محمد سليمان العنقري
لم تعد التحولات التي يشهدها العالم مجرد أزمات سياسية أو صراعات عسكرية متفرقة بل أصبحت تعكس تغيرًا أعمق في موازين القوة ومحاولات إعادة ترتيب العلاقات الدولية بما يخدم مصالح القوى الكبرى في العقود المقبلة.
وفي قلب هذا الحراك تتصدر الولايات المتحدة والصين مشهد المنافسة التي تجاوزت حجم الاقتصاد والقدرة العسكرية إلى امتلاك أدوات التفوق في القرن الحالي من التكنولوجيا وتدفقات الأموال إلى أسواق رأس المال وإمدادات الطاقة وطرق التجارة وشبكات التحالفات الدولية.
وتدرك الولايات المتحدة أن قوتها لا تقوم على جيشها وحده بل تستند أيضًا إلى مكانة الدولار الذي يعد حجر سنمار بالنسبة لاتحاد ولاياتها ومكانتها الدولية وإلى عمق أسواقها المالية وقدرتها على جذب الاستثمارات العالمية وتمويل الابتكار. ولذلك فإن الحفاظ على جاذبية الاقتصاد الأميركي ومركزية الدولار يمثلان ركيزة أساسية لنفوذها الدولي في وقت تحاول فيه الصين توسيع استخدام اليوان وبناء قنوات مالية وتجارية بديلة.
أما التكنولوجيا فقد أصبحت ميدانًا رئيسًا للصراع خصوصًا في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات. فبينما تتقدم الولايات المتحدة في الابتكار وتمتلك شركات تقنية عملاقة تستند الصين إلى قاعدة صناعية ضخمة وقدرة إنتاجية تنافسية تتيح لها تحويل التقنيات إلى منتجات على نطاق واسع. وهنا لا تقتصر المنافسة على اختراع التكنولوجيا بل تمتد إلى تصنيعها والتحكم في مدخلاتها وسلاسل إمدادها والمعايير التي تحكم استخدامها.
وتبقى الطاقة والمعادن الإستراتيجية جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة لما لهما من أثر في تكاليف الصناعة وأمن الإمدادات وتشغيل اقتصادات المستقبل. كما يفسر هذا التنافس توجه الولايات المتحدة نحو تعزيز علاقاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين والهند بينما توسع بكين شبكة مصالحها التجارية والاستثمارية عبر مبادرة الحزام والطريق لربط الأسواق والموانئ والممرات البرية والبحرية.
أما الشرق الأوسط فيبقى حاضرًا في هذه المعادلة فالتركيز الأميركي على آسيا لا يعني أن المنطقة فقدت أهميتها بل إنها تشهد إعادة ترتيب للأولويات الأمنية والاقتصادية مع تعاظم أهمية الطاقة التقليدية والممرات البحرية وترسيخ العلاقات مع دول الخليج. وفي الوقت نفسه تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها الدفاعي والصناعي بينما تحاول روسيا استعادة دورها الدولي مستفيدة من قوتها العسكرية ومواردها الطبيعية رغم القيود الاقتصادية والتقنية المفروضة عليها بسبب حربها على أوكرانيا.
فالمنافسة تتجاوز امتلاك الموارد والأسواق إلى القدرة على وضع القواعد والمعايير التي يعتمد عليها الآخرون في التمويل والمدفوعات والعملات الرقمية والتكنولوجيا والتجارة. فالقوة لم تعد تقاس بما تنتجه الدولة فقط بل بقدرتها على جذب رأس المال وتمويل الابتكار وبناء الثقة والتحكم في الشبكات التي يعتمد عليها الآخرون. ورغم ذلك لا يعني كل تحرك سياسي أو عسكري أنه جزء من خطة واحدة بل تتداخل المصالح والمخاوف والإستراتيجيات في تشكيل المشهد العالمي.
صعود الصين لا يعني حتمية تراجع الولايات المتحدة كما أن استمرار التفوق الأميركي ليس مضمونًا دون تجديد أدواته. والنظام العالمي المقبل قد لا تحكمه قوة واحدة في جميع المجالات بل تتوزع فيه عناصر النفوذ بين قوى متعددة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط على من يملك المال والتكنولوجيا والطاقة والتحالفات بل على من يستطيع تحويلها إلى ممكنات تجعله يكتب قواعد تحكم النظام العالمي المقبل.