صبحي شبانة
ثمة مفارقة تختصر جانبًا كبيرًا من المأساة اليمنية، شعبٌ أنهكته سنوات الحرب التي فجّرتها أقلية حوثية إرهابية بانقلابها المسلح على السلطة الشرعية في صنعاء، وفرضت إرادتها بالقوة، وصادرت مؤسسات الدولة وقرارها، ثم مضت في سياساتها التي دفعت اليمنيين إلى دوامة من الصراع والفقر والتشرد، فيما تفتح المملكة العربية السعودية أبوابها أمام ملايين اليمنيين، وتمنحهم فرص العمل والاستقرار وكسب الرزق، في الوقت الذي تواصل فيه الميليشيا الحوثية تهديد أمن المملكة بالاعتداءات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، إنها مفارقة تتجاوز كل أعراف الجوار، ومبادئ الأديان، وروابط العروبة، وقيم الوفاء والإخاء وردّ الجميل، لتكشف عن تناقض صارخ بين مملكةٍ تمدّ يدها إلى الشعب اليمني، وتفتح أمام أبنائه أبواب العمل والحياة الكريمة، وجماعةٍ حوثية منبوذة يمنيًا وعربيًا ودوليًا لا تتورع عن تهديد أمنها واستهداف استقرارها، وهنا يتجاوز السؤال حدود السياسة إلى جوهر المسؤولية الوطنية والأخلاقية إذ كيف يمكن لمن يزعم تمثيل شعبٍ أنهكته الحروب أن يواصل جرّه إلى مزيد من المآسي، وأن يوجّه سلاحه نحو دولةٍ تحتضن أبناءه وتمنحهم فرص الحياة؟، إن الفارق واضح بين مشروعٍ يبني الدولة ويحمي الإنسان، وآخر يصادر الدولة باسم الشعارات، ويستبيح إرادة الشعب باسم القوة، حتى يصبح السلاح غايةً في ذاته، ويغدو الوطن رهينةً لمغامرات لا يدفع ثمنها إلا أبناؤه.
ما الذي يجنيه اليمن من تهديد المملكة العربية السعودية، وماذا تضيف هذه الاعتداءات إلى حياة المواطن اليمني الذي ينتظر راتبًا يكفي أسرته، أو دواءً يخفف ألم مريض، أو مدرسة تمنح أبناءه فرصة لمستقبل أفضل؟، وأي مصلحة وطنية يمكن أن تتحقق حين يصبح أمن الجار هدفًا للتصعيد، بدلًا من أن يكون أساسًا للتعاون والاستقرار؟، هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، ولا محاولة لتبسيط أزمة شديدة التعقيد، بل هي مدخل ضروري لفهم مأزق جماعة الحوثي، التي تضع اليمن أمام معادلة قاسية، إما أن يتقدم منطق الدولة ومصالح المجتمع، وإما أن يستمر منطق السلاح وما يفرضه من حسابات تتجاوز احتياجات اليمنيين وتطلعاتهم، لقد أثبتت التجربة أن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك مشروع وطني، وأن القدرة على تهديد الخصوم لا تعني القدرة على بناء دولة، وأن التصعيد العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى إنجاز سياسي، فالدولة لا تُقاس بما تمتلكه من صواريخ وطائرات مسيّرة فحسب، بل بقدرتها على حماية مواطنيها، وتأمين احتياجاتهم، وإدارة خلافاتهم، وتوفير الخدمات الأساسية لهم، وصون استقلال قرارها، أما حين تتحول القوة المسلحة إلى سلطة موازية، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتفرض خياراتها على المجتمع، فإنها تضعف الدولة حتى لو رفعت اسمها، وتستنزف الوطن حتى لو تحدثت باسم مصالحه.
