ثامر بن عبدالله السبيعي (ابن سعران)
في الأول من أبريل 2026 أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في أكبر قرار توسع استيطاني في تاريخ إسرائيل بحسب وسائل إعلام إسرائيلية. وفي 8 سبتمبر أعلنت إحدى عشرة دولة أوروبية، ومعها كندا، عزمها تقييد التجارة مع المستوطنات. وفي 16 أكتوبر طالب المجلس الأوروبي إسرائيل بالتراجع فوراً عن توسيع المستوطنات، وحذّر الشركات من التقدم لمناقصات مشروع E1 شرق القدس.
رقمان في عام واحد يسيران في اتجاهين: الأرض التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية تضيق، والتكلفة التي يدفعها من يضيّقها تبدأ بالارتفاع. وبينهما يعود إلى الصحافة العربية سؤال قديم بصيغة جديدة: إن كان الاستيطان يأكل حل الدولتين، فهل للقضية حل آخر؟ وهل يمكن أن يستقر الشرق الأوسط من غير حل عادل لها؟
الخلاف على الحل خلاف على المشكلة
من يقرأ ما كُتب في الصحافة العربية خلال العام الأخير يجد الحلول متباعدة. لكنه يجد قبل ذلك أن كل كاتب يبدأ من تعريف مختلف للمشكلة:
- هاني المصري (العربي الجديد، 9 ديسمبر 2025) يرى أن معسكري الدولتين والدولة الواحدة يسلّمان كلاهما بالواقع ثابتاً، وأن المشكلة في ميزان القوى، فيقترح مشروعاً وطنياً يجعل إنهاء الاحتلال هدفه المركزي.
- إبراهيم أبراش (كواليس اليوم، 9 أغسطس 2026) يطرح الدولة الواحدة للنقاش، ويحذّر من أن تكون هروباً إلى الأمام، لأن العقبة عنده سعي إسرائيل إلى سيادة يهودية خالصة على الأرض كلها.
- غانية ملحيس (مركز الجرمق، 24 يونيو 2026) ترى المشكلة في نظام إقليمي أدار الصراع ولم يعالج أسبابه، فتقترح منظومة أمن إقليمي جماعي.
- محمد الرميحي (الشرق الأوسط، 10 أكتوبر 2026) يوزّع المسؤولية على اليمين الإسرائيلي، والتردد الأمريكي، ومن استثمر القضية من أنظمة وفصائل وقوى إقليمية. ويقترح دعم الجهد الذي تقوده المملكة مع شركاء عرب وأوروبيين لإحياء حل الدولتين، وتوحيد القيادة الفلسطينية، وتحويل الاعترافات إلى عمل قانوني ودبلوماسي دائم.
أربعة تعريفات تقود إلى أربعة حلول. وهذا ما يسميه علم الاتصال السياسي «التأطير» (Entman 1993): أن تختار من الواقع جانباً وتجعله بارزاً، فتعرّف به المشكلة، وتسمّي سببها، وتحكم عليها، ثم تقترح علاجها. فالإطار يسبق الحل ويرسم حدوده. حين تُعرَّف القضية ملفاً أمنياً يصير حلها إدارة الأمن، وحين تُعرَّف أزمة إنسانية يصير حلها المعونة، وحين تُعرَّف نزاعاً بين طرفين متكافئين يصير حلها تفاوضاً بلا سقف زمني. ولهذا لم تكن معركة التعريف ترفاً لغوياً: من يسبق إلى تسمية المشكلة يسبق إلى رسم حدود الحل.
البدائل تحت الاختبار
إذا عُرّفت المشكلة بما تقوله القرارات الدولية، أي احتلالاً لأرض شعب له حق تقرير المصير، أمكن اختبار البدائل المطروحة بسؤال واحد: هل يحقق البديل هذا الحق، أم يلغيه، أم يؤجله؟
- الدولة الواحدة تحوّل حق تقرير المصير إلى مواطنة في دولة يصرّ حكامها على تعريفها بهوية لا يشاركهم فيها نصف سكانها. فهي، في ميزان القوى القائم، أقرب إلى ضمٍّ بلا حقوق منها إلى المساواة.
- الكونفدرالية صيغة تعاون بين دولتين ذواتي سيادة، فهي مرحلة تأتي بعد الدولة الفلسطينية، لا بديل عنها.
- إدارة الصراع والسلام الاقتصادي جُرّبا ثلاثين سنة بعد أوسلو، وكان الحصاد السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه.
- الوضع القائم قالت فيه محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري في 19 يوليو 2024، إن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير مشروع. وقرر مجلس الأمن في القرار 2334 (2016) أن المستوطنات لا شرعية قانونية لها.
فحل الدولتين ليس خياراً بين خيارات متكافئة. هو الحل الوحيد الذي يجمع ثلاثة أمور: سند قانوني من قرارات مجلس الأمن ورأي المحكمة، وأغلبية دولية صوّتت له (142 دولة أيدت «إعلان نيويورك» الذي قدمته المملكة وفرنسا في الجمعية العامة في 12 سبتمبر 2025)، وإطار عربي جامع منذ مبادرة السلام العربية في بيروت 2002. أما البدائل، فإما أنها تفترضه شرطاً سابقاً، وإما أنها تلغي حق أحد الشعبين.
