د. إبراهيم بن جلال فضلون
في كل حرب سؤالان لا يفترقان: من صاحب الحق، وكيف تُضبط القوة؟ وصية أبي بكر لقائد جيشه يزيد بن أبي سفيان، تقول إن للقوة حدودًا لا يجوز تجاوزها: «وإني موصيك بعشر: لا تقتل المرأة، ولا صبيًا، ولا كبيراً هرمًا، ولا تقطع شجراً مثمرًا، ولا تخربن عامرًا». وكلمة عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: «إن الحق الذي لا يجد من ينفّذه لا قيمة له»، وبين هذين المعنيين تقف اليوم حربان تشغلان المنطقة: حرب غزة، وحرب اليمن التي اشتعلت من جديد هذا الشهر.
فيلسوف يغيّر رأيه
قبل خمسين عامًا كتب الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر كتابه «الحروب العادلة والحروب غير العادلة»، وكانت فكرته الأساسية سهلة الفهم: (للحرب سؤالان منفصلان)..
الأول: هل لدى الدولة سبب عادل لتحارب؟، والثاني: هل تقاتل بطريقة عادلة؟ قد يكون السبب عادلًا، كالدفاع عن النفس، وتكون طريقة القتال ظالمة إذا قُتل المدنيون دون تمييز. وصار الكتاب مرجعًا في معاهد عسكرية، منها أكاديمية وست بوينت الأمريكية، ثم قال «والزر» في حوارات مطولة نشرتها مجلة «نيويوركر» شيئًا جديدًا، قال إن الدمار في غزة غيّر حُكمه أو رأيهُ القديم، فالحرب التي تبدأ بسبب عادل قد تفقد عدالتها إذا بلغ القتل والخراب حدًا لا يحتمله أي مبرر، وقد سبقهُ القول ابن خلدون في مقدمته: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، وكأن «والزر» قد بدأ بتأييد حق إسرائيل في الرد على هجوم السابع من أكتوبر 2023، ثم تغيّر موقفه تدريجيًا، ففي سبتمبر 2024 كتب أن تفجير أجهزة النداء في لبنان وسوريا هجمات إرهابية، وأنها على الأرجح جرائم حرب، وفي نوفمبر 2025 وقف في القدس أمام جمهور إسرائيلي، وقال: «إن الحرب صارت ظالمة منذ توفر طريق سياسي لهزيمة حماس وتحرير الرهائن، وإن مواصلتها بتدمير غزة وإخراج سكانها جهد إجرامي». وفي حوار لاحق تساءل: لو تكرر قصف «دريسدن» خمس مرات - التي حدثت فبراير 1945 أواخر الحرب العالمية الثانية؛ كمثال على الدمار الشامل والإبادة الكاملة وقد أصبحت مرادفاً «لعواصف النار» والكوارث التدميرية الهائلة التي يصنعها البشر-، هل كان سيبقى على رأيه القديم؟، ثم اعترف بأنه تأخر في رؤية الحقيقة.
«دريسدن» والحقيقة العمياء
ما حجم المأساة التي تحدث عنها في الواقع الأليم؟، فقد تجاوز عدد القتلى في غزة 74 ألفًا، وفق وسائل الإعلام عن السلطات الصحية في القطاع، وفي ديسمبر 2025 كان 77 % من السكان يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، ثُم انخفضت النسبة إلى 59 % بين أبريل ويونيو 2026، لكن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يتوقع أن ترتفع إلى 67 % حتى نهاية العام، لأن المساعدات تتراجع منذ فبراير. أي أن التحسن كان مؤقتًا لأنه اعتمد على المساعدات وحدها.
من هُنا نرى الدرس الذي أخذتُه من تجربة «والزر» بسيط: (أن تكون صاحب حق لا يكفي. فإذا قتلتَ المدنيين دون حساب ضاع حقك)، وهذه القاعدة تسري على الجميع، على الجيوش وعلى مليشيا الجماعات المسلحة.
صنعاء: حرب بلا التباس
لننتقل إلى اليمن، حيث بدأت الحرب حين دخل الحوثيون صنعاء في سبتمبر 2014 وأسقطوا سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا، وفي مارس 2015 تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية لإعادة هذه الحكومة، وبعد أكثر من عشر سنوات يدفع اليمنيون الثمن، فبحسب خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026، يحتاج 22.3 مليون يمني إلى مساعدة عاجلة، أي أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 40 مليونًا، وكان العدد 19.5 مليونًا في العام الماضي، فالأزمة تتسع ولا تتراجع، حيثُ يُعاني 18.3 مليونًا منهم انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، أي أنهم لا يضمنون طعامهم اليومي، كما أن الرعاية الصحية منهارة في جزء كبير منها: (فقرابة 40 % من المستشفيات والمراكز الصحية إما مغلقة وإما لا تعمل بكامل طاقتها. ولا يلوح في الأفق تمويل يوازي هذه الحاجة، فقد طلبت الأمم المتحدة 2.16 مليار دولار هذا العام، ولم تحصل في العام الماضي إلا على نحو 29 في المئة مما طلبته.
