إبراهيم أبوهيف
لم تكن الأجيال التي صنعت تاريخ الإعلام السعودي والعربي تنتمي إلى زمن مهني واحد، فقد بدأ بعضها العمل في غرف تحرير كانت فيها الصحيفة تنتظر ساعات حتى تصل إلى القارئ، وجاء بعضها الآخر مع صعود البث الفضائي واتساع الدراسات الجامعية، ثم ظهرت أجيال أصبحت تنتج الأخبار بالصوت والصورة وتنشرها خلال ثوان، وصولًا إلى جيل جديد يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءًا من أدوات العمل اليومية، وبين هذه المراحل امتدت خبرات ومعارف أسهمت في تكوين الصحفيين والباحثين والإعلاميين، وتبرز في هذا السياق تجربتا الأستاذ خالد بن حمد المالك والأستاذ الدكتور محمد بن عبدالعزيز الحيزان، باعتبارهما من الشخصيات السعودية التي ارتبط عطاؤها بتكوين الخبرة المهنية والمعرفة الأكاديمية، وامتد أثرها إلى أجيال تتجاوز حدود المؤسسات التي عملا فيها.
ولفهم قيمة هذه التجربة، ينبغي العودة إلى المرحلة التي أخذت فيها الصحافة السعودية تبني مؤسساتها وتوسع حضور كوادرها الوطنية، حين كانت المعرفة الصحفية تنتقل داخل غرف الأخبار بالممارسة اليومية، وكانت الصحيفة مدرسة حقيقية يتعلم فيها المحرر الشاب من رئيس قسمه، ويتعرف على مسؤولية الكلمة من رئيس تحريره، ويكتسب مهاراته من متابعة الخبر حتى لحظة صدوره، وفي تلك البيئة ظهر جيل من الصحفيين السعوديين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز القيادات المهنية، ومن بينهم الأستاذ خالد المالك و الأستاذ تركي السديري والأستاذ هاشم عبده هاشم، الذين أسهموا، مع غيرهم، في تطوير الصحافة السعودية وترسيخ حضورها بين المؤسسات الصحفية العربية.
كانت تلك المرحلة تؤسس لما يتجاوز إصدار الصحف، فقد أسهمت في بناء تقاليد العمل التحريري، وتوسيع مجالات التخصص الصحفي، وإعداد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية داخل مؤسسات بدأت تتعاظم أدوارها الاجتماعية والثقافية، ومن هذه البيئة تولى الأستاذ خالد المالك رئاسة تحرير «الجزيرة» عام 1972، وارتبط اسمه بمراحل مهمة من تطويرها، لكن القيمة الممتدة لتجربته تظهر كذلك في الدور الذي أدته المؤسسة الصحفية في اكتشاف المواهب وتدريبها ومنحها فرص الكتابة والتحرير والإدارة، وهو أثر لا تقيسه أعداد الصحف المنشورة بقدر ما تكشف عنه المسارات المهنية لمن خرجوا من تلك المؤسسات إلى مواقع أخرى في الصحافة والإعلام.
ولم يكن الصحفيون الذين تربوا في مؤسسات تلك المرحلة يحملون جميعًا شهادات أكاديمية في الإعلام، فقد جاءت خبراتهم من أقسام الأخبار والرياضة والثقافة والتحقيقات، حيث كانت الممارسة اليومية تصقل قدراتهم، وتمنحهم فهمًا مباشرًا لطبيعة الجمهور ومسؤولية النشر، ولذلك فإن الحديث عن أجيال الصحافة السعودية يرتبط أيضًا بالذين أتاحوا للشباب فرص التعلم والعمل، وامتلكوا القدرة على بناء فرق تحريرية تستطيع مواصلة الإنتاج وتطوير نفسها، وقد بقي هذا المعنى حاضرًا في تجربة الأستاذ خالد المالك الذي تعامل مع الصحافة بوصفها مؤسسة لصناعة الصحفيين، إلى جانب كونها مؤسسة لإنتاج الأخبار.
