ليست المدن الكبرى في التاريخ تلك التي اتسعت رقعتها، أو كثرت ثرواتها، وإنما تلك التي تجاوز أثرها حدود الجغرافيا، وأصبح إنسانها جزءًا من حركة الوطن، وحاضرًا في ذاكرة الأمة ومستقبلها. ومن هذه المدن تبرز تعز، لا بوصفها محافظة يمنية أنهكتها الحرب فحسب، وإنما باعتبارها مدرسة وطنية صنعت الرجال، وأنجبت الكفاءات، وأسهمت في تشكيل الوعي اليمني الحديث، وامتد حضور أبنائها إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج والعالم العربي.ولعل السؤال الذي تطرحه تجربة تعز اليوم يتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى قضية أكثر عمقًا: كيف استطاعت محافظة محاصرة، أثقلتها سنوات الحرب، أن تحتفظ بإرادتها، وأن تواصل الدفاع عن فكرة الدولة، بينما تتداعى حولها المؤسسات وتضيق سبل الحياة؟الإجابة تبدأ من الإنسان التعزي نفسه؛ ذلك الإنسان الذي جعل من التعليم وسيلة للنهوض، ومن التجارة مجالًا للحضور، ومن الثقافة أداة للتأثير، ومن الصمود موقفًا وطنيًا تتجاوز دلالاته حدود المحافظة.
تعز.. حين تصبح الجغرافيا موقفًا والتاريخ مسؤولية
منذ اندلاع الحرب اليمنية، وجدت تعز نفسها في قلب المواجهة مع جماعة الحوثيين الإرهابية، وتحولت شوارعها ومرتفعاتها إلى ساحات صراع تجاوزت أهدافه السيطرة على الأرض إلى تحديد طبيعة الدولة اليمنية ومستقبل نظامها السياسي.
فالمعركة، في أحد أبعادها الأساسية، تدور بين منطق الدولة القائمة على المؤسسات والمواطنة، ومنطق السلطة التي تفرض نفسها بقوة السلاح. وقد دفعت تعز ثمنًا فادحًا نتيجة الحصار والقصف والنزوح وتراجع الخدمات، لكنها احتفظت بقدرة لافتة على الاستمرار، في المدارس والأسواق والمستشفيات، كما في مواقع الدفاع عن المدينة.
وقد أعادت تطورات أكتوبر 2026، وما صاحبها من تقارير عن التصعيد والمبادرات المجتمعية والنسائية، تسليط الضوء على حقيقة تستحق التأمل: أن مقاومة تعز لم تكن عملًا عسكريًا مجردًا، وإنما تعبير عن مجتمع يرى في بقاء الجمهورية واستعادة مؤسسات الدولة شرطًا لبقائه وكرامته.
ولم تكن هذه الإرادة وليدة الحرب الراهنة؛ فقد امتدت جذورها إلى تاريخ المحافظة في الحركة الوطنية اليمنية، وإسهام أبنائها في التعليم والصحافة والثقافة والعمل السياسي، وفي الدفاع عن الجمهورية ومبادئها.
من كرسي السنة إلى مدرسة اليمن المدنية
ارتبطت تعز في الذاكرة الاجتماعية والدينية بوصفها إحدى حواضر العلم والثقافة السنية في اليمن، حتى شاع وصفها بأنها «كرسي السنة». غير أن قراءة هذه المكانة بمعناها المذهبي وحده تحجب جانبًا مهمًا من حقيقتها؛ فقد عرفت المحافظة تداخلًا بين التعليم الديني والمدني، وبين المحافظة على الموروث والانفتاح على المعرفة والتجارة والعالم.
ومن هذا المناخ خرجت أجيال من المعلمين والأطباء والمهندسين والأكاديميين والإداريين والتجار والمثقفين، انتشروا في مختلف المحافظات اليمنية، وأسهموا في إدارة مؤسسات الدولة واستمرار مرافقها.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الحضور أن تعز لم تحتفظ بكفاءاتها داخل حدودها، وإنما قدمتها لليمن كله. فالمعلم التعزي في مدرسة بعيدة، والطبيب في مستشفى خارج محافظته، والموظف في مؤسسة عامة، جميعهم يمثلون امتدادًا لمدينة أدركت، عبر تجربتها التاريخية، أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر بقاءً.ومن هنا، فإن إنصاف تعز يبدأ بالاعتراف بدورها في صناعة المعرفة، وإعادة بناء مدارسها وجامعتها ومؤسساتها، وإتاحة الفرصة لأجيالها الجديدة كي تنتقل من مواجهة آثار الحرب إلى المشاركة في مشروع النهضة الوطنية.
