د.عبدالله الفايز
عندما ننظر إلى مشروع الربط الحديدي بين الرياض وجدة، والذي أُعلن تنفيذه على مراحل، مع استهداف الإنجاز قبل عام 2034م. قد نراه في البداية مشروعًا للنقل الداخلي يختصر المسافات بين العاصمة وأكبر مدن الساحل الغربي، كما أنه يعتبر ممرا لنقل الحجاج والمعتمرين لربطه بقطار جدة - مكة والمدينة والقريات وهذا له فوائد جمة. فهو يوفر على المسافرين ساعات طويلة من القيادة، ويزيد الراحة، ويحد من حوادث الطرق واستهلاك الوقود. وهذه فوائد مهمة في حد ذاتها، وتبرر النظر إلى المشروع بوصفه استثمارًا في جودة الحياة والتنمية الاقتصادية. غير أن حصر تقييم المشروع في هذه الفوائد المحلية قد يحجب عنا بعدًا إستراتيجيًا أكبر، يتمثل في قدرته المحتملة على تحويل المملكة إلى محور بري يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر، ثم يمتد عبر المشرق العربي وتركيا نحو الأسواق الأوروبية. فالمملكة تتمتع بموقع جغرافي استثنائي بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وتملك موانئ بحرية مهمة على الساحلين، كما تمتد شبكتها الحديدية شرقًا نحو الدمام، وتصل شبكاتها الشمالية إلى منطقة الحدود الأردنية. وإذا اكتمل الجسر البري الذي يربط الرياض بجدة، وتكامل مع خطوط نقل البضائع في الشرق والشمال، فإن المملكة ستملك أساسًا مهمًا لإنشاء ممر لوجستي متكامل ينقل البضائع بين الموانئ والمراكز الصناعية والأسواق الإقليمية، ويتيح مستقبلًا ربط هذه الشبكة بممرات دولية أوسع. وتتضاعف أهمية هذه الرؤية عند النظر إلى المبادرات المطروحة لإعادة إحياء الربط الحديدي بين المملكة والأردن وسوريا وتركيا. فالتصور المتداول لممر بري يربط جدة بالمدن الرئيسية في المنطقة، وصولًا إلى تركيا وأوروبا، يفتح المجال أمام مسار بديل أو مكمل لبعض طرق الشحن البحري التقليدية. وبتكلفة تصل إلى نحو 25 مليار دولار، مع طموحات لخفض زمن نقل بعض الشحنات بين الخليج وأوروبا إلى أقل من خمسة أيام. ويتوقف تحقيقها على المسار النهائي، وسرعات القطارات، وإجراءات الحدود والجمارك، وتوافر التمويل، وقدرة الشبكة على العمل بصورة متصلة وتبني التقنيات الرقمية الذكية. ومع ذلك، فإن الفكرة الإستراتيجية التي يقوم عليها هذا التصور تستحق اهتمامًا أكبر من مجرد متابعة تفاصيل المشروع. فالتجارة العالمية تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري، الذي يتميز بقدرته على نقل كميات ضخمة من البضائع بتكلفة تنافسية. لكن هذا الاعتماد يجعللاسل الإمداد عرضة للاختناقات البحرية والاضطرابات السياسية والأمنية والتأخيرات التي قد تنشأ في الممرات الحيوية. ومن هنا تبرز قيمة تنويع طرق النقل، لا بهدف الاستغناء عن السفن، بل بإضافة بدائل مرنة تسمح بتحويل جزء من حركة البضائع إلى مسارات أخرى عندما تستدعي الظروف ذلك. إن الأهمية الإستراتيجية للمشروع قد تتجاوز بكثير فوائده المحلية فحين ننظر إلى المشروع ضمن شبكة السكك الحديدية السعودية، التي تربط الرياض بالدمام شرقًا، ثم نربط ذلك بموانئ البحر الأحمر والخليج العربي، ومكة المكرمة، وبالممرات الحديدية المقترحة عبر الأردن وسوريا وتركيا نحو أوروبا، فإننا لا نكون أمام مشروع نقل داخلي فحسب، بل أمام فرصة لإعادة تعريف موقع المملكة في حركة التجارة العالمية. الفكرة المحورية للمشروع هي أن يتحول من وسيلة نقل بين مدينتين سعوديتين إلى حلقة إستراتيجية في ممر بري يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر، ويمتد مستقبلًا نحو البحر المتوسط وأوروبا. وإذا أمكن تحقيق هذا الترابط بكفاءة وتنافسية اقتصادية، فقد تصبح القيمة الجيو-اقتصادية للمشروع أكبر بكثير من القيمة التي تظهر عند تقييمه باعتباره خطًا لنقل الركاب بين العاصمة والساحل الغربي فقط. وسبق أن أعلن عن إطلاق ممر لوجستي ينقل الحاويات بالقطارات من موانئ المنطقة الشرقية إلى منفذ الحديثة على الحدود الأردنية، مع إمكان الوصول إلى الأردن وشمال المملكة. كما أُعلن أن دراسات الربط الحديدي المقترح بين المملكة والأردن وسوريا وتركيا يُنتظر استكمالها قبل نهاية العام. وسيتم ربطه بالميناء الذكي العائم في نيوم.
