د.عبدالله الفايز
ومن الأمثلة التي تستحق المقارنة أيضاً قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية بين آسيا وأوروبا. وهو ما يصعب على السكك الحديدية تعويضه من حيث الحجم والتكلفة الإجمالية. لكن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وما يرتبط بها من مخاطر أمنية أو تغيير لمسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح أظهرت أن الاعتماد على ممر واحد أو عدد محدود من الممرات قد يعرّض التجارة العالمية لتأخيرات وتكاليف إضافية.
وتكمن الميزة المحتملة للمملكة في قدرتها على الجمع بين مسارين تجاريين مختلفين: مسار بحري يستفيد من موانئ البحر الأحمر والخليج العربي، ومسار بري يستفيد من شبكة السكك الحديدية التي يمكن أن تربط شرق المملكة بغربها وشمالها. فإذا وصلت الحاويات إلى ميناء على الخليج، أمكن نقل بعضها بالقطار إلى جدة أو إلى مراكز لوجستية على البحر الأحمر، ثم إعادة توجيهها بحراً أو براً وفق الوجهة والتكلفة والزمن. وبالمثل، يمكن للبضائع القادمة من البحر الأحمر أن تتجه شرقاً إلى المراكز الصناعية والأسواق الخليجية، أو بقطار الشمال نحو الأردن وسوريا وتركيا ثم أوروبا، عندما يصبح الربط الدولي متاحاً. وهذه المرونة في اختيار المسار قد تصبح ميزة اقتصادية مهمة للمملكة. وللمقارنة مع تجربة أخرى، يوضح الممر الأوسط الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز أن الممرات متعددة الوسائط يمكن أن تكتسب أهمية استراتيجية عندما تسعى الدول إلى تنويع طرق التجارة.
أما على المستوى المحلي، فإن جدوى خط الرياض –جدة ينبغي ألا تُهمل أو تُختزل في دوره الدولي. فالربط بين العاصمة والساحل الغربي يخدم حركة السكان والأعمال والسياحة والحجاج والمعتمرين، ويعزز الترابط بين المراكز الاقتصادية الكبرى. كما أن تقليل الاعتماد على السيارات في الرحلات الطويلة يمكن أن يحد من بعض الحوادث واستهلاك الوقود والانبعاثات، وإن كانت المنافع الفعلية تعتمد على عدد الركاب الذين ينتقلون من وسائل النقل الأخرى إلى القطار، ومصدر الطاقة، ومعدل إشغال القطارات. وتزداد أهمية الخط إذا صُمم منذ البداية بطريقة تضمن تكامله مع المطارات والموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، بدلاً من التعامل معه بوصفه خدمة مستقلة للركاب. ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين خط قطار سريع للركاب وبين مشروع الجسر البري للشحن. فالأول يركز على السرعة وتكرار الرحلات وراحة المسافرين، بينما يتطلب الثاني قدرة على حمل الحاويات والأوزان الثقيلة، ومحطات للشحن والتخزين، وساحات للمناولة، وربطاً مباشراً بالموانئ والمصانع.
وقد يجمع المشروع بين الوظيفتين خدمة الركاب والشحن بكفاءة، أم أن تخصيص مسارات مختلفة سيكون أفضل على المدى الطويل. فنجاح شبكة نقل متكاملة يتطلب أن تُبنى وفق احتياجاتها التشغيلية، لا أن يُفترض أن خطاً واحداً يستطيع أداء جميع الوظائف على النحو الأمثل. ومن الضروري كذلك التعامل بحذر مع التقديرات المتداولة بشأن تكلفة الممر الإقليمي وزمن نقل البضائع إلى أوروبا. فالتقدير البالغ نحو 25 مليار دولار، والحديث عن نقل الشحنات خلال أقل من خمسة أيام، يمثلان تصوراً طموحاً ينبغي اختباره بدراسة مستقلة ومفصلة. فهل يشمل الزمن النقل من ميناء الخليج إلى مركز التوزيع الأوروبي، أم من نقطة محددة إلى نقطة أخرى؟ وهل يشمل التخليص الجمركي والمناولة والانتظار عند الحدود؟ وهل تتوافر خطوط متصلة بالمواصفات التشغيلية اللازمة؟ وما تكلفة نقل الحاوية مقارنة بالنقل البحري، وما حجم الطلب الذي يمكن أن يضمن تشغيل القطارات بصورة منتظمة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة شرط أساسي قبل اعتماد هذه التقديرات أساساً لاتخاذ القرارات الاستثمارية.
