أحمد يحي البارقي
رغم ما حققته التقنية الحديثة من اختصار للوقت والجهد فإن الاعتماد المتزايد عليها يفرض ضرورة توفير بدائل فعالة للطوارئ تضمن استمرارية الخدمات الحيوية عند تعطل الأنظمة أو انقطاع الاتصالات.
وتعد الكابلات البحرية للألياف الضوئية العمود الفقري للاتصالات الدولية إذ تنقل الغالبية العظمى من حركة البيانات العابرة للقارات ورغم امتدادها في أعماق البحار والمحيطات فإنها ليست بمنأى عن الأضرار الناتجة عن مراسي السفن والأنشطة البحرية والكوارث والحروب أو أعمال التخريب وقد يؤدي تعطل عدد من الكابلات في منطقة واحدة إلى اضطرابات تمس الاتصالات والخدمات الرقمية خصوصاً في الدول التي تعتمد على عدد محدود من المسارات الدولية.
وهنا لا نتحدث عن احتمال تقني عابر بل عن قضية إستراتيجية تستحق اهتمام مراكز الدراسات والأبحاث وصناع القرار فالعالم الذي جعل البيانات أساساً للاقتصاد، وإدارته وخدماته هو مطالب بأن يمتلك خططاً واضحة لمواجهة أي انقطاع واسع النطاق.
صحيح أنه يوجد بدائل تقنية من أبرزها الأقمار الصناعية والكابلات البرية العابرة للحدود وتعدد مسارات الاتصال وتوزيع مراكز البيانات على مواقع جغرافية مختلفة ويمكن لهذه الحلول أن تخفف آثار الأعطال وتساعد على استمرار الخدمات الأساسية لكنها لا تستطيع منفردة تعويض السعة الهائلة للكابلات البحرية. لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد الإعلان عن وجود بدائل بل التأكد من قدرتها الفعلية على العمل عند الطوارئ واختبار جاهزيتها وتحديد الخدمات التي يجب إعطاؤها الأولوية عند انخفاض سعة الاتصال.
ومن الضروري أن تعمل شركات الاتصالات على تنويع المسارات وتعزيز حماية البنية التحتية البحرية وتسريع إصلاح الكابلات المتضررة وإجراء اختبارات دورية تحاكي سيناريوهات الانقطاع الواسع.
إلى جانب المسار التقني تبرز أهمية مسار آخر لا يقل ضرورة وهو الاستعداد اليدوي والإداري للطوارئ فالتوسع في التحول الرقمي يجب ألا يعني التخلي الكامل عن وسائل حفظ المعلومات التقليدية وفي مقدمتها الأرشفة الورقية.
إن احتفاظ المؤسسات بنسخ ورقية منظمة من الوثائق والسجلات الأساسية حسب ما تقتضي الحاجة يمكن أن يساعد على استمرار بعض الأعمال والرجوع إلى المعلومات عند تعطل الأنظمة الإلكترونية. كما ينبغي دعم ذلك بنسخ احتياطية رقمية آمنة محفوظة في مواقع مستقلة مع خطط واضحة لاستعادة البيانات وتشغيل الخدمات.
وليس المقصود هنا العودة إلى الورق أو إبطاء التحول الرقمي بل تحقيق التوازن بين التطور التقني والاستعداد للمخاطر فالمعاملات الرقمية الضخمة لا يمكن استبدالها بالأوراق لكن وجود بدائل مناسبة لبعض الإجراءات الحيوية قد يصنع فارقاً مهماً في أوقات الأزمات.
إن العالم بحاجة إلى تحرك جاد من مراكز الأبحاث والجامعات والجهات المختصة لوضع خطط قابلة للتنفيذ تضمن استمرار الخدمات الأساسية مهما كانت طبيعة العطل.
ختاماً: التقدم الحقيقي لا يقاس بسرعة نقل البيانات وحدها بل بقدرة العالم على مواصلة العمل عند الطوارئ والاستعداد ليس تشاؤماً بل مسؤولية إستراتيجية لأن من يجعل حياته رهينة لمسار واحد عليه أن يدرك أن حماية المستقبل تبدأ ببناء البدائل قبل وقوع الأزمة.