وفي هذا السياق، يمكن للمملكة أن تؤدي دورًا محوريًا في ربط حركة التجارة القادمة من آسيا والخليج بشبكات النقل البرية المتجهة إلى الأردن وسوريا وتركيا، مع الاستفادة من موانئ البحر الأحمر ومراكز التخزين والتوزيع والمناطق اللوجستية. وقد يسهم هذا التكامل في تقليص زمن نقل بعض أنواع البضائع، وتوفير خيارات إضافية للمصدرين والمستوردين، وتعزيز قدرة الشركات على إدارة مخاطر سلاسل الإمداد.. ومن الضروري أيضًا ألا يُفهم المشروع على أنه مجرد خط سريع للركاب. فالمسار الذي يخدم المسافرين بسرعة عالية قد تختلف متطلباته الهندسية والتشغيلية عن مسار الشحن الثقيل، الذي يحتاج إلى قدرة كبيرة على حمل الأوزان، وساحات مناولة للحاويات، ومحطات لوجستية، وأوقات تشغيل مناسبة، وربط مباشر بالموانئ والمناطق الصناعية. ولذلك، فإن التخطيط الأمثل ينبغي أن يضمن التكامل بين نقل الركاب ونقل البضائع، مع مراعاة أن الفصل بين المسارات أو تخصيص خطوط مستقلة للشحن قد يكون ضروريًا في بعض المقاطع لتحقيق الكفاءة والسلامة.
وتكمن إحدى أكبر الفرص في أن الرياض ليست مجرد محطة بين الشرق والغرب، بل مركز إداري واقتصادي ولوجستي وحوله مناطق صناعية مثل صناعية سدير ولوجستية سعد. يمكن أن تتجمع فيه البضائع القادمة من مناطق المملكة المختلفة، ثم يعاد توزيعها نحو الموانئ أو الأسواق الخارجية. وإذا ارتبطت الشبكة الحديدية بالمناطق الصناعية والمستودعات والموانئ الجافة والمطارات، فقد تنشأ حولها منظومة اقتصادية أوسع تشمل التخزين والتجميع والتصنيع الخفيف وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية المتقدمة. وهكذا لا تقتصر القيمة على رسوم نقل البضائع، بل تمتد إلى الوظائف والاستثمارات والخدمات المساندة والأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنمو حول الممر. وتبرز هنا ضرورة النظر إلى المشروع ضمن إستراتيجية وطنية متكاملة، لا باعتباره استثمارًا منفصلًا في البنية التحتية. فالممرات الدولية الناجحة لا تقوم على السكك الحديدية وحدها؛ إنها تحتاج إلى تنسيق بين وزارات النقل والاقتصاد والتجارة والصناعة والسياحة والاستثمار والبيئة، وإلى اتفاقيات تشغيلية بين الدول، ومعايير متوافقة للسكك الحديدية، وإجراءات جمركية مبسطة، ومنصات رقمية لتتبع الشحنات وتبادل الوثائق، وآليات واضحة للتعامل مع التأخيرات والأعطال والمخاطر الأمنية. كما تتطلب تفاهمات طويلة الأجل بشأن الرسوم والمسؤوليات والتمويل وتوزيع المنافع، حتى لا يتحول الربط المادي إلى شبكة من الخطوط التي تعجز عن العمل بكفاءة عبر الحدود.
ولا ينبغي إغفال البعد الجيوسياسي. فالممر الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر وتركيا وأوروبا قد يعزز الترابط الاقتصادي بين الدول المشاركة، ويزيد من قيمة الاستقرار والتعاون الإقليمي. لكنه قد يواجه أيضًا تحديات تتعلق بالأوضاع الأمنية والسياسية، واختلاف الأنظمة والإجراءات، وتنافس الموانئ والممرات الدولية الأخرى. ولهذا فإن نجاحه لن يكون هندسيًا فقط، بل مؤسسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا أيضًا. فبناء الخط الحديدي قد يكون أسهل من ضمان تشغيله بصورة موثوقة ومستمرة عبر عدة دول لعقود طويلة. ومن منظور المملكة، فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون فقط: كم سيكلف خط الرياض–جدة؟ أو كم سيختصر من وقت الرحلات الداخلية؟ بل ينبغي أن يمتد إلى أسئلة أوسع: ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن يحققها إذا أصبح جزءًا من ممر دولي؟ وما حجم التجارة التي يمكنه استقطابها؟ وما أنواع البضائع التي تناسب النقل السككي؟ وما الاستثمارات المساندة اللازمة لزيادة العائد؟ وكيف يمكن قياس الفوائد المحلية والدولية للمشروع على مدى ثلاثين أو خمسين عامًا؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي تقييمًا اقتصاديًا متعدد السيناريوهات، يقارن بين حالة اقتصار الاستخدام على النقل المحلي، وحالة تشغيل الجسر البري للشحن الداخلي، وحالة نجاح الربط الإقليمي مع الأردن وسوريا وتركيا، وحالة امتداد الممر إلى شبكات أوروبية أوسع. وينبغي أن يشمل التقييم تكاليف الإنشاء والتشغيل والصيانة، وحجم الطلب المتوقع، والإيرادات، والآثار البيئية، والوفورات في حوادث الطرق واستهلاك الوقود، فضلًا عن المنافع الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن نمو المناطق اللوجستية والصناعية. وحساب العائد والمخاطر.
