أنور الدوامي العنزي
الإنترنت ليس له مصدر واحد أو دولة واحدة تتحكم فيه، هو شبكة عالمية ضخمة تربط مليارات الأجهزة والخوادم ومراكز البيانات ببعضها. تنتقل البيانات فيها بين الدول عبر كابلات الألياف الضوئية تحت البحار والمحيطات بالإضافة إلى الأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات. وتحمل الكابلات البحرية الجزء الأكبر من حركة البيانات الدولية.
من حيث المبدأ، يمكن لدولة أن تحاول تعطيل الاتصال بالإنترنت عن دولة أخرى سواء باستهداف البنية التحتية أو التأثير في مسارات الاتصال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نجاحها في قطع الإنترنت بالكامل. فإذا تعددت المسارات البديلة فقد يستمر الاتصال مع بطء الإنترنت أو ارتفاع الضغط على الشبكات، أما الانقطاع الكامل فيتطلب تعطل جميع المسارات الفعالة أو تعذر استخدامها بحسب تصميم البنية الرقمية ومدى اعتمادها على الخارج.
قد يعتقد البعض أن انقطاع الإنترنت يعني تعطل مواقع التواصل الاجتماعي وبعض التطبيقات، لكن المسألة أكبر من ذلك بكثير. فماذا عن الخدمات الحكومية الإلكترونية، والتحويلات المصرفية، والمدفوعات، والشركات التي تعتمد على الأنظمة السحابية، والجهات التي تحتاج إلى التواصل مع أنظمة موجودة خارج المملكة.
المملكة ولله الحمد قطعت شوطاً كبيراً في التحول الرقمي وتمتلك بنية تحتية متقدمة في الاتصالات. وأصبحت الخدمات الحكومية والمصرفية والتجارية وقطاعات الطاقة والصحة تعتمد بدرجة كبيرة على الأنظمة الرقمية.
كما توجد شبكات مخصصة لربط الجهات الحكومية من بينها شبكة (SPINE) التي أُطلقت لربط أكثر من 300 جهة حكومية وشبكة (SAIX) التي تهدف إلى إبقاء حركة البيانات المحلية داخل المملكة قدر الإمكان، بدلاً من تمريرها عبر مسارات دولية وهذه خطوات مهمة في تعزيز التكامل الرقمي واستمرارية الخدمات.
لكن وجود بنية اتصالات متقدمة لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الخدمات ستستمر إذا انقطع الاتصال بالعالم، فبعضها قد يعتمد على خوادم أو خدمات سحابية خارج المملكة.
لذلك فإن المطلوب ليس الانعزال عن الإنترنت العالمي، بل تعزيز قدرتنا على الاستمرار عند تعطل الاتصال به، وذلك يكون بتنويع مسارات الربط الدولية، وتوطين البيانات والخدمات المهمة، وتوفير أنظمة احتياطية، والتأكد من قدرة القطاعات الحيوية على العمل محلياً عند الضرورة وهذا ما تقوم به المملكة.
ولكن لابد من إجراء اختبارات عملية تحاكي انقطاع الإنترنت الدولي، تشمل الجهات الحكومية والبنوك وشركات الاتصالات والطاقة والصحة والنقل، لمعرفة الخدمات التي ستستمر والخدمات التي قد تتأثر، ومعالجة أوجه القصور قبل وقوع أي أزمة.
الاستعداد المسبق ليس تهويلاً أو تشاؤم وإنما هو دعوة إلى قياس المخاطر المحتملة في عالم أصبحت فيه البنية الرقمية جزءاً لا يتجزأ من أمن دول العالم واستقرارها بل ضرورة تفرضها الظروف العالمية، والهدف أن تبقى المملكة قادرة على مواصلة أعمالها وخدماتها في مختلف الظروف.