تتجلى المعضلة الجوهرية في التجربة الحوثية في أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي داخل اليمن يمكن تسويته بالحوار وتبادل التنازلات، بل أصبحت أزمة دولةٍ تُنازَع في سلطتها، وشعبٍ تُصادَر إرادته، وسلاحٍ يُراد له أن يبقى فوق القانون ومؤسسات الدول، فحين تحتفظ ميليشيا مسلحة بحق منفرد في تقرير الحرب والسلم، وتنفرد بقرار التصعيد، وتعرّض أمن دولة مجاورة للخطر، فإنها لا تضع اليمن وحده أمام عواقب خياراتها، بل تجرّ شعبه بأكمله إلى دائرة من المخاطر والمعاناة التي لا يملك قرارها ولا يستطيع التحكم في مآلاتها، وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح لا يحتمل الالتباس: من يملك حق تقرير مصير اليمنيين، ومن خوّل ميليشيا مارقة مأفونة أن تختزل إرادة شعبٍ كامل في قرارها، وأن تحتكر السلاح خارج سلطة الدولة، ثم تترك للمواطنين دفع فاتورة الحرب من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم؟، فالدولة لا تقوم بازدواجية السلطة، ولا تستقيم السيادة حين يصبح قرار الحرب رهينة ميليشيا، ولا يمكن بناء سلام مستدام ما دام السلاح هو الذي يفرض الإرادة، بدلًا من أن يخضع للقانون وتكون مصلحة الشعب هي المرجعية العليا لكل قرار، إن أمن المملكة العربية السعودية ليس تفصيلًا في صراع اليمن، ولا ورقة قابلة للمساومة في حسابات أي جماعة مسلحة، فالمملكة دولة كبرى ذات سيادة، ومن حقها حماية أراضيها ومواطنيها ومقدراتها من أي تهديد، كما أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وتعريض أمن المجتمعات للخطر، لا يمكن تبريره بشعارات سياسية أو ادعاءات أيديولوجية، ولا تستطيع أي جهة أن تطالب الآخرين باحترام خياراتها، فيما تتعامل مع أمن جيرانها باعتباره ساحة مفتوحة للتهديد والتصعيد.
لقد تعرضت المملكة لاعتداءات حوثية متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تطورات كشفت أن خطر الميليشيات المسلحة لا يتوقف عند حدود الدولة التي تنشط فيها، فالتهديد الذي ينطلق من اليمن لا يظل شأنًا يمنيًا داخليًا، بل يمتد إلى أمن المملكة، واستقرار المنطقة، وحركة التجارة والملاحة، والمصالح الاقتصادية التي تتجاوز البلدين، وكلما اتسعت دائرة التصعيد، تقلصت فرص بناء الثقة، وأصبح الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة أكثر صعوبة، لأن السلام لا يمكن أن يستقر في ظل احتفاظ طرف مسلح بحق إعادة إشعال المواجهة متى شاء، وليس من الحكمة التعامل مع هذه الاعتداءات بوصفها أحداثًا منفصلة عن المشروع السياسي الذي تقف وراءه، إذ إن خطورتها تكمن في تحويل السلاح إلى وسيلة دائمة للتأثير في علاقات اليمن بمحيطه، وفي جعل التهديد عنصرًا حاضرًا في كل محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، فالدول تستطيع أن تختلف، وأن تتفاوض، وأن تتباين مصالحها، لكنها تحتاج إلى حد أدنى من الثقة يقوم على احترام السيادة والامتناع عن الاعتداء، أما حين يصبح التهديد وسيلة لإثبات النفوذ، فإن المنطقة تدخل في دائرة استنزاف لا تنتهي، ويجد المواطن نفسه يدفع ثمن قرارات لا يملك المشاركة في صنعها.
