رسيني الرسيني
الخوف شعور طبيعي قد يحمي الإنسان من المخاطر، لكنه يصبح آفة حين يتحول إلى هلع يعطل الحساب ويستبدل التحليل بردود الأفعال. عندها لا يسأل المستثمر عما تغير في قيمة الأصل، وإنما عما سيفعله الآخرون بعد لحظات، فيبيع لأنه يخشى بيعهم. وهذه العدوى لا تقتصر على الأسهم، فقد تظهر في سحب الودائع وتكديس السلع وتأجيل الإنفاق، فتنتقل من توقع الضرر إلى المساهمة في صنعه. والمفارقة أن السلوك ذاته يعمل في الاتجاه المعاكس، إذ قد يدفع الخوف من فوات الفرصة إلى شراء مستعجل، فيصبح الهلع وقودًا للمبالغة في الصعود والانخفاض معًا، على حساب التقدير المتزن للقيمة والمخاطر.
ويقدم تراجع سوق الأسهم السعودي مثالًا يستحق التأمل في العلاقة بين حركة الأسعار وتصورات المستثمرين. فحين تتسع موجات البيع لتشمل شركات قيادية، ينشأ تساؤل مشروع هل تغيرت قدرة تلك الشركات القيادية على تحقيق الأرباح؟ بقدر ما تغيرت أسعار أسهمها؟ وتزداد أهمية السؤال في اقتصاد دولة محورية تملك فرصًا استثمارية واسعة، وتشهد تحولًا في قطاعات متعددة، فالأسواق تسعر حسب توقعات المستقبل، إذ تعكس قيمة السهم ما ينتظره المستثمرون من أرباح وتدفقات نقدية خلال السنوات المقبلة، أما إذا كان تسعير السوق يقوده تخمينات أخرى، فيصبح تراجع السعر نفسه أساسًا لتوقع مزيد من التراجع، فتتغذى قرارات البيع على حركة السوق بدلًا من أداء أعمال الشركات.
أما الظروف الجيوسياسية، ورغم ما تفرضه من مخاطر وضغوط، لا تمحو مقومات القوة التي بنتها الشركات الناجحة عبر عقود. فهذه الشركات تواصل أعمالها، وتستند إلى أصول وقدرات تشغيلية وحضور في الأسواق، ولها سجل من النتائج الإيجابية عبر سنوات شهدت ظروفًا وتحديات مختلفة. ومن ثم، فإن تقدير أثر الأحداث ينبغي أن ينطلق من انعكاساتها الفعلية على أعمال كل شركة وأرباحها، دون أن يحجب القلق العابر قدرتها على التكيف والاستمرار وخلق القيمة. ولذلك، فإن التقييم الاقتصادي يقتضي التمييز بين اضطراب يؤجل الأرباح وتغير يضعف القدرة على توليدها مستقبلًا، حيث أن لكل منهما أثر مختلف في القيمة المستقبلية وتقييمها العادل.
ومن هنا، تبدأ مواجهة الهلع باستعادة السؤال الصحيح: ماذا نملك، وما الذي تغير في قيمته؟ فالمستثمر الذي يفهم نشاط الشركة ومصادر أرباحها ومخاطرها، يكون أقدر على التمييز بين تقلب يستدعي الصبر وتغير يستوجب مراجعة القرار، بما يحفظ توازن قراراته ويحد من تأثير الانفعالات في استثماراته. وتتعزز هذه القدرة بقراءة ثاقبة وتحليل مهني وأفق استثماري يتجاوز ضجيج الجلسات، مع تنويع المحفظة والاحتفاظ بسيولة تجنب صاحبها البيع الاضطراري. وليس المقصود دعوة إلى الشراء أو التمسك بكل سهم، وإنما إلى إخضاع القرار للحساب بدلًا من الانفعال، فالاقتصاد السعودي بما يملكه من مقومات وفرص يستحق قراءة تتجاوز لون الشاشة.
حسنًا، ثم ماذا؟
يقول الاقتصادي بنيامين غراهام: «السوق آلة تصويت في الأجل القصير، وميزان في الأجل الطويل».