ومع اتساع التعليم الجامعي في المملكة، بدأت المعرفة الإعلامية تكتسب مسارًا أكثر تنظيمًا، وأصبح الطالب الذي يدخل كلية الإعلام يجد أمامه نظريات تفسر الاتصال، ومناهج تقيس تأثير الرسائل، ودراسات تبحث في الجمهور وخصائصه، وهنا برز إسهام الدكتور محمد الحيزان، الذي جمع في تكوينه بين دراسة اللغة العربية والتخصص العلمي في الإعلام والعلاقات العامة، ثم انخرط في التدريس والبحث والإشراف الأكاديمي، وأسهم من خلال هذه المجالات في إعداد كوادر وجدت طريقها إلى المؤسسات الإعلامية والبحثية والقطاعات الحكومية والخاصة.
وقد شكلت مؤلفاته، وفي مقدمتها كتاب «البحوث الإعلامية: أسسها، أساليبها، مجالاتها»، موردًا علميًا لطلاب الإعلام والباحثين في جامعات سعودية وخليجية وعربية، بما جعل المعرفة التي أنتجها قابلة للتداول بين أجيال متعاقبة من الدارسين، ولم يتوقف إسهامه عند التأليف، فقد امتدت مسؤولياته إلى رئاسة قسم الإعلام وعمادة كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والإشراف على رسائل علمية، والمشاركة في تطوير التعليم الإعلامي، وهي أعمال تترك أثرها عبر الأشخاص الذين اكتسبوا المعرفة ثم حملوها إلى مواقع العمل والتدريس والبحث.
وخلال هذه السنوات، كانت الأجيال الإعلامية تتسع في تخصصاتها ومساراتها، فلم تعد الصحافة وحدها هي الوجهة الرئيسية لخريجي الإعلام، وإنما ظهرت مجالات الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة والإعلام السياحي والدراسات الجماهيرية، وأصبحت المؤسسات الحكومية والاقتصادية في حاجة إلى متخصصين يفهمون طبيعة الرسالة والجمهور ووسائل التأثير، وقد جاءت اهتمامات الدكتور محمد الحيزان البحثية والمهنية متصلة بهذه التطورات، من دراساته عن التعرض الجماهيري للتلفزيون إلى أبحاثه في الاتصال والإعلام السياحي، ثم عمله الاستشاري والإداري، بما أسهم في مد جسور المعرفة الإعلامية إلى مجالات تطبيقية متعددة.
وفي الوقت نفسه، لم تبق المؤسسات الصحفية بعيدة عن الجامعات والبحث العلمي، فقد امتد اهتمام «الجزيرة»، خلال رئاسة الأستاذ خالد المالك لتحريرها، إلى دعم كراسي بحثية في عدد من الجامعات السعودية، بلغ عددها ثلاثة عشر كرسيًا، شملت مجالات معرفية متنوعة، من بينها الصحافة الإلكترونية والدراسات اللغوية والإعلام الجديد، وهو امتداد مهم في تاريخ العلاقة بين المهنة والجامعة، لأن المؤسسة التي تتعامل يوميًا مع أحداث المجتمع أصبحت تسهم أيضًا في دعم البحث الذي يدرس اللغة والاتصال والتقنيات الجديدة، وبذلك اتسعت دائرة الاستفادة لتشمل صحفيين وطلابًا وباحثين وأساتذة جامعيين.