وفي صميم هذه المفارقة تتجلى حقيقة إنسانية وسياسية بالغة الدلالة تستحق التوقف أمامها طويلًا، فالمملكة العربية السعودية تحتضن ملايين اليمنيين الذين يعملون على أرضها، ويعيلون أسرهم، ويرسلون الأموال إلى ذويهم، ويجدون في الاستقرار الذي توفره لهم فرصة لمواصلة الحياة رغم الأوضاع الصعبة التي تمر بها بلادهم، هؤلاء ليسوا مسؤولين عن خيارات ميليشيا الحوثي، ولا يجوز الخلط بين الشعب اليمني وبين الحوثي الذي يفرض سلطته المسلحة على أجزاء من بلاده، فاليمنيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختزال مجتمع كامل في قرارات قلة مسلحة أو في خطاب تعبوي يتحدث باسمه من دون أن يمنحه حق الاختيار الحقيقي، وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة في العلاقات السعودية اليمنية، التي لم تصنعها التطورات السياسية الراهنة، بل نسجتها الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية والمصالح الاقتصادية على امتداد عقود طويلة، فالمملكة واليمن جاران لا يستطيع أحدهما تجاهل الآخر، ولا يمكن لأي ترتيبات أمنية أو سياسية أن تلغي حقيقة أن استقرار اليمن مصلحة سعودية، وأن أمن المملكة مصلحة يمنية أيضًا، وحين تتعرض المملكة للتهديد، فإن الضرر لا يقف عند حدودها، بل يمتد إلى فرص اليمنيين في العمل والتجارة والتنمية، وإلى مستقبل علاقاتهم مع محيطهم العربي.
إن الفصل بين الشعب اليمني وجماعة الحوثي ليس مجرد موقف أخلاقي تتبناه المملكة العربية السعودية، بل هو ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة الصراع ومقتضيات الحفاظ على الروابط التاريخية بين الشعبين فالقلة الميليشياوية التي تحتكر السلاح وتفرض إرادتها بالقوة قد تحاول تصوير المواجهة مع مشروعها السياسي والعسكري وكأنها مواجهة مع اليمن كله، في محاولة لمصادرة صوت اليمنيين واختزال إرادتهم في إرادتها، غير أن هذا الخلط يلحق الضرر باليمنيين أنفسهم، حين يضعهم في مواجهة محيطهم العربي، ويهدد بتبديد جسور الثقة والتضامن التي يحتاجون إليها أكثر من أي وقت مضى، ويجعل مستقبلهم رهينة صراع لا يملكون وحدهم قرار إشعاله أو القدرة على إنهاء تداعياته، إن حق اليمنيين في الكرامة والحياة الآمنة لا يتعارض مع حق المملكة في حماية أمنها، كما أن مواجهة التهديد الحوثي لا تستلزم معاداة اليمنيين أو تحميلهم مسؤولية ما ترتكبه الميليشيا الحوثية الإرهابية، بل إن الحفاظ على هذه التفرقة يفتح الطريق أمام مستقبل يمكن أن تعود فيه العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي، بعيدًا عن منطق العقاب الجماعي والتعبئة المتبادلة.
وتبرز الإجراءات السعودية المتعلقة بتصحيح أوضاع المقيمين اليمنيين بوصفها شاهدًا مهمًا على حرص المملكة على الفصل بين الشعب اليمني وجماعة الحوثي، وعدم إخضاع المصالح الإنسانية والمعيشية لاعتبارات الصراع. فالتوجيهات الملكية الهادفة إلى تسوية أوضاع الفئات المشمولة بها، وفق الضوابط المعلنة، تتيح لليمنيين المعنيين فرصًا أكبر للاستقرار ومواصلة العمل بصورة نظامية، وتؤكد أن حماية الأمن الوطني لا تتعارض مع مراعاة الأبعاد الإنسانية، بل إن الدولة الراسخة هي التي تستطيع الجمع بين مقتضيات الأمن واعتبارات الإنصاف. وهذه رسالة تتجاوز بعدها الإداري؛ فالدول القوية لا تُقاس قدرتها على حماية أمنها بفاعلية الردع وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على التمييز بين من يشكل تهديدًا يتعين التصدي له، وبين الإنسان الذي لا يجوز أن يتحمل تبعات صراع لم يكن قراره بيده، ويستحق أن تُصان كرامته وأن تتاح له فرصة عادلة للعمل والحياة، ولعل هذه المفارقة هي ما ينبغي أن تدفع ميليشيا الحوثي إلى مراجعة حساباتها، فكيف يمكن لقلة مارقة تدعي الدفاع عن مصالح اليمنيين أن تتجاهل مصالح الملايين منهم الذين ترتبط حياتهم اليومية بالعمل والاستقرار في المملكة؟، وكيف يمكن أن يكون تهديد السعودية طريقًا إلى تحسين حياة اليمنيين، بينما تمثل العلاقة المستقرة معها فرصة حقيقية للتجارة والتنمية وتوفير فرص العمل وإعادة بناء الاقتصاد؟، إن السياسة التي تتجاهل المصالح الملموسة للناس لحساب اعتبارات أيديولوجية أو حسابات إقليمية ضيقة، تنتهي غالبًا إلى تحميل المجتمع أثمانًا تفوق قدرته على الاحتمال.
