د. أنس عضيبات
يميل الإنسان بطبعه إلى الألفة؛ نبني بيوتنا النفسية داخل المألوف، ونجدّد انتماءنا اليومي لأماكن ومهن وعلاقات نحسبها أبدية، حتى تضربنا فجأة رياح التغيير العاتية، وفي تلك اللحظة التي يُنتزع فيها المرء من تربته المعتادة، يتملكه شعور قاسٍ بالفقد والتلاشي، كأن الأرض تنطوي من تحته والمستقبل قد أوصد أبوابه غير أن النظرة المتفحصة لحركة الحياة تكشف أن هذا «الخلع» القسري غالبًا ما يكون إعادة توجيه حكيمة، وحماية غير مرئية من ركود كان سيغتال طاقاتنا الكامنة لو طال بنا البقاء في ظل الراحة الزائف.
وعلى الصعيد الاجتماعي، نصنع أحيانًا سجوننا بأيدينا حين نحصر هويتنا في دور وظيفي محدد، أو مكانة جغرافية، أو دائرة علاقات ضاقت معاييرها على اتساع وعينا إن ثقافة التشبث بالبيئات المستنزفة خوفًا من المجهول هي العائق الأكبر أمام النضج الإنساني؛ فالتربة القديمة-مهما بدت دافئة وآمنة-قد تنضب معادنها وتصبح عاجزة عن إطعام جذور جديدة تبحث عن الامتداد، وهنا يأتي التدخل القدري كجراحة إنقاذ ضرورية لفك الارتباط مع ما استنفد أثره وغايته في حياتنا.
ومن منظور التمكين والتوجيه الحياتي، لا يُقاس الألم النفسي المصاحب للاقتلاع بحجم الخسارة الظاهرة، بل بمقدار مقاومتنا لواقع التشكل الجديد إن صدمة الانتقال إلى أرض غير مألوفة تضع مرونتنا النفسية على المحك، وتختبر قدرتنا على إعادة تعريف الذات بعيدًا عن المؤثرات المعتادة؛ فالشتلة حين تُنقل إلى حوض جديد تذبل أوراقها مؤقتًا وتبدو كأنها تموت، لكنها في باطن الظلام تبذل طاقتها لمد عروقها في العمق واستكشاف خصوبة جديدة لم تكن لتحلم بها في موطنها الأول.
رسالتي إليك حين تضيق بك الدوائر وتجد نفسك منفيًا عن كل ما اعتدت عليه: لا تُعامل مرحلة الانتقال بوصفها مقبرة لطموحك، بل اعتبرها مهدًا لنسختك الأكثر نضجًا وقوة. ثق بأن من قلع جذورك من أرض ألفيتها لم يتركك لتتلف، بل غرسك في أفق أرحب لتتسع لك الحياة؛ فالمعادن الثمينة لا تتشكل في السكون، والزهور الأشد عبقًا هي تلك التي شقت صخورًا لم تكن تدري يومًا أنها قادرة على اختراقها.