، بل تمتد إلى حياة الناس ومصالحهم اليومية.
وليست أهمية هذه الوقائع في تعداد مواقعها وتواريخها، بل في دلالتها السياسية: حين تمتد الهجمات إلى المطارات ومرافق الطاقة، وتطال منشأة تزود المسجد النبوي بالكهرباء، يصبح من الضروري النظر إلى ما وراء الأهداف المباشرة، وإلى المخاطر التي يفرضها هذا السلوك على أمن السعودية والمقدسات الإسلامية. فالمرافق المدنية ليست أوراق ضغط مباحة، وحياة الناس ليست وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.
وهنا تظهر المفارقة بين الشعار والسلوك. فالجماعة التي ترفع شعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود» تدخل بدورها في تفاهمات سياسية حين تقتضي حساباتها ذلك.
ففي مايو 2025م أُعلن اتفاق لوقف الهجمات بين الولايات المتحدة والحوثيين، ثم عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سبتمبر 2026م ليقول إن الحوثيين تعهدوا بعدم مهاجمة الولايات المتحدة. وتحدثت تقارير صحفية في الفترة نفسها عن تعهدات شملت عدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، مع استثناء السفن السعودية من نطاق تلك التعهدات.
تكشف هذه التطورات أن الشعارات لا تلغي حسابات المصلحة، وأن خطاب المواجهة قد يتراجع أمام مقتضيات التفاوض. وليس الاعتراض على التفاوض في ذاته؛ فخفض التصعيد ووقف الحرب وحماية الأرواح أهداف مشروعة. إنما تكمن المفارقة في أن تُقدَّم الضمانات لطرف، بينما يظل أمن المملكة العربية السعودية ومرافقها الحيوية عرضة للهجمات والتهديدات. فالتفاهم الذي يحمي طرفًا ولا يضمن أمن الآخرين لا ينهي منطق الاستهداف، بل يعيد توزيع مخاطره.
ولا ينبغي أن تحجب الشعارات الأيديولوجية حقيقة أن سلوك الجماعات المسلحة تحكمه أيضًا حسابات النفوذ والمصلحة والتحالفات المتغيرة. فقد تختلف الجماعات في مرجعياتها وخطاباتها، ثم تتقاطع مصالحها حين تلتقي أهدافها العملية. لذلك لا يكفي فهم النزاعات من خلال ما تعلنه الأطراف عن نفسها أو عن خصومها؛ بل ينبغي النظر إلى أفعالها ونتائجها، والتمييز بين الخطاب السياسي وما تثبته الوقائع على الأرض.
ومن الناحية القانونية والأخلاقية، لا تمنح الأهداف السياسية أو الدينية أي طرف حصانة من قواعد حماية المدنيين. فالقانون الدولي الإنساني يحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين والأعيان المدنية، ويلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية وغيرها، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار المدنية، ومراعاة مبدأ التناسب. ولا يعني ذلك أن كل منشأة مدنية محمية في جميع الظروف بصرف النظر عن طبيعة استخدامها، لكنه يعني أن تقدير الأهداف وملابسات الهجمات يخضع لقواعد قانونية، لا لتبريرات الدعاية. وفي المنظور الإسلامي، تتعارض حرمة الدماء والأموال، والنهي عن العدوان والغدر، مع اتخاذ المدنيين وسيلة للضغط أو تحويل المقدسات إلى أوراق في الصراع.
إن حماية الحرمين الشريفين ليست مسؤولية السعودية وحدها من حيث معناها الديني والوجداني؛ فهما مقصد المسلمين جميعًا، وصونهما مصلحة تتجاوز الحدود الوطنية. لكن عالمية هذه الحرمة لا تنتقص من حق الدولة السعودية في حماية سيادتها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، ولا من واجبها في اتخاذ ما يلزم لرد الاعتداء ومنع تكراره. كما أن التضامن مع السعودية لا ينبغي أن يكون موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل التزامًا واضحًا برفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وبإدانة توظيف المقدسات في الصراعات، أيًا كانت الجهة التي ترتكب ذلك.
لقد اختلف المعتدون على الحرمين الشريفين في الأزمنة والمذاهب والمشروعات، كما تتباين الجماعات المعاصرة في عقائدها وخطاباتها؛ لكن اختلاف الهويات لا يمنع تقاطع المصالح، ولا يجعل الشعارات معيارًا كافيًا لفهم السلوك السياسي. وفي الحالة السعودية، لا تنفصل حماية الحرمين الشريفين عن أمن السعودية واستقرار المنطقة؛ فالمساس بأمن مكة المكرمة أو المدينة المنورة، واستهداف المطارات والمنشآت المدنية ومرافق الطاقة، يتجاوز حدود النزاع المحلي، ويمس سلامة المجتمع وحرمة مقدسات المسلمين.
قد يكون الحوار طريقًا إلى السلام، لكنه لا ينبغي أن يصبح طريقًا إلى النسيان، ولا أن تتحول المصالحة إلى غطاء يتجاوز الحقوق والضمانات. فالحرمين الشريفين ليسا ورقة في صراع، ولا تفصيلًا في حسابات الجماعات؛ إنهما حرمة دينية جامعة، وصون أمنهما جزء من مسؤولية الدولة، ومبدأ لا ينبغي أن تتغير دلالته بتغير الشعارات أو تبدل التحالفات.