د.شريف بن محمد الأتربي
بعد أقل من ثلاثة أشهر، تبدأ أولى دفعات برنامج الماجستير المهني في التدريس دراستها. وقد أطلق المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي هذا البرنامج بالشراكة مع ست جامعات سعودية في خمس مدن، ضمن عشرة تخصصات تعليمية، بهدف إعداد الراغبين في دخول مهنة التدريس ورفع جاهزيتهم للممارسة المهنية منذ بداية مسيرتهم.
إنها خطوة تؤسس لمبدأ طال انتظاره: أن التدريس مهنة لها إعدادها وجداراتها ومتطلباتها المهنية، وليست وظيفة متاحة لكل من يحمل شهادة جامعية، مهما كان تخصصه أو مقدار استعداده للعمل التربوي.
وبحسب ما أُعلن عن البرنامج، فإن الحصول على الماجستير المهني في التدريس يمثل شرطًا لدخول المعلمين الجدد المستهدفين إلى المهنة، وفق المتطلبات المنظمة لذلك، دون أن يعني ذلك تطبيق الشرط بأثر رجعي على المعلمين الموجودين على رأس العمل. وهذه نقلة مهمة في ضبط مدخلات المهنة، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا يتجاوز الحصول على المؤهل إلى طبيعة ما ينبغي أن يتعلمه المرشح قبل أن يقف أمام طلابنا.
فاللحظة التي يُبنى فيها برنامج جديد هي نفسها اللحظة الأنسب لطرح الأسئلة الصعبة قبل أن تستقر الخطط. وسؤالي هنا: هل نُعدّ المعلم لكل ما يحدث فعلًا داخل الفصل؟
أقترح، بصراحة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، أن يتضمن البرنامج مكوّنًا عمليًا في «فن الأداء»: كيف يقف المعلم أمام طلابه، وكيف يتكلم ويصمت ويتحرك، وكيف يجسّد المعنى بدل أن يكتفي بقوله.
ما لا تقوله الجدارات
يركز إعداد المعلم على بناء جدارات التدريس وإدارة الصف والتقويم، وربط المعرفة الأكاديمية بالتطبيق الميداني. وهذه أعمدة أساسية لا خلاف عليها، ولا يمكن الاستغناء عنها.
غير أن بين «امتلاك الجدارة» و»ممارستها أمام ثلاثين طالبًا» مسافة يعرفها كل من وقف في فصل دراسي. فالمعلم يقف يوميًا أمام جمهور حقيقي: جمهور قد يملّ ويتشتت، وقد تختلف دوافع أفراده واستعداداتهم، ويحتاج إلى من يجذب انتباهه، ويحرّك فضوله، ويقنعه، ويجعله شريكًا في التعلم.
تخيلوا معلمًا يشرح درسًا عن الأمانة، فيكتفي بتعريفها وسرد أمثلة نظرية عليها. ثم تخيلوا معلمًا آخر يقدّم مشهدًا قصيرًا يجسّد فيه صراع إنسان بين الأمانة ومصلحته الشخصية، ثم يتوقف، ويترك لطلابه أن يناقشوا ويحللوا ويستخلصوا.
أي الدرسين سيكون أقدر على البقاء في ذاكرة الطالب بعد سنوات؟
الفرق بين المشهدين ليس في المعلومة، بل في الطريقة التي تتحول بها المعلومة إلى تجربة يعيشها المتعلم.
وهذه الطريقة ليست موهبة فطرية يولد بها بعض المعلمين ويُحرم منها آخرون؛ إنها مهارات يمكن تعلمها والتدرب عليها. ومع ذلك، قد يضطر كثير من المعلمين إلى اكتساب جانب منها بالممارسة والخبرة الشخصية، بينما تستطيع برامج الإعداد المهني أن تختصر هذه الرحلة، وتمنح المعلم أدوات أكثر وعيًا وفاعلية منذ بداية مسيرته.
فلماذا نترك للصدفة ما يمكن أن نعلّمه؟
مقترح بطبقتين
حين أقول «فن الأداء» لا أقصد أن نخرّج ممثلين، ولا أن يتقمص المعلم شخصيات مصطنعة أو يتنازل عن شخصيته الحقيقية. إنما أقصد الإفادة من تقنيات الأداء في بناء معلم يمتلك أدوات التأثير التربوي، ويعرف كيف يوظفها بما يخدم هدف التعلم. والمقترح يتكون من طبقتين متكاملتين.