ومع ذلك اختارت الرياض سنوات طويلة طريق التفاوض لا الحسم العسكري، إذ زار وفد سعودي صنعاء في أبريل 2023 ضمن وساطة عمانية، واستقبلت الرياض وفدًا حوثيًا في سبتمبر من العام نفسه بحثًا عن وقف دائم لإطلاق النار، فمن يتهم السعودية بالتعلق بالقوة عليه أن يقرأ هذا السجل أولًا.. لكن أكتوبر 2026 كان مُختلفا، حينما أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيّرة على مطارات مدنية سعودية في الرياض ونجران وجازان، وصفه أمين عام الأمم المتحدة بأنه هجوم مميت وينتهك القانون الدولي، كما أعدّه مبعوثه إلى اليمن تصعيدًا خطيرًا، وفي 15 أكتوبر أصدر مجلس الأمن بيانًا يدين استهداف الطيران المدني ومنشآت الطاقة في السعودية، ويدين التهديد للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ويدعو إلى منع وصول السلاح إلى الحوثيين وإلى تسوية تفاوضية.
هُنا، لنطبّق ميزان «والزر» على هذه الوقائع، ففي غزة يدور جدل حول وجود المقاتلين بين المدنيين، أما المطار المدني الذي تهبط فيه طائرات الركاب فلا يمكن أن يُعدّ هدفًا عسكريًا بأي منطق، فلا شيء هنا يحتمل الجدل، وبهذا المعنى أرى أن وصف هذه الهجمات بالإرهاب وصف دقيق.
القاهرة والرياض
تظهر الشراكة بين القاهرة والرياض متجددة بأخوية في 18 أكتوبر منذ أن قرر مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقديم «كل أشكال الدعم الممكنة» للسعودية لحماية أمنها وأراضيها ومقدساتها، وتفويض البرلمان في حال طلبت الرياض المساعدة، ولمصر مصلحة مباشرة في الأمر فقناة السويس خسرت نحو 11 مليار دولار منذ بدأت هجمات الحوثيين على الملاحة، وفي 5 أكتوبر اتفقت السعودية وتركيا وباكستان على تفعيل إجراءات الردع المنصوص عليها في اتفاق الدفاع المشترك بينها، كما أعلنت الحكومة اليمنية في الأيام نفسها عملية «فجر اليمن» لاستعادة مناطق من الحوثيين بإسناد جوي سعودي، وحذّر الحوثيون القاهرة من أن تدخلها يهدد أمنها واستقرارها. وهكذا تتشكل حلقات ردع حول الحوثيين: (قوات يمنية على الأرض، وسلاح جو سعودي، ودعم مصري دفاعي ينتظر التفويض، واتفاق دفاعي إقليمي يضم تركيا وباكستان)، والهدف من هذه الحلقات أن يصبح استمرار الهجوم أكثر كلفة من التوقف عنه.
القوة التي تهدف إلى الطاولة
الغاية هنا ليست بالضرورة إسقاط الحوثيين، بل إقناعهم بأن التفاوض أرخص عليهم من القتال، وفي الوقائع ما يسند هذا الحساب.
وقد ذكر «والزر» في حواره أن في فلسفة الحرب اتجاهًا حديثًا يسأل: متى يجب أن تتوقف الحرب؟، وهو لا يعني الاستسلام للمعتدي، فوالزر نفسه رفض أن تُجبر أوكرانيا على تنازلات، لأن ذلك يكافئ من بدأ العدوان، لكنه يعني أن لكل ضغط عسكري هدفًا سياسيًا معلنًا ونهاية واضحة، فالضغط الذي لا يعرف إلى أين ينتهي يتحول إلى حرب استنزاف جديدة، وقد عاش اليمن تسع سنوات منها، والمعيار نفسه يسري على الجميع، فقد وثّقت تقارير أممية وحقوقية، طوال سنوات الحرب، أضرارًا أصابت مدنيين من جميع الأطراف، ولن تحمي عدالةُ القضية من يضرب غذاء الناس أو وقودهم أو مياههم في بلد يحتاج أكثر من نصف سكانه إلى مساعدة، وهو ما يفعله الحوثيون.
ميليشيات الإقليم
والحالة اليمنية ليست الوحيدة، ففي أكثر من بلد عربي تحتفظ جماعات مسلحة موالية لإيران بسلاح خارج سلطة الدولة، وتستخدمه ورقة لصالح إيران في صراعات أكبر منها، فالمبدأ الذي يحكم الرد واحد: (الدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم، ولا استقرار حيث يتعدد أصحاب القرار). وقد يقول قائل إن ضعف الدول هو الذي أنتج هذه الجماعات، وهو صحيح، ولذلك لا يكفي الردع وحده، بل لا بد من بناء دول قوية تغني الناس عن الاحتماء بالسلاح.
وقفة: لقد راجع «مايكل والزر» وهو في التسعين، حكمًا أو رأيهُ الذي ظل يدافع عنه نصف قرن حين تغيّرت الوقائع، وهذا أصعب ما يُطلب من صاحب قوة أو صاحب فكر، ليصدق قول عمر بن الخطاب، في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: «ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».