ومن خلال دراسة جدوى مختصرة للمشروع ولا تقتصر على إيرادات نقل الركاب أو الشحن داخل المملكة، بل تشمل القيمة الاقتصادية الإضافية التي قد تنشأ إذا تحول الجسر البري السعودي إلى جزء من ممر تجاري دولي. وبتقدير أولي للتكلفة والعائد وبحسب تقرير نشرته MEED في يناير 2026، تبلغ التكلفة التقديرية المعلنة لمشروع الجسر البري السعودي نحو 100 مليار ريال، ويشمل المشروع أكثر من 1,500 كيلومتر من الخطوط الجديدة أو أعمال الربط، من بينها خط الرياض – جدة بطول يقارب 900 كيلومتر. وهذه تكلفة تقديرية للمشروع السعودي، وليست تكلفة الممر الدولي الممتد إلى أوروبا. ولغرض إعداد دراسة جدوى مختصرة، يمكن استخدام السيناريوهات التالية بوصفها إطاراً أولياً للتحليل، لا توقعات مالية معتمدة:
السيناريو نطاق التشغيل مصدر العائد الأساسي التقييم الأولي
الأول: الربط داخل المملكة.. نقل الركاب والبضائع بين المدن والموانئ يُقيّم وفق الطلب المحلي والتكلفة التشغيلية
الثاني: الجسر البري السعودي المتكامل.. نقل الحاويات بين الخليج والبحر الأحمر فرصة لزيادة الاستفادة من الشبكة والموانئ.
الثالث: الربط مع الأردن وسوريا وتركيا.. أجور النقل الدولي والخدمات اللوجستية عائد إضافي محتمل، مشروط باستكمال الربط.
الرابع: ممر متصل بالأسواق الأوروبية.. الشحن العابر للقارات والخدمات المرتبطة به فرصة إستراتيجية، مع مخاطر طلب وتشغيل وجغرافيا سياسية أعلى.
وبإجراء مقارنة مرجعية مع ممرات الشحن الدولية، يوضح تحليل للبنك الدولي لممرات النقل بين الصين وأوروبا أن تكلفة نقل الحاوية بالقطار قد تكون أعلى من النقل البحري، لكنها أقل من النقل الجوي، مع توفير وقت ملحوظ مقارنة بالشحن البحري في بعض المسارات. وفي أحد الأمثلة الواردة في التحليل، تراوحت تقديرات النقل البحري بين 1,500 و2,000 دولار للحاوية ذات الأربعين قدماً، مقابل 2,800 إلى 3,200 دولار للممر الحديدي الشمالي، مع اختلاف أزمنة النقل والوجهات. والدرس الاقتصادي للمملكة هو أن الممر الحديدي لا يحتاج إلى الاستحواذ على معظم التجارة البحرية كي يحقق قيمة. فقد يكفي أن يجذب حصة من البضائع التي تكون سرعة وصولها ذات قيمة مرتفعة، مثل قطع الغيار والمنتجات الصناعية والإلكترونيات وبعض الشحنات ذات الحساسية الزمنية. لكن ذلك يتطلب أن تكون تكلفة الخدمة الإجمالية منافسة، وأن يحقق القطار زمناً موثوقاً من نقطة المنشأ إلى الوجهة النهائية، بما في ذلك التخليص الجمركي والمناولة والنقل بين الوسائط.
نخلص إلى أن الجسر البري السعودي قد يحقق قيمة استراتيجية تتجاوز عائد النقل المحلي مع الاحتفاظ بإمكانات التوسع الدولي بوصفها فرصة إضافية تُفعّل كلما اكتملت البنية التحتية والاتفاقات وظهر الطلب التجاري الفعلي. كما يجب أن يتضمن التقييم تكاليف الإنشاء والتشغيل والصيانة، وحجم البضائع المتوقع، وإيرادات النقل، والوفورات في الزمن والطاقة، وفرص العمل، والاستثمارات التي يمكن أن تستقطبها المناطق اللوجستية والصناعية على طول المسار، وإمكانية الاستثمار في الإعلانات داخل القطار وفي المحطات وفي الموقع الإليكتروني. كما ينبغي إجراء تحليل للحساسية يختبر أثر انخفاض الطلب أو ارتفاع تكاليف البناء أو تأخر الربط الدولي أو تغير أسعار النقل البحري. وقد يكون من المفيد أيضاً تطوير نموذج رقمي متكامل للممر، يربط بيانات الموانئ والسكك الحديدية والجمارك والمناطق الصناعية والأسواق المستهدفة، ويتيح مقارنة مسارات الشحن المختلفة وفق التكلفة والزمن والموثوقية والانبعاثات. ويمكن لهذا النموذج أن يساعد صناع القرار على تحديد البضائع الأكثر ملاءمة للنقل بالقطار، ومواقع المراكز اللوجستية، والقدرات المطلوبة في كل مرحلة، والأولويات الاستثمارية التي تحقق أعلى قيمة اقتصادية. كما يمكن استخدامه لتحديث التوقعات باستمرار وفق تغير الطلب والأسواق والظروف الإقليمية، بدلاً من الاعتماد على تقديرات ثابتة قد تفقد دقتها بعد سنوات من بدء التنفيذ.