وعندما دخل الإعلام العربي مرحلة الفضائيات ثم النشر الإلكتروني، لم تكن التغيرات مجرد استبدال أدوات قديمة بأخرى جديدة، فقد تبدلت طبيعة المنافسة وسلوك الجمهور، وأصبحت المعلومة تصل من مصادر متعددة، وظهرت تخصصات جديدة في التحرير الرقمي وإدارة المحتوى وقياس التفاعل، وأمام هذه التحولات واجهت الأجيال التي تربت في الصحافة الورقية مهمة إعادة تطوير أدواتها، بينما احتاجت الأجيال الجامعية الجديدة إلى معرفة تطبيقية تسمح لها بفهم سوق عمل يتغير بوتيرة أسرع من تحديث المقررات الدراسية.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، ازدادت أهمية الخبرات التي تستطيع وصل الماضي المهني بالحاضر التقني، فقد ناقش الأستاذ خالد المالك في كتاباته ولقاءاته مستقبل الصحافة الورقية وأوضاع المؤسسات الصحفية، كما تناول الدكتور محمد الحيزان ضرورة تطوير البرامج الأكاديمية ومواءمتها مع التحولات الرقمية، وشارك في الجهود المرتبطة بتأسيس التعليم المتخصص في الإعلام الإلكتروني، وهي اهتمامات تعكس اتساع التفكير في مستقبل المهنة، وتؤكد أن المحافظة على قيم الصحافة لا تتعارض مع تطوير وسائلها، وأن إعداد الإعلامي لا ينتهي بحصوله على الشهادة الجامعية أو اكتسابه خبرة السنوات الأولى.
ولقد تغيرت طبيعة الأجيال الإعلامية نفسها خلال العقدين الأخيرين، فالصحفي الذي كان يبدأ حياته المهنية بتعلم تحرير الخبر في صحيفة مطبوعة أصبح يعمل إلى جوار متخصص في البيانات، ومحرر للفيديو، ومصمم للمحتوى الرقمي، وباحث يتابع اتجاهات الجمهور، فيما جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتسمح لأفراد خارج المؤسسات الإعلامية بالمشاركة في إنتاج المعلومات وتداولها، وهو واقع فرض إعادة النظر في مفهوم التأهيل الإعلامي وحدود المسؤولية المهنية، دون أن يلغي الحاجة إلى الصحفي المتخصص أو المؤسسة القادرة على التحقق والتفسير والتحليل.
وقد تناول الدكتور محمد الحيزان هذه التحولات في المنتدى السعودي للإعلام عام 2026، عندما ناقش واقع الإعلام المحلي في بيئة التواصل الرقمي، وأشار إلى اتساع المشاركة في النشاط الإعلامي والاتصالي، وأهمية توظيف الوسائل الجديدة مع المحافظة على المهنية، وهي رؤية تتصل مباشرة بالأجيال التي تتعامل اليوم مع صناعة المحتوى بوصفها مجالًا مفتوحًا، لكنها تحتاج إلى التمييز بين القدرة على النشر والقدرة على ممارسة العمل الإعلامي بمسؤولية وكفاءة.
وفي أكتوبر من العام نفسه، كان الأستاذ خالد المالك يجلس أمام أكثر من ثلاثمئة شاب وشابة من إعلاميي المستقبل في أكاديمية وكالة الأنباء السعودية، مستعرضًا أكثر من خمسة عقود من تحولات الصحافة، من الورق إلى الذكاء الاصطناعي، ومؤكدًا أن المصداقية والمهنية والمسؤولية تظل أساسًا للعمل الصحفي مهما تغيرت أدواته، وقد حمل ذلك اللقاء دلالة مهمة، إذ اجتمعت فيه ذاكرة الصحافة السعودية مع جيل يستعد للعمل في بيئة رقمية لم يعرف المؤسسون الأوائل أدواتها، لكنه يواجه المسؤولية المهنية ذاتها التي واجهتها الأجيال السابقة.
وهذا الامتداد بين الأجيال هو أحد الجوانب التي تستحق اهتمامًا أكبر في قراءة تاريخ الإعلام السعودي، لأن صناعة الصحفي لا تتحقق بمجرد تدريبه على كتابة خبر، كما أن إعداد الباحث لا يكتمل بتعليمه مناهج البحث، وإنما تتشكل شخصية الإعلامي عبر تراكم الخبرة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار المهني، وهي عملية طويلة تسهم فيها المؤسسات الصحفية والجامعات ومراكز التدريب والبحث، وتتعزز عندما تظل العلاقة بين الأجيال قائمة على تبادل المعرفة وتطويرها.