إن مشروع الربط بين الرياض وجدة، إذا نُظر إليه ضمن هذه الرؤية الأوسع، قد يكون أكثر من استثمار في النقل؛ فقد يشكل جزءًا من تحول في موقع المملكة وتنويع مصادر الدخل، داخل شبكات التجارة العالمية. فالمملكة تستطيع، بفضل موقعها وموانئها وشبكتها الحديدية، أن تسعى إلى الجمع بين النقل البحري والبري والخدمات اللوجستية، وأن توفر مسارات إضافية تربط أسواق آسيا والخليج بالبحر الأحمر والمشرق العربي وأوروبا. لكن هذه الفرصة لن تتحقق تلقائيًا بمجرد بناء الخطوط؛ بل تحتاج إلى رؤية متكاملة، وتنسيق إقليمي، ودراسة اقتصادية واقعية، وتنفيذ مرحلي يضمن أن تنمو الشبكة مع الطلب الفعلي. وقد تكون الفائدة الكبرى للمشروع، في نهاية المطاف، ليست فقط في نقل الركاب من الرياض إلى جدة في وقت أقصر، بل في جعل المسافة بين الخليج والبحر الأحمر جزءًا من منظومة نقل دولية أكثر ترابطًا ومرونة. وعندها يصبح السؤال عن القطار سؤالًا عن موقع المملكة في الاقتصاد العالمي، وعن قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة لوجستية مستدامة، وعن كيفية بناء بنية تحتية تخدم احتياجات المواطنين اليوم، وتفتح في الوقت نفسه فرصًا اقتصادية وإستراتيجية للأجيال القادمة.
وتقدم التجربة الأوروبية الآسيوية مثالًا مهمًا على هذه الإمكانية. فقد توسعت خدمات قطارات الشحن بين الصين وأوروبا، وأصبحت توفر خيارًا وسطًا بين النقل البحري الأبطأ والنقل الجوي الأعلى تكلفة. ويشير تحليل للبنك الدولي إلى أن النقل الحديدي عبر الجسر البري الأوراسي يمكن أن يستغرق نحو أسبوعين في بعض المسارات، مقابل قرابة 40 يومًا للنقل البحري كما تشير الأبحاث إلى أن القطار قد يكون أقل تكلفة بكثير من الشحن الجوي، مع احتفاظه بميزة السرعة مقارنة بالشحن البحري. كما أن هناك سوقًا حقيقية لخدمة تجمع بين السرعة والتكلفة المقبولة. فالإلكترونيات وقطع غيار المصانع وبعض المنتجات الصناعية والسلع التي تتأثر قيمتها بالتأخير قد تتحمل تكلفة نقل أعلى من الشحن البحري مقابل وصول أسرع. أما السلع الضخمة منخفضة القيمة، التي لا يتسبب تأخيرها في خسائر كبيرة، فغالبًا ما يظل النقل البحري أكثر جاذبية لها. لذلك، فإن نجاح الجسر البري السعودي يعتمد على تبني التقنيات الرقمية الذكية والذكاء الاصطناعي لاستقطاب نوع البضائع المناسب، لا على افتراض أن جميع الشحنات ستتحول من البحر إلى البر. وتقدم الممرات الأوروبية الآسيوية درسًا آخر: البنية التحتية وحدها لا تكفي. فاختلاف أنظمة السكك الحديدية، وإجراءات التخليص الجمركي، وانتظار القطارات عند الحدود، والحاجة إلى نقل الحاويات بين قطارات أو وسائل نقل مختلفة، كلها عوامل قد تلتهم الوقت الذي وفره القطار أثناء سيره. وقد شدد البنك الدولي في تحليله للممرات الأوراسية على أن التأخيرات وضعف انتظام الخدمة ومشكلات التنسيق التشغيلي قد تحد من القدرة التنافسية حتى عندما تكون المسافة والزمن النظريان مشجعين. وهذا يعني أن المملكة ينبغي أن تخطط للممر باعتباره خدمة لوجستية ذكية متكاملة، فالشركة المستوردة أو المصدرة لا تهتم بسرعة القطار وحدها؛ بل تريد معرفة الزمن الإجمالي من باب المصنع إلى باب المستودع، والتكلفة الكلية، واحتمال التأخير، وإمكانية تتبع الشحنة، والمسؤولية عن البضائع عند انتقالها بين الدول. وإذا استطاعت المملكة توفير هذه الخدمة بدرجة عالية من الموثوقية، فقد تتمكن من جذب جزء من التجارة التي تبحث عن بدائل أكثر مرونة للممرات البحرية التقليدية.