الطبقة الأولى: المعلم مؤدّيًا.
أن يمتلك المعلم أدوات الحضور: نبرة الصوت وإيقاعه، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد، وحركته في المكان، وإدارة الصمت الذي قد يكون أبلغ من الكلام. وأن يعرف كيف يغيّر أسلوبه وفق الموقف، ومتى يكون الحاني الذي يطمئن طالبًا قلقًا، ومتى يكون الحازم الذي يضع الحدود، ومتى يكون المحاور الذي يدفع طلابه إلى اكتشاف الحقيقة بأنفسهم.
فالمعلم يحتاج إلى أن يطمئن الطالب دون أن يضعف هيبة الموقف التعليمي، وأن يكون حازمًا دون أن يتحول إلى مصدر للخوف، وأن يثير الحماسة دون مبالغة، وأن يوصل المعنى إلى عقول الطلاب ووجدانهم دون أن يفقد عفويته وصدقه.
إنها مهارات في التواصل والأداء يمكن تدريب المعلم عليها، وملاحظتها، وتقديم تغذية راجعة عملية بشأنها، بدل أن ننتظر حتى يكتسبها بعد سنوات من الممارسة.
الطبقة الثانية: الدراما أداةً للتعلم.
أن يعرف المعلم كيف يصمم مشهدًا يكون الطلاب أبطاله، فيعيدون تمثيل الموقف، ويغيرون مساره، ويقترحون حلولًا بديلة، ثم ينقلون ما تعلموه إلى مواقف من حياتهم الأسرية والاجتماعية.
قد يكون المشهد موقفًا يتطلب اتخاذ قرار أخلاقي، أو مشكلة علمية تحتاج إلى تفسير، أو خلافًا اجتماعيًا يستدعي الحوار، أو محاكاة لموقف مهني يحتاج إلى التفكير والتفاوض. وفي كل حالة، لا يكون الهدف تقديم عرض مسرحي، بل خلق موقف تعليمي يتيح للطالب أن يفكر ويجرب ويناقش ويكتشف نتائج قراراته.
عندها لا ينتظر الطالب اكتمال الشرح، بل يصبح شريكًا في بناء المعرفة واختبارها، ثم توظيفها في حياته.
الطبقة الأولى تجعل المعلم مسموعًا، والثانية تجعل الطالب فاعلًا.
وكلتاهما تخدم التوجه نحو متعلم يفكر ويحاور ويطبّق، لا متعلم يحفظ ثم ينسى. كما تنسجم مع الغاية الأوسع لتنمية القدرات البشرية، وهي بناء قدرات الإنسان وتمكينه من توظيف ما يتعلمه في مواقف الحياة والعمل.
فالفصل الدراسي ليس مسرحًا للفرجة، بل مساحة لصناعة الإنسان، والمعلم أحد أهم صُنّاع المشهد التعليمي فيها.
فكرة ليست غريبة.. ولا بلا مخاطر
قد يبدو الاقتراح جديدًا على برامج إعداد المعلمين عندنا، لكنه ليس غريبًا على الفكر التربوي.
فقد تناول عالم النفس التربوي الأمريكي سيمور ب. ساراسون هذه الفكرة في كتابه Teaching as a Performing Art، الصادر عام 1999، أي «التدريس بوصفه فنًا أدائيًا». وناقش فيه دور المعلم في جذب انتباه جمهوره، أي طلابه، وكيف يمكن الإفادة من تقاليد الأداء المسرحي والتدريب والبروفات والتوجيه في تطوير إعداد المعلمين وتعزيز تفاعلهم مع المتعلمين.
والفكرة التي تثير التأمل هنا هي أننا نُدرّب الممثل على قراءة جمهوره، وإدارة انتباهه، وتوظيف صوته وحركته، وبناء حضوره أمامه، بينما قد يدخل المعلم الفصل دون أن يكون قد تلقى تدريبًا عمليًا كافيًا على بعض هذه المهارات، رغم أن نجاحه يعتمد جزئيًا على قدرته على التواصل والتأثير.