ولا يقل التنسيق الإقليمي أهمية عن التخطيط الفني. فالممر الذي يعبر عدة دول يحتاج إلى اتفاقات واضحة بشأن التشغيل والرسوم والجمارك والأمن والتأمين والمسؤولية عن الشحنات، فضلاً عن التوافق بين أنظمة الإشارات والاتصالات والمواصفات الفنية. مع ترتيبات تمويل وتشغيل والاستفادة من الإعلانات وتأجير محلات للخدمات في المحطات والإعلانات داخل القطار. إن هذه الرؤية تضع المشروع في سياق أوسع من مجرد إنشاء خط حديدي بين مدينتين. فالمملكة، بحكم موقعها الجغرافي واتساع اقتصادها ووجود موانئها على الخليج العربي والبحر الأحمر، تمتلك فرصة لتطوير شبكة تجمع بين النقل البحري والبري والخدمات اللوجستية والتوزيع الإقليمي. وإذا أُحسن التخطيط لهذه الشبكة، فقد تتجاوز منافعها إيرادات التذاكر ورسوم نقل البضائع، لتشمل جذب الاستثمارات، وتطوير الصناعات والخدمات، وتعزيز الصادرات، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتقوية موقع المملكة في التجارة الدولية. لذلك فإن قطار الرياض – جدة يستحق، لذلك، أن يُنظر إليه من زاويتين متكاملتين: زاوية تنموية محلية تحقق الراحة والكفاءة وتحسن حركة السكان والبضائع داخل المملكة، وزاوية استراتيجية دولية قد تجعل منه جزءاً من ممر يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر، ثم يمتد عبر المشرق العربي وتركيا نحو أوروبا.
والخلاصة أن القيمة الكبرى للمشروع قد لا تكمن فقط في اختصار المسافة بين الرياض وجدة، بل في ما يمكن أن يتيحه هذا الربط من إعادة تنظيم حركة البضائع بين شرق المملكة وغربها وشمالها، وربطها بالممرات الدولية.
وإذا نجحت المملكة في تحويل خطوط السكك الحديدية والموانئ والمراكز اللوجستية إلى منظومة واحدة تعمل بكفاءة، فقد يصبح موقعها الجغرافي ميزة اقتصادية أكثر استثماراً، وتصبح شبكة النقل أداة للتنمية المحلية والتكامل الإقليمي وتعزيز مرونة التجارة العالمية. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس فقط بما تنقله اليوم، بل أيضاً بالفرص التي تتيحها غداً، وبقدرتها على تحويل البنية التحتية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وبافتراض تكلفة إنشاء قدرها 100 مليار ريال، ونقل مليوني حاوية سنوياً، ومتوسط إيراد 2,500 ريال للحاوية، تصبح النتائج التقديرية الأولية كمعدل: إجمالي الإيرادات السنوية: 5.75 مليار ريال. التشغيل والصيانة: 2.875 مليار ريال. الفائض التشغيلي السنوي: 2.875 مليار ريال. العائد التشغيلي على تكلفة المشروع: نحو 2.9%.. فترة الاسترداد الحسابية: نحو 35 سنة. ولكن الإيرادات التي تجنيها الدولة لرفاهية السكان وقاصدي بيت الله وتقليل الحوادث والتلوث وتوفير الوقت والوقود والوفياة والإصابات لها مردود اعلى بكثير وما تجنيه المملكة من مكانة عالمية وسمعة. وبذلك فأن العائد السنوي التقديري قد يصل إلى 7%. ومدة الاسترداد 17 سنة.