وقد عرف الإعلام العربي خلال العقود الماضية أسماء كثيرة برزت أمام الجمهور، لكن جانبًا مهمًا من تاريخه صنعه أيضًا أولئك الذين عملوا على تأسيس المؤسسات وتطوير أقسام الإعلام وتأليف المراجع والإشراف على الباحثين وتدريب الصحفيين، فالأثر المهني لهذه الشخصيات لا ينتهي بانتهاء مقال أو محاضرة أو دورة تدريبية، وإنما يمتد من خلال من تلقوا الخبرة والمعرفة، ثم أصبحوا بدورهم مسؤولين عن إعداد أجيال جديدة، ولذلك فإن القيمة الحقيقية للعطاء الإعلامي لا تقف عند الحضور الشخصي، بل تشمل ما يبقى منه داخل المؤسسات وفي عقول العاملين بها.
ومن هنا تتسع دلالة تجربة الأستاذ خالد المالك والدكتور محمد الحيزان خارج الإطار السعودي، فقد وفرت الصحافة السعودية خلال مراحل تطورها خبرات مهنية أسهمت في إثراء المجال الصحفي العربي، كما وجدت المؤلفات والبحوث الإعلامية السعودية مجالًا للتداول داخل الجامعات العربية، بما أتاح امتدادًا معرفيًا يتجاوز الحدود الوطنية، وجعل من تطور الإعلام في المملكة جزءًا من حركة أوسع لتبادل التجارب المهنية والأكاديمية بين المؤسسات العربية.
ولعل ما يمنح استحضار هاتين الشخصيتين أهمية في الوقت الراهن أن الإعلام العربي يقف أمام مرحلة جديدة تتغير فيها المهارات المطلوبة، وتدخل فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار والجامعات ومؤسسات الاتصال، بينما تظل الحاجة قائمة إلى من يملك الخبرة اللازمة للحكم على صحة المعلومات، والمعرفة العلمية لفهم تأثير المحتوى، والقدرة على إعداد إعلاميين يستطيعون التعامل مع التقنيات الجديدة دون فقدان استقلالية الحكم المهني.
إن جيل الصحافة الورقية الذي تعلم قيمة الخبر، وجيل الفضائيات الذي اختبر قوة الصورة، وجيل الإنترنت الذي أعاد تشكيل علاقة المؤسسة بجمهورها، وجيل المنصات الاجتماعية الذي وسع المشاركة في النشر، وصولًا إلى جيل الذكاء الاصطناعي، لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مراحل منفصلة في تاريخ الإعلام، وإنما بوصفهم حلقات في مسيرة واحدة، تتراكم فيها المهارات وتتجدد الوسائل وتبقى المعرفة والخبرة المهنية أساسًا للاستمرار.
وعند قراءة مسيرتي الأستاذ خالد المالك والدكتور محمد الحيزان من هذه الزاوية، تصبح الأسماء مدخلًا لفهم تاريخ المؤسسات التي علمت الصحفيين، والجامعات التي أعدت الباحثين، والكتب التي بقيت بين أيدي الطلاب، والخبرات التي استوعبت التطورات التقنية، فالإسهام الأكثر رسوخًا ليس ما ينجزه الإعلامي في سنوات عمله وحدها، وإنما ما يضيفه إلى قدرة من يأتي بعده على العمل بصورة أفضل.
وهنا تتجسد قيمة العطاء السعودي في الإعلام العربي، حين تصبح الخبرة المهنية معرفة متوارثة، وتصبح المعرفة الأكاديمية ممارسة قابلة للتطوير، ويواصل كل جيل البناء على ما أنجزه سابقوه، دون أن يتوقف عند أدواتهم أو يكتفي بتكرار تجاربهم، فالأجيال الجديدة لن تعمل بالوسائل التي بدأت بها رحلة الأستاذ خالد المالك، ولن تدرس الإعلام بالأدوات نفسها التي عرفها الدكتور محمد الحيزان في بداياته الأكاديمية، لكنها ستظل بحاجة إلى ما رسخته تلك التجارب من احترام للمهنة، وإدراك لقيمة البحث، ومسؤولية تجاه الجمهور، وهي القيم التي تمنح الأثر الإعلامي عمرًا أطول من الوسائل والأجيال التي تعاقبت على استخدامه.