جوزا الضويحي
حين يصل خبر تقاعد معلمة، قد يبدو خبرًا عابرًا، لكنه لا يكون كذلك دائمًا. فبعض الأسماء ترتبط بسنوات من الذكريات والمواقف، وتبقى حاضرة حتى بعد مغادرة المدرسة.
هناك أشخاص تنتهي علاقتنا بهم بانتهاء المكان، بينما يجعلنا آخرون ندرك أن بعض العلاقات لم تكن مرتبطة بالمكان أصلًا. ولعل أجمل ما في مهنة التعليم أنها لا تنتهي تمامًا عند مغادرة المدرسة؛ فقد تتغير الفصول، وتتبدل الوجوه، وينتهي الدوام، لكن ما يزرعه الإنسان في نفوس طلابه وأسرهم يبقى حاضرًا بطرق لا يمكن قياسها.
كانت موضي الوهبي واحدة من تلك الأسماء التي تركت حضورًا جميلًا في سنوات شوق الدراسية. فمنذ سنواتها الأولى في المرحلة الابتدائية، كانت داعمة لها ولزميلاتها، حاضرة بالاهتمام والمساندة، وكان لوجودها أثر واضح في مرحلة مهمة من حياتهن.
فدور المعلمة لا يقف عند حدود ما تقدمه من علم داخل الفصل، بل يمتد إلى ما تمنحه لطالباتها من اهتمام ومساندة، وما تسهم به في بناء ثقتهن بأنفسهن. وقد تكون بعض المواقف بسيطة في نظر المعلمة، لكنها تعني الكثير للطالبة، وتترك أثرًا يتجاوز حدود المدرسة.
تتضح قيمة هذه الرسالة حين نتأمل مكانة العلم والتعليم في الإسلام؛ فقد رفع الله قدر أهل العلم، فقال سبحانه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11]. فالتعليم ليس نقلًا للمعرفة فحسب، بل رسالة تسهم في بناء الإنسان، وتنمية وعيه، وتعزيز ثقته بنفسه، وهي رسالة تتجاوز حدود الفصل وسنوات العمل.
كبرت ابنتي شوق مع مرور الأعوام وتغيّرت صفوفها، حتى وصلت إلى عامها الأخير في المرحلة الابتدائية. وبينما تقترب هي من نهاية مرحلة دراسية، تبدأ موضي بدورها مرحلة جديدة بعد سنوات من العطاء، لكن أثر السنوات التي جمعتهما يبقى حاضرًا.
لم يحمل خبر التقاعد شعورًا واحدًا؛ فقد اجتمعت فيه فرحة بمرحلة جديدة تستحق فيها موضي الراحة، مع شيء من الحنين إلى مرحلة كان لها فيها حضور مميز.
التقاعد ليس نهاية للعطاء بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة جديدة، ينظر فيها الإنسان إلى سنواته الماضية، ويرى أن قيمتها لا تُقاس بعدد السنوات أو المهام التي أنجزها فحسب، بل بما تركه من خير في حياة الآخرين، وبما احتفظوا به من مواقف طيبة.
موضي، شكرًا على سنوات العطاء، وعلى كل موقف جعلتِ فيه طالبة تشعر أنها مهمة، وأن هناك من يقف إلى جانبها، وعلى كل اهتمام ظلّ أثره حاضرًا حتى بعد انتهاء الرحلة الدراسية.
مبارك لكِ التقاعد، ولتكن المرحلة القادمة بداية لأيام أكثر هدوءًا وراحة، وحياة تحمل لكِ من الجمال بقدر ما تركتِ من خير.
بعض المعلمات يتقاعدن من المدرسة، لكنهن لا يتقاعدن من الوجدان؛ فالأماكن تتغير، والمراحل تنتهي، لكن ما يتركه الإنسان في قلوب الآخرين يبقى.