وفي مجال الدراما التعليمية، استُخدمت تقنيات لعب الأدوار والمحاكاة في مساعدة المتعلمين على استكشاف الأفكار والمواقف، وتحليل المشكلات، وفهم وجهات النظر المختلفة. وهي ممارسات يمكن الإفادة منها في التدريس، شريطة أن تُختار بعناية وفق طبيعة المادة وأهداف التعلم، لا أن تتحول إلى نشاط ترفيهي منفصل عن محتوى الدرس.
كما تناولت دراسات الاتصال التعليمي العلاقة بين بعض مظاهر التواصل غير اللفظي، مثل التواصل البصري وتنويع الصوت والحركة الواعية، وبين تفاعل الطلاب ودافعيتهم.
لكن هذه العلاقة لا تعني أن كل أداء جذاب يحقق تعلمًا أفضل؛ إذ ينبغي التمييز بين جذب الانتباه وبين اكتساب المعرفة وفهمها والقدرة على تطبيقها.
وهنا تبرز تجربة شهيرة تستحق أن نتوقف عندها.
في عام 1973، نشر الباحثون ديفيد نافْتولين وجون وير وفرانك دونيلي دراسة بعنوان The Doctor Fox Lecture: A Paradigm of Educational Seduction، تناولت محاضرة قدمها شخص قُدّم للجمهور بوصفه خبيرًا، مستخدمًا أداءً جذابًا ولغة مقنعة، رغم أن محتوى المحاضرة كان ضعيفًا ومليئًا بالتناقضات. وأثارت الدراسة نقاشًا واسعًا حول احتمال أن يؤثر الأداء الجذاب في تقييم الجمهور للمحاضرة.
لكن من المهم ألا نحمّل التجربة أكثر مما تثبته؛ فقد أعاد باحثان، إيال بير وإليشا باباد، فحص هذه النتائج في دراسة منشورة عام 2014، ووجدا أن المشاركين استمتعوا بالمحاضرة الجذابة، لكن النتائج لم تدعم الاستنتاج القائل إنهم خُدعوا بالضرورة للاعتقاد بأنهم تعلموا منها.
وهذا يجعل التجربة تنبيهًا إلى ضرورة الفصل بين الاستمتاع بالأداء، وتقييم المحاضر، والتحقق من التعلم الفعلي.
الدرس الذي ينبغي أن نستخلصه هو أن الأداء بلا مضمون قد يتحول إلى خدعة، وأن المضمون الذي لا يُحسن المعلم تقديمه قد يفقد فرصة التأثير.
ولهذا لا أدعو إلى مقرر في التمثيل منفصل عن الهدف التربوي، بل إلى تدريب عملي على توظيف الأداء لخدمة التعلم، يُقاس أثره بما يفهمه الطالب ويستطيع تطبيقه، لا بمجرد إعجابه بالمعلم أو استمتاعه بالحصة.
من فكرة إلى ممارسة
لا أطلب إضافة مقرر نظري جديد يُثقل خطة البرنامج، بل أقترح مسارات عملية متكاملة، تبدأ بإعداد المعلمين الجدد، ولا تتوقف عندهم، بل تمتد إلى المعلمين والمعلمات الموجودين على رأس العمل.
أولًا: مكوّن تطبيقي في إعداد المعلمين الجدد.
تُدمج وحدة عملية في مقررات إدارة الصف والتدريب الميداني ضمن برنامج الماجستير المهني في التدريس، يتدرب فيها المرشحون على الإلقاء والحضور الصفي، وتنويع الصوت، ولغة الجسد، والارتجال التربوي، والسرد القصصي، وتصميم المحاكاة ولعب الأدوار، وإدارة الحوار، والتعامل مع المواقف الصفية المفاجئة.
ويُفضّل أن يتضمن التدريب تصوير أداء المرشح في مواقف تعليمية محاكاة، ثم مراجعته وتقديم تغذية راجعة محددة له، حتى يتعرف إلى نقاط قوته والجوانب التي تحتاج إلى تطوير.
ثانيًا: تدريب المعلمين والمعلمات على رأس العمل.
إذا كان الماجستير المهني يمثل فرصة لتطوير إعداد المعلمين الجدد، فإن المعلمين والمعلمات الموجودين اليوم في الميدان يستحقون فرصة مماثلة للاستفادة من هذه الفكرة.
فهم يمثلون القوة الأكبر في مدارسنا، والاستثمار في تطوير أدائهم يمكن أن ينعكس على تعلم الطلاب في وقت أقرب.
