خالد قاسم أبو بكر
الوطن في حقيقته ليس مساحة من الأرض تحدّها الجغرافيا، ولا علمًا يرفرف فوق المباني، ولا نشيدًا يتردد في المناسبات، بل هو ذاكرة الإنسان، وملاذه عند الخوف، ومصدر اعتزازه بين الأمم، وامتداد أسرته وأجداده، وحق الأجيال القادمة في حياة آمنة وكريمة، والوطن الذي يمنح الإنسان الأمان، ويفتح أمامه أبواب العمل، ويتيح له أن يبني مستقبله بكرامة، لا يمكن أن يكون في وجدانه مجرد مكان للإقامة أو محطة عابرة في رحلة الحياة، بل يصبح جزءًا من هويته ووعيه وضميره، ومن يعيش على أرض كريمة عقودًا من الزمن، ويشهد ما تنعم به من أمن واستقرار، ويلمس ما تتيحه من فرص للحياة والعمل، يدرك أن الوفاء ليس كلمة تُقال في المناسبات، وإنما موقف صادق يُعبّر عن نفسه حين تتعرض هذه الأرض لتهديد يمس أمنها وسيادتها وسلامة أهلها والمقيمين عليها.
ومن هذا المعنى، أكتب عن المملكة العربية السعودية، الأرض التي أعيش وأعمل بها منذ عقود، وأعبّر عن تضامني معها في مواجهة الاعتداءات الحوثية الآثمة التي تستهدف أمنها ومنشآتها المدنية والحيوية، وتهدد سلامة سكانها والمقيمين على أرضها، إن الاعتداء على المملكة ليس واقعة عسكرية معزولة يمكن النظر إليها بعيدًا عن تداعياتها، بل هو مساس بأمن دولة محورية في المنطقة، وباستقرار الخليج العربي، وبالمصالح الاقتصادية والتجارية التي تتجاوز حدود الإقليم إلى العالم بأسره، ولا يمكن لأي قضية سياسية، مهما كانت طبيعتها، أن تبرر استهداف المدنيين أو ترويع الآمنين أو تعريض المنشآت المدنية للخطر، فهذه ليست وسائل مشروعة لتحقيق المطالب، وإنما ممارسات تقوض فرص السلام، وتضاعف معاناة الشعوب، وتدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، إن أمن المملكة وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها حقوق أصيلة لا تقبل المساومة، وحمايتها مسؤولية مشروعة لا تنتقص من فرص السلام، بل تشكل شرطًا أساسيًا لقيام سلام عادل ومستدام.
وتتضاعف خطورة هذه الاعتداءات حين نضعها في سياق المكانة التي تحتلها المملكة في العالمين العربي والإسلامي، وفي منظومة الاقتصاد الدولي، فالمملكة ليست دولة عادية في محيطها، بل هي موطن الحرمين الشريفين، وصاحبة ثقل سياسي واقتصادي مؤثر، وشريك رئيسي في استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وركيزة أساسية في أمن الخليج والبحر الأحمر، ومن ثم، فإن تهديدها لا يقف أثره عند حدودها الجغرافية، ولا تنحصر تداعياته في حسابات المواجهة المباشرة، بل تمتد إلى ثقة الأسواق، وأمن طرق التجارة والملاحة، واستقرار بيئة الاستثمار، وفرص التنمية التي تحتاج إليها شعوب المنطقة، وعندما تصبح المنشآت المدنية والاقتصادية والممرات البحرية عرضة للتهديد، فإن الضرر يتجاوز الدولة المستهدفة إلى مصالح دول وشعوب ترتبط حياتها اليومية باستمرار حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، ولهذا فإن حماية المملكة من الاعتداءات ليست شأنًا سعوديًا فحسب، بل قضية تتصل بأمن إقليمي ودولي أوسع.
ولم يكن التضامن مع المملكة مجرد مشاعر أخوية أو بيانات مجاملة، بل عبّرت عنه مواقف عربية ودولية واضحة، فقد أدان مجلس الأمن الدولي، في بيانه الصادر في الثامن عشر من سبتمبر 2026، استمرار الهجمات الحوثية على المملكة، بما في ذلك الاعتداءات التي طالت المدنيين والبنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة، كما حذّر من تداعيات التصعيد على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وطالب بوقف الهجمات التي تعرّض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر، وأعلن الاتحاد الأوروبي، في مواقفه الرسمية، تضامنه مع المملكة ورفضه استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، محذرًا من أن استمرار الاعتداءات يقوّض الأمن الإقليمي ويضعف فرص التوصل إلى تسوية سلمية، وفي الحادي عشر من أكتوبر، جاء الموقف المشترك للمملكة العربية السعودية ومصر وباكستان وتركيا ليؤكد رفض الهجمات الحوثية والتضامن مع المملكة، والتشديد على حقها المشروع في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها هذه المواقف إلى جانب مواقف عربية وإسلامية ودولية أخرى تعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن المملكة ليس شأنًا محليًا منفصلًا عن محيطه، بل ركيزة من ركائز أمن المنطقة واستقرارها، وأن التساهل مع الاعتداءات على المدنيين والمنشآت الحيوية يفتح الباب أمام مخاطر لا تقف عند حدود دولة بعينها.
