د. حمود بن فلاح العتيبي
عبر التاريخ الإنساني والمجتمعي والعصور القديمة، ظلّت الحرمة المطلقة للحرمين الشريفين ثابتةً عقائديًا وأخلاقيًا، وخطًّا أحمر ترفّعت عن المساس به وتجاوزه الحسابات السياسية والصراعات العسكرية. ومع ذلك، لم يخلُ التاريخ من محاولات آثمة لفئات قليلة؛ بدأت بحملة أبرهة الحبشي لهدم الكعبة، ومرَّت بانتهاك القرامطة وعبثهم بحرمة البيت العتيق وتعطيل شعائره، وصولًا، في العصر الحاضر، إلى الميليشيا الحوثية الإرهابية، التي وجّهت ترسانتها من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المجنَّحة والطائرات المسيَّرة لاستهداف المقدسات على مدار السنوات العشر. وهذا ما يضعها في السجل المظلم للاعتداءات التي لم يسبقها إليها أحد، لا في الجاهلية قبل الإسلام ولا في العصور التي تلته؛ إذ لم يجرؤ على استهداف الحرمين الشريفين معًا (مكة المكرمة والمدينة المنورة) سوى هذه الميليشيا الإرهابية، في اعتداءات كشفت عن نهج عدواني لا يقيم وزنًا لقدسية المكان ولا لحرمة الإنسان.
إن محاولة المساس بمكة المكرمة، قبلة المسلمين وأطهر بقاع الأرض، والمدينة المنورة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، تمثِّل عملًا عدوانيًا مشينًا، وتجاوزًا لكل الخطوط الحمراء الدينية والأخلاقية والإنسانية، واستفزازًا لمشاعر أكثر من مليار مسلم في مختلف أنحاء العالم. وهذا التجرؤ الإجرامي من الميليشيا الحوثية يمثِّل امتدادًا تاريخيًا مباشرًا لنهج أبرهة الحبشي والقرامطة في استهداف المقدسات؛ وهو ما يكشف للعالم أجمع حقيقة تنظيمهم الذي استوردوه من طهران، وعقيدتهم التي تربُّوا عليها، القائمة على شعارات سياسية مضلِّلة وتقديس مطلق للقيادة الدينية؛ لخدمة المشروع التوسعي في المنطقة.
إن استهداف الحرمين الشريفين والإضرار بهما وترويع الآمنين ليس له حرمة أو قدسية في معتقداتهم التي نشؤوا عليها وتلقَّنوها منذ صغرهم. ويتجلَّى هذا بوضوح في استمرار انتهاكاتهم السافرة للمقدسات، وقتل المدنيين، واستهداف المطارات والمنشآت الحيوية.
وهنا تتبيَّن لنا مفارقة واضحة لا يمكن تجاهلها: كيف لمن يرفع شعارات نصرة الإسلام والدفاع عن المسلمين أن يعرِّض حياتهم ومقدساتهم للخطر؟ وكيف لمن يهدِّدهم أن يستر أفعاله وراء شعارات دينية زائفة لا تصمد أبدًا أمام حقيقة الدماء التي تسفكها هجماته الغادرة؟
يثبت التاريخ، على امتداد عصوره وتحولاته، أن الاعتداء على الحرمين الشريفين أو التجرؤ على المساس بأمنهما طريقٌ محفوف بالعواقب الوخيمة، وأن أطماع المعتدين لا تدوم مهما بلغت قوتهم. وقبل أن تتعاقب الجيوش وتتطوَّر الأسلحة، كانت هناك دعوة خالدة أطلقها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حين قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}. يا لها من دعوة عظيمة، حاضرة في وجدان المسلمين عبر القرون! تعاقبت على المنطقة دول وقوى، ومرّت بها جيوش وأطماع، لكن مكة بقيت قبلةً للمسلمين، تهفو إليها قلوبهم من مشارق الأرض ومغاربها، وتشدُّ إليها الرحال، ويجتمع فيها المسلمون على عبادة الله. وما زالت دعوة إبراهيم عليه السلام حاضرةً بمعانيها العظيمة، تذكِّر العالم بمكانة هذا البلد الحرام وحرمة الاعتداء عليه.
وقد شرَّف الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما؛ فكانت هذه المسؤولية أمانةً عظيمةً وشرفًا رفيعًا، يقتضيان بذل الجهود لحفظ أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وصون مقدساتهما، وحماية ضيوف الرحمن من كل ما يهدِّد سلامتهم.
فهذه الأرض تحتضن أقدس بقاع المسلمين، وتتجه إليها وجوههم في صلواتهم، وتتعلَّق بها قلوبهم شوقًا وزيارةً وعبادةً.
وتظل حماية أمن المملكة ومقدسات المسلمين مسؤوليةً لا تقبل التهاون، وتبقى جاهزية القوات المسلحة والدفاعات السعودية ركيزةً أساسيةً في التصدي للتهديدات وحماية الوطن ومقدراته. فخدمة الحرمين الشريفين لا تنفصل عن صون أمنهما، والحفاظ على سلامة قاصديهما، والذود عن أرضٍ جعل الله لها مكانةً لا تضاهيها مكانة.
اللَّهم يا من جعلت هذا البلد حرامًا آمنًا، احفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة، واحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها وجنودها، وكل من يقيم على أرضها.
اللَّهم أدم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار.
وستبقى دعوة إبراهيم عليه السلام أعمق أثرًا وأبقى من أطماع المعتدين؛ دعوةً تتجدَّد في قلوب المؤمنين.