نجلاء العتيبي
يُخطئ من يظنُّ أن رخاء السعودي قد أضعف بأسه، أو أن سعة رزقه أخذت من صلابته، يستوقفه ما ينعمُ به من مسكن مريح، وسفر، وخدمات متقدمة، فيجعل مظاهر معيشته مقياسًا لقوة نفسه، وتغيب عنه حقيقةٌ بسيطةٌ: أن يستمتع الإنسان بالراحة لا يعني أن المشقة تغلبُهُ، وأن تتيسَّر له الحياة لا يعني أنه فقد القدرة على احتمالها.
نحمد اللهَ على خيرٍ نعيشه في المملكة العربية السعودية، ونعتزُّ بما أتاحه لنا من حياةٍ كريمةٍ، ومن حق السعودي أن ينعَمَ بخير بلاده، ويطلبَ لأسرته عيشًا أوسع، ويأخذ بنصيبه مما تحقَّق من تقدُّم؛ فالنعمة تستحقُّ الشكر وحسن الانتفاع بها، وليس من الإنصاف أن تتحوَّل في نظر الآخرين إلى تهمةٍ بالضعف، أو حُجةٍ على أن أهلها أقل جَلَدًا.
لقد عاش أجدادنا في الصحراء، وعرفوا قسوة الحر، وقلَّة الماء، وطول المسافات في طلب الرزق؛ فاكتفى بعضهم بالتمر والماء، وقَضَوا أيامهم في أعمالٍ تستنفد الجهد، وتحتاج إلى صبر وحُسن تدبير، وسَعَوا ليكفوا أسرهم، ورَجَوا لأبنائهم حياة تخفُّ فيها تلك الأعباء، وفيما ننعم به اليوم شيء مما تمنوه لنا؛ فلا معنى لأن نجعل تحقُّق أمنياتهم دليلًا على انقطاعنا عن طباعهم.
وبين معيشتهم ومعيشتنا تغيَّرت وسائل كثيرة، وبقي أثرُ تربيتهم في البيوت، عرفنا آباءً وأمهاتٍ يُقدّرون العمل، ويتحمَّلون مسؤولياتهم، ويأنفون الاتكال على غيرهم فيما يستطيعون إنجازه بأنفسهم، تعلَّمْنا منهم أن الراحة تأتي بعد أداء ما علينا، وأن توفُّر المال لا يُعفي من السعي، وأن التعب جزءٌ مألوفٌ من كل غاية تستحقُّ الوصول إليها، بهذه التربية انتقلت الصلابة إلينا دون حاجة إلى تكرار ظروفهم بكل قسوتها.
وفي يومنا المعتاد شواهدُ كافيةٌ على ذلك؛ فالسعودي الذي يستمتع بإجازته هو نفسه الذي يلتزم بمناوبة طويلة، والذي يختار أطيب الطعام قد يعمل ساعاتٍ تحت الشمس، ومن يحرص على راحة بيته يعرف كيف يُنجز عملًا مرهقًا يتطلَّب الدقة والمثابرة، تجتمع هذه الصفات في الإنسان ذاته؛ يحب الراحة ويؤدي واجبه، ويعرف قيمة المال ويبذل جهده لتحصيله.
وحتى المترف فينا لا يصحُّ أن يُحكَم على قدرته من مظهره؛ فالثوب الذي يلبسه، والسيارة التي يقودها، والمكان الذي يقضي فيه إجازته تُخبرنا عما يختاره حين تتسع له الخيارات، أما عزيمته فتظهر في عمله، واستمراره، وما يحمله من مسؤولياتٍ؛ فكم من رجلٍ تيسَّرت له أسباب العيش، ومع ذلك يبدأ يومه مبكرًا، ويتابع شؤونه بنفسه، ويحرص على أن يعرف أبناؤه قيمة الجهد الذي وراء النعمة.
لقد تبدَّلت أحوال العيش، واتَّسعت أبواب الرزق، وأصبحت أعمال كثيرة أيسر مما عرفه الأجداد، وهذا فضل نحمد الله عليه، وتقدُّم نسعد به. أما السعودي فما زال يجدُ في العمل ما يستحقُّ التعب، وفي المسؤولية ما يستدعي الحزم، وفي نفسه قدرةً لا تقيسها درجة الراحة من حوله، نعيش الرخاء شاكرين، ونحمل بأسنا في طباعنا وأفعالنا؛ فما أخذته وسائل الراحة من عناء يومنا لم يأخذ من شدة نفوسنا.
ضوء
«السعودي سليلُ بأسٍ أصيل؛ اتَّسعت له الدنيا بفضل الله، فطابتْ معيشته، وبقيت عزيمته أكبر من أن يقيسها مظهرُ رخائِهِ».