ولا يعني ذلك أن الأزمة اليمنية يمكن حلها بمجرد وقف الاعتداءات أو أن الطريق إلى السلام خالٍ من التعقيدات، فقد أضعفت سنوات الحرب مؤسسات الدولة اليمنية، وعمقت الانقسامات، وأنتجت شبكات من المصالح المرتبطة باستمرار الصراع، كما جعلت استعادة الثقة بين الأطراف أكثر صعوبة، ولذلك فإن الحل يحتاج إلى مسار سياسي جاد يعيد الاعتبار للمؤسسات الشرعية، ويضمن مشاركة اليمنيين في تقرير مستقبلهم، ويضع ترتيبات واضحة للأمن والسلاح، ويمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد الجيران أو استهداف المصالح الإقليمية والدولية، لكن أي تسوية لن تكون مستدامة إذا اكتفت بإدارة الأزمة بدلًا من معالجة أسبابها، فالتهدئة التي تترك قرار التصعيد في يد جماعة مسلحة تظل معرضة للانهيار، والاتفاق الذي لا يعيد للدولة مسؤوليتها عن الأمن والسيادة يظل اتفاقًا هشًا، مهما بدا ناجحًا في لحظة توقيعه، والمطلوب ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل بناء واقع سياسي وأمني يسمح لليمنيين باستعادة حياتهم، وللمملكة بالاطمئنان إلى أن حدودها لن تبقى معرضة لتهديدات متكررة، وللمنطقة بأن اليمن يمكن أن يتحول من مصدر للقلق إلى شريك في الاستقرار والتنمية.
وتتحمل المملكة في هذا المسار مسؤولية ترتبط بمكانتها وقدراتها وعلاقاتها التاريخية باليمن، وهي مسؤولية لا تنفصل عن حقها الثابت في الدفاع عن أمنها، فدعم الاستقرار اليمني لا يعني التساهل مع الاعتداءات، كما أن الردع لا يتعارض مع دعم التسوية السياسية، بل إن النهج الإستراتيجي الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين حماية الحدود، ورفض التهديد، ومساندة المؤسسات الشرعية، ودعم الجهود التي تمنح اليمنيين فرصة للخروج من الحرب، فالقوة التي تحمي الأمن ينبغي أن تفتح الطريق أمام السلام، لا أن تتحول المواجهة إلى غاية في ذاتها، ومن المهم كذلك أن يدرك الحوثيون أن أمن المملكة لا يمكن أن يكون ثمنًا لأي تسوية، بل سيعمق الشكوك بشأن أهليتهم لممارسة العمل السياسي بوصفهم طرفًا مسؤولًا، فالعمل السياسي يقتضي احترام سيادة الآخرين، والقبول بأن العلاقات بين الدول لا تُدار بالصواريخ، وأن القوة لا تمنح صاحبها حق فرض إرادته على الشعوب، وإذا كان للميليشيا أن تصبح جزءًا من مستقبل اليمن، فإن ذلك يمر عبر الانخراط في مسار سياسي يمني جامع، واحترام مؤسسات الدولة، والتخلي عن استخدام السلاح وسيلة لاحتكار القرار، أما إيران التي ارتبطت بها جماعة الحوثي في جوانب سياسية وعسكرية، فإن مسؤوليتها الإقليمية تقتضي الإسهام في خفض التصعيد، واحترام سيادة الدول، وعدم تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات أو توسيع النفوذ، فالعلاقات الإقليمية المستقرة لا تُبنى على إضعاف الدول من الداخل أو على دعم قوى مسلحة تنازعها قرارها، بل على المصالح المتبادلة والاحترام وعدم التدخل، وأي حديث عن مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة سيظل ناقصًا ما لم يترافق مع معالجة مصادر التوتر التي تسمح باستمرار التهديدات العابرة للحدود.