لذلك أقترح أن يدرس المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي إدراج برامج تدريبية تطبيقية في «تقنيات الأداء التربوي» ضمن خطته للتطوير المهني المستمر، تستهدف المعلمين والمعلمات على رأس العمل، بالتعاون مع المختصين في الأداء والفنون الأدائية والخبراء التربويين.
ولا ينبغي أن تكون هذه الدورات محاضرات نظرية عن أهمية التواصل أو جذب الانتباه، بل ورش عمل يتدرب فيها المعلم على إدارة صوته وحركته، وتوظيف لغة الجسد، والسرد القصصي، والمحاكاة، ولعب الأدوار، وتصميم المواقف التعليمية التفاعلية، ثم يطبق ما تعلمه داخل فصله، ويحصل على تغذية راجعة تساعده على تحسين أدائه.
ويمكن تقديم هذه البرامج على مراحل، تبدأ بدورات قصيرة تطبيقية، ثم تتبعها فرص للتطبيق الميداني والتوجيه المهني، بحيث لا تنتهي رحلة التطوير بانتهاء الدورة التدريبية، بل تبدأ منها.
بهذا لا نحصر الفكرة في الأجيال الجديدة من المعلمين، ولا ننتظر سنوات حتى تظهر آثارها، بل نمنح المعلمين الحاليين فرصة لتطوير أدواتهم المهنية، ونفتح أمامهم مسارًا جديدًا للتعلم المستمر، يستفيد منه الطلاب والمدارس والمنظومة التعليمية بأكملها.
ثالثًا: شراكة مع أهل الصنعة.
يمكن للمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي أن يدرس التعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية في تصميم هذا المكوّن وتقديمه، بحيث يلتقي مدرب الأداء المحترف بالخبير التربوي، ويبني كل منهما على خبرة الآخر.
فالفنان يمتلك أدوات الأداء والحضور، والخبير التربوي يعرف أهداف التعلم وخصائص المتعلمين ومتطلبات الموقف الصفي. واجتماع الخبرتين قد ينتج برنامجًا أكثر فاعلية من الاكتفاء بمحاضرات نظرية عن التواصل أو استراتيجيات التدريس.
ويمكن أن تشمل هذه الشراكة إعداد حقائب تدريبية تراعي اختلاف التخصصات؛ فما يناسب معلم اللغة العربية أو الدراسات الاجتماعية قد يختلف عن الأدوات التي يحتاج إليها معلم الرياضيات أو العلوم، مع الاحتفاظ بالمبادئ المشتركة المتعلقة بالحضور والتواصل وإشراك المتعلم.
رابعًا: تجربة محدودة قبل التعميم.
يبدأ المكوّن في تخصصين أو ثلاثة لدى جامعة أو جامعتين من الجامعات الشريكة، مع مجموعة مقارنة مناسبة لا تتلقى التدريب نفسه في المرحلة التجريبية، وفق تصميم يسمح بتقييم النتائج بإنصاف. وبالتوازي، يمكن تنفيذ تجربة تدريبية للمعلمين الموجودين على رأس العمل في عدد محدود من المدارس، بما يتيح اختبار ملاءمة المكوّن لخبراتهم واحتياجاتهم المهنية، ومعرفة الفروق بين أثر التدريب على المعلمين الجدد وأثره على المعلمين ذوي الخبرة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف إثبات نجاح الفكرة مسبقًا، بل اختبارها بموضوعية، ومعرفة المهارات التي تتحسن، والتخصصات التي تستفيد منها أكثر، والتحديات التي قد تواجه تطبيقها.
خامسًا: قياس بما يتعلمه الطالب.
يُقاس الأثر في التدريب الميداني بمؤشرات تشمل انتباه الطلاب، وحجم مشاركتهم، ونوعية أسئلتهم، ومستوى فهمهم للمحتوى، وقدرتهم على تطبيق ما تعلموه في مواقف جديدة.
ويُفضّل تحديد خط أساس قبل التدريب، واستخدام أدوات ملاحظة واضحة، ومقارنة النتائج بمجموعة مناسبة، مع مراعاة اختلاف المواد الدراسية وأعمار الطلاب والظروف الصفية. فزيادة التفاعل وحدها لا تكفي للحكم على نجاح التجربة ما لم يصاحبها تحسن يمكن رصده في التعلم.