تعز والمملكة والخليج.. تاريخ من العمل وروابط المصير
لم تكن العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج مجرد علاقة حدود ومصالح سياسية طارئة؛ إنها علاقة صنعتها الجغرافيا، ورسختها التجارة، وعمقتها الهجرة والعمل والمصاهرة والروابط الاجتماعية.
وفي هذا الامتداد التاريخي، كان لأبناء تعز حضور في الأسواق والمهن والأنشطة الاقتصادية والتعليمية، شأنهم شأن أبناء المحافظات اليمنية الأخرى الذين أسهموا، عبر عقود، في بناء جسور التواصل بين اليمن ومحيطه الخليجي.
لقد حمل المغترب التعزي معه خبرته المهنية، وقدرته على العمل والتكيف، وارتبط بالمجتمعات التي عاش فيها بعلاقات تجاوزت حسابات المنفعة المباشرة إلى الثقة والتواصل الإنساني.
وهذه الروابط تمنح الحديث عن تعز في الوجدان السعودي والخليجي معنى خاصًا، أساسه الإنسان الذي عرفته المجتمعات من خلال عمله وسلوكه ومساهمته، بعيدًا عن ضجيج السياسة وتعقيدات الصراع.
وإذا كانت الحرب قد أضعفت الاقتصاد اليمني، فإن إعادة فتح الطرق وتنشيط التجارة وتأهيل البنية التحتية وتوفير فرص الاستثمار تستطيع أن تعيد لتعز دورها الاقتصادي، وأن تجعل من خبرات أبنائها في الداخل والاغتراب رصيدًا لمرحلة التعافي.
وهنا تبرز حقيقة سياسية واقتصادية مهمة: أن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا منفصلًا عن محيطه، وإنما مصلحة سعودية وخليجية وعربية، تتصل بأمن الجزيرة العربية، واستقرار البحر الأحمر وباب المندب، وسلامة التجارة والملاحة، ومستقبل العلاقات بين شعوب المنطقة.
صمود تعز.. إرادة المجتمع ومسؤولية الدولة
من الخطأ قراءة صمود تعز باعتباره حصيلة السلاح وحده، أو اختزاله في الدعم الخارجي وموازين القوى الإقليمية؛ فالتجربة تكشف عن مجتمع شاركت فئاته المختلفة في تحمل أعباء الدفاع والاستمرار.
هناك المقاتل الذي يتمسك بموقعه، والأم التي تتحمل قسوة الغياب، والطبيب الذي يعمل رغم شح الإمكانات، والمعلم الذي يواصل رسالته رغم انقطاع الرواتب، والتاجر الذي يسهم في إسناد مجتمعه، والمرأة التي تنظم مبادرات الإغاثة والتكافل.
وقد أبرزت التغطيات الإعلامية في أكتوبر 2026 جانبًا من مشاركة النساء في المبادرات المجتمعية لدعم المدافعين عن المدينة، وهي صورة تكشف أن المجتمع التعزي لا يزال يمتلك طاقة إنسانية وتنظيمية قادرة على تجاوز ظروفه القاسية.
غير أن الاعتراف بهذا الصمود يفرض مسؤولية مقابلة؛ فلا يجوز أن تتحول قدرة الناس على الاحتمال إلى مبرر لاستمرار معاناتهم، ولا أن تصبح تضحياتهم بديلًا عن واجب الدولة ومحيطها العربي في حماية المدنيين، وفتح الطرق، وتأمين الخدمات، واستعادة مؤسسات الحياة.فالأوطان لا تُبنى على استمرار التضحية إلى ما لا نهاية، وإنما على تحويل التضحيات إلى أمن وقانون ومؤسسات تحفظ للإنسان حقه في الحياة الكريمة.
تعز ومستقبل الدولة اليمنية
إذا كان تاريخ تعز يمنحها مكانة معتبرة في تشكيل الوعي الوطني، فإن مستقبلها يضع أمامها مسؤولية أكبر: أن تحول رصيدها البشري والثقافي إلى قوة مؤسسية تسهم في بناء اليمن الحديث.وليس المقصود أن تتقدم محافظة على أخرى، أو أن تحتكر منطقة حق التعبير عن الهوية الوطنية؛ فاليمن لا يستقيم إلا بجميع أبنائه، ولا تقوم دولته إلا على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وسيادة القانون، ووحدة المؤسسات.لكن تعز تمتلك من الخبرة التعليمية والتجارية والثقافية، ومن انتشار كفاءاتها داخل اليمن وخارجه، ما يؤهلها لأن تكون أحد الأعمدة المهمة في إعادة البناء.