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الحروب التي تستنزف موارده وتبدد فرص أجياله، بل إلى دولة تستطيع أن تحمي مواطنيها، وتعيد بناء مؤسساتها، وتستثمر موقعها الجغرافي في التنمية والتجارة والتعاون، كما أن المملكة لا تحتاج إلى جبهة مفتوحة على حدودها الجنوبية، بل إلى جار مستقر يشاركها مصالح الأمن والتنمية، ويكون قادرًا على منع استخدام أراضيه في الاعتداء عليها، وهذه ليست أمنيات متناقضة، بل مصالح يمكن أن تلتقي إذا تقدمت إرادة السلام على حسابات التصعيد، وعاد القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة بدلًا من بقائه رهينة السلاح، في النهاية لا ينبغي أن يكون السؤال من يملك الصاروخ الأبعد مدى، أو من يستطيع فرض شروطه في جولة تفاوض، بل ماذا بقي لليمنيين بعد سنوات الحرب، وما الذي أضافته الاعتداءات الحوثية إلى مستقبلهم، وأي طريق يمكن أن يقودهم إلى حياة أكثر أمنًا وكرامة؟، فالأوطان لا تُبنى بالتهديد، والسيادة لا تكتمل بوجود سلطات مسلحة تنازع الدولة قرارها، والسلام لا يولد من إبقاء الجيران في حالة استنفار دائم.
إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية واليمن أرسخ من أن تنال منها ميليشيا مسلحة تغتصب السلطة، وأعمق من أن تختزلها في خطاب العداء أو تمحوها سنوات الصراع، وستبقى مصلحة الشعبين في استقرار متبادل يتيح لليمن استعادة دولته، وللمملكة حماية أمنها، وللحدود أن تتحول من خط للمواجهة إلى مساحة للتعاون، وبين حق السعودية في الدفاع عن أمنها وحق اليمنيين في استعادة وطنهم، لا يوجد تعارض حقيقي، بل مصلحة مشتركة لا يمكن تحقيقها إلا بإنهاء منطق السلاح المنفلت، وإعادة الاعتبار للدولة، وتحرير مستقبل الأجيال من حسابات الصراع ومغامرات السلاح، التي يتخذ قراراتها قادة لا يتحملون وحدهم عواقبها، بينما يدفع المواطنون ثمنها من أمنهم وأرزاقهم وفرص أبنائهم في حياة مستقرة، فالحروب قد تبدأ بقرار تتخذه قيادة، لكنها تترك جراحها في حياة الملايين، وتبدد سنوات من أعمارهم، وتسرق من الأجيال القادمة حقها في وطن آمن ومستقبل لا ترتهن ملامحه لإرادة السلاح، إن استعادة الدولة ليست مجرد استعادة لمؤسسات وسلطات، بل هي استعادة لحق الإنسان في أن يعيش بكرامة وأمان، وأن يكون مستقبل وطنه ثمرة إرادته الوطنية الحرة، لا رهينة حسابات لا يملك قرارها ولا يختار عواقبها.