وبناءً على النتائج، يُتخذ قرار التوسع أو التعديل أو التوقف، سواء تعلق الأمر بمكوّن إعداد المعلمين الجدد أو ببرامج التطوير المهني المستمر.
والتوقيت مناسب: فالبرنامج في بدايته، كما أن تدريب المعلمين الحاليين يمكن أن يبدأ بصورة تجريبية دون انتظار تخرج الدفعات الأولى. وإدخال مكوّن جديد في مرحلة مبكرة، بالتوازي مع تطوير برامج التدريب المستمر، أيسر من تعديل الخطط بعد استقرارها لسنوات، كما يتيح فرصة لبناء الأدلة قبل اتخاذ قرار بالتعميم.
ضوابط تحمي الفكرة
لكي لا يتحول المقترح إلى استعراض، ينبغي أن يظل الأداء وسيلة لتحقيق هدف تعليمي واضح.
فالمبالغة قد تشتت الانتباه بدلًا من أن تجذبه، والتمثيل الذي لا يخدم هدف الدرس قد يتحول إلى تسلية عابرة لا تترك أثرًا معرفيًا مستدامًا.
كما ينبغي أن يراعي التدريب الفروق الفردية والنفسية بين الطلاب، وقيم مجتمعنا وخصوصيته، وألا يصبح الأداء أداة لإحراج طالب أو السخرية منه، أو وسيلة لفرض شخصية المعلم على المتعلمين. فالمعلم ليس مطالبًا بأن يصبح نسخة من ممثل محترف، ولا أن يفقد عفويته، بل أن يكتسب أدوات إضافية تساعده على أداء رسالته.
وينبغي كذلك ألا يتحول هذا المكوّن إلى بديل عن التأهيل العلمي والتربوي، أو أن يُفهم منه أن جاذبية المعلم تغني عن معرفته. فالماجستير المهني في التدريس مهم لأنه يهيئ المرشح للممارسة المهنية، وفن الأداء المقترح ليس إلا عنصرًا مكملًا لهذه المنظومة، يُختبر أثره ضمن إطارها، ويُطوّر إذا أثبت جدواه.
ولا يغني ذلك عن الشغف بالتعليم، والقدرة على فهم الطلاب، والرغبة في مساعدتهم على التعلم والنمو. فالأداء يمكن أن يُدرّس، والمهارات يمكن أن تُكتسب، لكن نجاح المعلم يتطلب أيضًا التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا يجعل مصلحة المتعلم في مقدمة أولوياته.
كما أن التطوير المهني لا ينبغي أن يُختزل في عدد الدورات التي يحضرها المعلم، بل في مقدار ما ينعكس منها على ممارساته داخل الفصل، وما تحدثه من تحسن في خبرة المتعلم ونتائج تعلمه.
السؤال الذي يستحق أن نضيفه
اعتدنا أن نسأل: ماذا نُعلّم المعلم؟
وقد آن الأوان أن نضيف سؤالًا لا يقل أهمية: كيف نُعدّه ليجعل ما يتعلمه الطالب تجربة يفهمها، ويعيشها، ويوظفها في حياته؟
إن إطلاق الماجستير المهني في التدريس خطوة مهمة في ضبط مدخلات مهنة التعليم، وترسيخ أن من يقف أمام أبنائنا وبناتنا لا بد أن يكون مؤهلًا لممارسة هذه المهنة، لا أن يكتفي بالحصول على شهادة جامعية في تخصصه.
لكن جودة إعداد المعلم لا تتوقف عند المؤهل الذي يحصل عليه، بل تمتد إلى ما يتعلمه من مهارات، وكيف يوظفها في الفصل، وما ينعكس منها على فهم الطلاب وقدرتهم على التفكير والتطبيق.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تنتهي بتأهيل المعلم قبل دخوله المهنة؛ بل تستمر من خلال توفير فرص تطوير مهني نوعية تواكب احتياجاته وتساعده على تجديد أدواته وتحسين ممارساته طوال مسيرته التعليمية.
فإذا كنا نريد من المعلم أن يصنع تجربة تعلم لا تُنسى، فلماذا لا نمنحه أدوات الأداء التي تساعده على ذلك؟
لا نريد معلمًا يُحسن الوقوف أمام الطلاب فحسب، بل معلمًا يعرف كيف يحوّل وقوفه أمامهم إلى فرصة حقيقية للتعلم.