إن أهمية هذه المواقف لا تكمن في مضمون الإدانة وحده، بل في تأكيدها أن احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وحماية المدنيين مبادئ لا يجوز إخضاعها للانتقائية أو الحسابات السياسية الضيقة، فالقانون الدولي لا يمنح أي جماعة مسلحة حق تهديد دولة أخرى أو ترويع سكانها أو استخدام المنشآت المدنية وسيلة للضغط السياسي، كما أن حرية الملاحة البحرية ليست مصلحة تخص دولة واحدة، بل حق يرتبط بالتجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة السلع التي تعتمد عليها اقتصادات الدول وحياة ملايين البشر، ولذا فإن مواجهة هذه الاعتداءات تتطلب موقفًا دوليًا يتجاوز الإدانة اللفظية إلى العمل الجاد لمنع التصعيد، ووقف تدفق الأسلحة التي تسهم في استمرار الهجمات، وحماية الملاحة، ودعم المسارات السياسية التي تضع حدًا للحرب وتفتح الطريق أمام استقرار مستدام، فالتهاون مع الاعتداءات لا يصنع سلامًا، بل قد يشجع على تكرارها، ويحوّل التهديد إلى واقع دائم يثقل كاهل المنطقة والعالم.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن المعنى الأوسع للأمن الوطني، فالأمن ليس مجرد قدرة على صد الهجمات، وإنما منظومة متكاملة تحمي الإنسان، وتصون المؤسسات، وتتيح للاقتصاد أن ينمو، وللمجتمع أن يطمئن إلى مستقبله، والمملكة التي تمضي في مسارات التنمية والتحديث، وتعمل على تنويع اقتصادها وتعزيز حضورها الدولي، تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة لا تستنزف مواردها في مواجهة تهديدات متكررة، ولا تعرقل مشروعاتها التنموية بمخاطر يمكن تجنبها عبر احترام سيادة الدول ووقف الاعتداءات، ومن حق المملكة كأي دولة أخرى أن تحمي منشآتها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، وأن تتخذ التدابير المشروعة التي تكفل ردع مصادر التهديد ومنع تكرارها، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، إن الدفاع عن الأمن لا يتعارض مع السعي إلى السلام، بل إن السلام الذي لا يحمي سيادة الدول ولا يردع الاعتداءات يظل سلامًا هشًا معرضًا للانهيار عند أول اختبار.
وبصفتي مواطنًا عربيًا أعيش على أرض المملكة منذ عقود، فإن موقفي لا ينطلق من حسابات عابرة، بل من تجربة حياة ومعايشة طويلة لمعنى الأمن والاستقرار وما يتيحانه للإنسان من قدرة على العمل والإنتاج وبناء المستقبل، لقد علّمتني هذه التجربة أن الوفاء للأرض التي تحتضن الإنسان لا يكون بالصمت حين تتعرض للتهديد، وأن الانتماء إلى الفضاء العربي يفرض علينا أن نرى أمن الدول العربية مترابطًا، وأن ندرك أن إضعاف دولة أو تهديد استقرارها لا يصنع قوة لبقية الدول، بل يفتح أبوابًا جديدة للفوضى والاضطراب، إن التضامن مع المملكة هو تعبير عن احترام حقها في الأمن والسيادة، وعن رفض تحويل الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات العسكرية إلى أدوات لفرض الإرادة، وعن الإيمان بأن العلاقات بين الدول لا تستقيم إلا على أساس الاحترام المتبادل والالتزام بالقانون وحسن الجوار.
إن المملكة تستحق موقفًا عربيًا ودوليًا واضحًا لا يكتفي بالتعاطف مع ما تتعرض له، بل يدعم كل جهد مشروع يحمي أمنها ويمنع تكرار الاعتداءات عليها، كما تستحق أن يقف معها كل من يؤمن بأن استقرار المنطقة لا يتحقق بتوسيع دوائر الصراع، وإنما بإخماد بؤره، وتعزيز سلطة القانون، ورفض استخدام المدنيين والمنشآت الحيوية أوراقًا في النزاعات السياسية والعسكرية، وستظل قوة الموقف العربي مرهونة بقدرته على تحويل التضامن إلى عمل مشترك يحمي الدول، ويصون المصالح المتبادلة، ويفتح أمام الأجيال القادمة طريقًا أكثر أمنًا وازدهارًا، فالأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بمواقف صادقة ترفض العدوان، وتحمي الإنسان، وتدافع عن حق الشعوب في أن تعيش بكرامة وأمان، وستبقى المملكة، بما تمثله من مكانة دينية وثقل عربي ودولي، أرضًا للوفاء والعمل والأمل، وسيظل التضامن معها في مواجهة الاعتداءات موقفًا منسجمًا مع أبسط مبادئ الأخوة العربية، واحترام السيادة، وصون الأمن والاستقرار.