والمطلوب اليوم أن ينتقل هذا الرصيد من دائرة الاعتزاز بالماضي إلى دائرة الفعل المنظم؛ في التعليم والإدارة والإنتاج، وفي بناء مؤسسات مهنية مستقلة، وفي ترسيخ ثقافة سياسية تجعل الدولة أكبر من الجماعات، والوطن أوسع من المصالح الضيقة.
فالجمهورية التي دافع عنها اليمنيون لا تكتمل باستعادة مؤسساتها الشكلية وحدها، وإنما بإقامة نظام يحمي الحقوق، ويضمن العدالة، ويضع السلاح تحت سلطة الدولة، ويفتح أبواب المشاركة والكفاءة أمام الجميع وهو ما ترفضه ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران.
رسالة إلى الرياض وعواصم الخليج والعالم العربي
إن تعز، بما تحملته من أعباء وما تمتلكه من إمكانات، تستحق أن تُقرأ في الوعي العربي خارج الصورة التي فرضتها نشرات الحرب.
فخلف الدمار مجتمع متعلم، وخلف الحصار خبرات اقتصادية ومهنية، وخلف مشاهد المواجهة أجيال تبحث عن مستقبل يليق بتضحياتها.
ومن هنا، فإن الموقف العربي الذي تحتاجه تعز ينبغي أن يتجاوز التعاطف إلى مسارات عملية، تبدأ بحماية المدنيين وتيسير وصول المساعدات وفتح الطرق، وتمتد إلى دعم التعليم والمنح والتأهيل المهني، وإعادة تأهيل المؤسسات، وتشجيع المشروعات الصغيرة والاستثمار المنتج، والاستفادة من الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج، إلى جانب إنهاء التنظيم الإرهابي للحوثيين وفك حصاره لتعز.
كما أن الحفاظ على الذاكرة الثقافية والإنسانية لتعز يمثل مسؤولية لا تقل أهمية؛ فهذه المحافظة التي قدمت لليمن معلمين ومثقفين وتجارًا ورجال دولة تستحق أن يبقى تاريخها حاضرًا إلى جانب تضحياتها، وأن تُروى حكايتها بوصفها جزءًا من التاريخ الوطني الجامع.وللمملكة العربية السعودية ودول الخليج، بما يجمعها باليمن من مصالح وروابط إنسانية وتاريخية، دور مهم في مساندة جهود التعافي والاستقرار، على أساس احترام سيادة اليمن ووحدة مؤسساته والقضاء على الانقلابيين، وتوفير الظروف التي تسمح لطاقاته البشرية بأن تتحول إلى قوة بناء وإنتاج.فالدعم الأكثر أثرًا هو ذلك الذي يساعد الإنسان على استعادة قدرته على العمل، ويساعد الدولة على استعادة مسؤوليتها تجاه مواطنيها.
تعز.. الإنسان الذي يبقى حين تتغير خرائط الصراع
ستتغير موازين القوى، وقد تتبدل التحالفات وحسابات السياسة، لكن ما قدمته تعز إلى اليمن من علم وعمل وثقافة وتضحيات سيبقى جزءًا من رصيد الوطن وذاكرته.
وإذا كان الحوثيون قد أغلقوا الطرق إلى المدينة، فإنهم لم يستطيعوا إغلاق حضورها في المدارس والجامعات والأسواق، ولا قطع صلات أبنائها بالمملكة والخليج والعالم العربي.
ذلك أن المدن التي تصنع الرجال لا تنتهي بانتهاء قدرتها على الحركة، والمدن التي تحتفظ بإرادة الحياة تظل قادرة على استعادة دورها مهما اشتدت المحن.
إن تعز ليست بديلًا عن اليمن، لكنها أحد أعمدته؛ وليست وحدها صاحبة المستقبل، لكنها شريك أصيل في صناعته.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الرياض وعواصم الخليج والعالم العربي هي أن الاستثمار في الإنسان اليمني، ومنه الإنسان التعزي، يمثل استثمارًا في أمن المنطقة واستقرارها ونهضتها.وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لتعز لا تقاس بطول سنوات صمودها وحدها، وإنما بقدرتها، مع سائر اليمنيين، على تحويل هذا الصمود إلى دولة، والتضحية إلى عدالة، والمعرفة إلى إنتاج، والذاكرة الوطنية إلى مستقبل وهو ما يعني القضاء على حظر السلاح لدى الحوثيين.
فاليمن الذي أنجب هذه الطاقات جدير بأن يستعيد دولته، وتعز التي ساهمت في صناعة تاريخه جديرة بأن تشارك في بناء غده.
** **
- د. علي غانم أحمد الشيباني