منصور بن صالح العُمري
بين حجارة الأبابيل وشظايا الصواريخ، عبرة يوقظها التاريخ، ليست كل الأرض تراباً صامتاً؛ ففي الأرض مواضع تختزن من العبر ما تعجز عن حمله بطون الكتب، فإذا مرَّ بها التاريخ مرة أخرى، نطقت بما شهدته، وكأن القرون لم تمض، وكأن الأمس لم يغب!
وهناك، على مشارف مكة المكرمة، يقف وادي المغمس شاهداً على فصل من أعجب فصول التاريخ؛ يوم أقبل أبرهة بجيشه وفيله، يريد أن يهدم بيتاً رفع الله قدره، وظن أن ما جمعه من أسباب القوة كاف لبلوغ غايته، فما كان بينه وبين انكسار غروره إلا أن يأذن الله لطير تحمل حجارة، فإذا بالجيش الذي أراد أن يجعل الكعبة ركاماً يصبح هو الركام!
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ(4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ(5)} سورة الفيل.
ومضت القرون، وغاب أبرهة وفيله، وبقي البيت، وبقيت السورة، وبقي المغمس يحمل في ذاكرة المكان قصة جيش جاء معتدياً فعاد خبره عبرة تتلوها الأجيال.
ثم جاء السبت، الرابع والعشرون من أكتوبر عام 2026م، فإذا بالدفاع المدني السعودي يعلن اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا الحوثية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسقوط أجزاء منهما في وادي المغمس بالعاصمة المقدسة!
يا الله! ما أعجب هذه الموافقة، وما أبلغ ما تستدعيه من عبر!
في الموضع الذي ارتبط بقدوم فيل أبرهة، تساقطت أجزاء صواريخ الحوثي؛ وبين الفيل والصاروخ نحو خمسة عشر قرناً، تبدلت فيها أدوات العدوان، ولم تتبدل حقيقة عجز الإنسان أمام قدرة الرحمن!
كان أبرهة يظن أن فيله يفتح له الطريق إلى الكعبة، وجاء الحوثي بسلاح عصره، وكأن تطور آلة الحرب قد أغراه بما أغرت به أبرهة ضخامة فيله!
فيا للعجب من إنسان يتقدَّم في صناعة السلاح، ويتأخر في الاتعاظ بمصارع الغرور!
لقد تطورت وسائل العدوان من أقدام الفيلة إلى أجنحة الصواريخ، ولكنها لم تستطع أن تمنح أصحابها سلطاناً على مشيئة الله؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وليس لنا أن نجعل من اعتراض الصواريخ معجزةً تماثل ما قصه الله في سورة الفيل، ولا أن نجزم بسر من أسرار قدره لم يخبرنا به؛ ولكن حسبنا من العبرة أن نرى في المكان الذي يذكِّرنا بأبرهة مشهداً جديداً يوقظ القلوب إلى سلطان الله، ويذكِّرها بأن الأسباب مهما عظمت لا تستقل عن مشيئته.
ولقد أهلك الله أصحاب الفيل بطير أبابيل، ووفق اليوم رجالاً من أبناء هذا الوطن إلى اعتراض الصواريخ بما هيأ لهم من علم وقوة واستعداد؛ فسبحان من جعل لكل زمان أسبابه، وأمر عباده بإعداد القوة، وجعل التوفيق كله بيده!
وهنا تشرق عبرة أخرى: أن التوكل على الله ليس أن ننتظر النصر بأيد لا تعمل، وإنما أن نأخذ بأسباب القوة وقلوبنا معلقة برب القوة. فالحمد لله الذي وفق رجال دفاعنا الجوي، وأعانهم على أداء واجبهم، وجعل من يقظتهم بعد فضله سبباً في دفع الخطر.
أما أعظم ما ينبغي أن يستوقف القلوب، فهو أن مكة ليست مدينة كسائر المدن، بل هي البلد الذي أقسم الله به، وجعل فيه أول بيت وضع للناس، وجعل حرمته من أعظم الحرمات؛ فكيف يهون على من ينتسب إلى الإسلام أن يوجه سلاحه نحو أرض تضم قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم؟!
إن من يقرأ سورة الفيل ثم لا يعتبر بحرمة البيت الحرام، قد حفظ حروف القصة وفاته بعض أعظم دروسها.
ولعل أشد ما في هذه الحادثة إيقاظاً للضمائر أن اسم المغمس عاد إلى الأسماع، لا في درس من دروس التاريخ، ولا في تفسير سورة من القرآن، وإنما في بيان رسمي عن شظايا صواريخ معترضة!
وكأن المكان يذكِّرنا بأن التاريخ لا يعود بأشخاصه، ولكنه قد يعود بأخطائه، وأن العاقل من اتعظ بمصارع من سبقه قبل أن يصبح هو نفسه عبرة لمن بعده.
فيا من تغترون بما تملكون من قوة، تأملوا ما بقي من أبرهة! ذهب جيشه، وفني فيله، وبقي البيت الذي أراد هدمه، وبقي اسمه مقترناً بقصة الهلاك، تتناقلها الألسنة لا إعجاباً بقوته، وإنما اعتباراً بعاقبته.
ويا أهل هذا الوطن المبارك، إن نعمة الأمن تستوجب شكراً لا ينقطع، وإن حماية الحرمين شرف عظيم ومسؤولية جسيمة، وإن من حق المرابطين الذين يسهرون لتحيا بلادهم آمنة أن تلهج لهم الألسنة بالدعاء، وأن تحفظ لهم القلوب فضل ما يبذلون.
اللَّهم يا من جعلت كيد أصحاب الفيل في تضليل، احفظ بيتك الحرام ومسجد نبيك الكريم، واحفظ بلاد الحرمين وقيادتها وأهلها وجنودها، وسدِّد رمي المدافعين عنها، وأحبط كيد من أراد بها سوءاً، ورد عدوان المعتدين، وأدم علينا نعمة الإيمان والأمن والأمان.
أما المغمس، فسيبقى اسمه يوقظ في الذاكرة سؤالاً تهتز له القلوب: كم يحتاج الإنسان من القرون ليتعلَّم أن الفيل وإن عظم، والصاروخ وإن بلغ، لا يخرجان عن سلطان من قال:
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (67) سورة الزمر.