هل يستقر الإقليم بلا عدل؟
جرّب الإقليم فرضية أن الاستقرار يمكن أن يُبنى بالالتفاف على القضية: تهدئة هنا، وترتيبات اقتصادية هناك، وتأجيل للجوهر. لكن غياب الحرب ليس سلاماً. فالقضية التي تُترك بلا حل لا تختفي، بل تصير رايةً يرفعها من يريد استثمارها، من الميليشيات التي هاجمت السفن في البحر الأحمر باسم غزة، إلى القوى التي تطلب نفوذاً في الإقليم من بوابة المظلومية.
وهذا ما قاله وزراء خارجية المملكة وتركيا ومصر وباكستان في إسطنبول في 23 أكتوبر 2026، حين وصفوا الاحتلال الإسرائيلي بأنه المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وما وراءه، وطالبوا بتنفيذ عاجل لحل الدولتين ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية. وهذا التوصيف تأطيرٌ بامتياز: ينقل القضية من خانة التضامن إلى خانة الأمن الإقليمي، فيصير حلها شرطاً لاستقرار الممرات والطاقة، لا ملفاً منفصلاً عنهما.
الموقف السعودي في ذلك ثابت ومعلن. فقد أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى في 18 سبتمبر 2024 أن المملكة لن تتوقف عن عملها الدؤوب في سبيل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وأنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون ذلك.
من البيان إلى التكلفة: ما الذي تغيّر في أوروبا؟
الجديد في الموقف الأوروبي ليس اللغة، بل التكلفة:
- إسبانيا تحظر استيراد منتجات المستوطنات منذ سبتمبر 2025.
- الحظر الأيرلندي دخل حيز التنفيذ في 15 سبتمبر 2026، والهولندي في 22 سبتمبر 2026.
- في 20 أغسطس 2026 وصفت إحدى وعشرون دولة، ومعها المفوضية الأوروبية، طرح مناقصات E1 بأنه غير مقبول، لأنه يقسم الضفة ويقوّض حل الدولتين. ومن الموقعين ألمانيا وإيطاليا.
لكن الصورة ناقصة. فحظر التجارة على مستوى الاتحاد لم يُتفق عليه بعد؛ عرضت المفوضية خياراتها في يوليو 2026 ولم يصدر قرار. وكتب نحو 500 دبلوماسي ووزير أوروبي سابق في 5 أكتوبر أن الاتحاد لم يتخذ أي إجراء يردع مشروع E1. فالتقارب الأوروبي حقيقي، لكنه ما زال موزعاً بين عواصم تتحرك بقوانين وطنية، وأخرى تكتفي بالبيانات.
كيف يُبنى عليه؟
البناء على هذا التقارب يبدأ من حيث بدأ المقال، من التعريف، ثم يمضي إلى القياس:
1 - إطار واحد للمشكلة: أن يتفق الشركاء العرب والأوروبيون على نص يعرّف المشكلة بلغة القانون الدولي، احتلالاً واستيطاناً بلا شرعية قانونية، لا «عنفاً من الطرفين». فالإطار المشترك هو ما يجعل الإجراءات المتفرقة سياسة واحدة.
2 - مؤشر يُقاس: نشرة دورية مشتركة تقيس ما يتحرك على الأرض: الوحدات الاستيطانية التي تُقرّ، والبؤر التي تُشرعن، والمناقصات التي تُطرح. وتُربط بها عتبات معلنة سلفاً: إن بدأ البناء في E1، انتقل الحظر من العواصم إلى الاتحاد. وقد قالت الممثلة العليا كايا كالاس إن حظر التجارة يمكن أن يُقرّ بالأغلبية المؤهلة.
3 - قناة تتكرر: اتفق المجتمعون في إسطنبول على اللقاء دورياً، وبيان الدول الأربع نفسه ربط فلسطين باستقرار الإقليم. فإدراج الاستيطان بنداً ثابتاً على جدول هذه القناة يجعله ملفاً أمنياً مشتركاً، لا ملفاً عربياً وحده.
4 - المنطق نفسه لبقية البؤر: في اليمن والسودان ولبنان وسوريا يبدأ الحل من سؤالين: ما المشكلة؟ ومن يعرّفها؟ فمن عرّف أزمة البحر الأحمر خلافاً يمنياً داخلياً لم يرَ ميليشيا تمسك مضيقاً دولياً. ومن عرّف السودان صراع جنرالين لم يرَ المدنيين الذين كُتب لحمايتهم إعلان جدة في مايو 2023. والتعريف الصحيح لا يصنع الحل وحده، لكنه يمنع الحل الخاطئ.
لم تفتقر القضية الفلسطينية يوماً إلى الحلول، بل إلى اتفاق على المشكلة. وما تقدمه اللحظة الراهنة فرصة نادرة: أن يلتقي التعريف العربي والتكلفة الأوروبية على نص واحد.
من يسمّي المشكلة يكتب نصف الحل، ومن يقيسها يكتب النصف الآخر.