صالح الشادي
عندما دقّت طبول الحرب ضد مليشيا الحوثي الإرهابية، لم يكن الصوت الآتي من الرياض صوتًا عسكريًا وحده، بل كان صدًى شعبيًا هادرًا سبق الفعل وواكبه؛ فوجد السعوديون أنفسهم أمام لحظة وجودية لم تكن بحاجة إلى انتظار بيان رسمي لتحديد الموقف. تحوّل الشعب بكامل طبقاته إلى قناة مفتوحة، وإلى وزارة إعلام شعبية بلا وزير واحد، بل بملايين الناطقين من الشعراء والمنشدين والمغردين، كبارًا وصغارًا، كلٌّ يعبّر من موقعه، ويوازي بكلمته فعل السيف. لم تكن هذه الحالة انفعالًا عابرًا، بل كانت تعبيرًا عن نسيج اجتماعي خاص، جعل من الوطن أسرة واحدة قبل أن يكون مؤسسة، ومن القيادة أبًا وأخًا قبل أن تكون سلطة.وطبيعة هذا الشعب الذي تمثّل في «أسرة واحدة» ليست شعارًا موسميًا، بل هي علاقة يومية تقوم على الأبوة والأخوية والصداقة والعفوية، وتتجاوز علاقة الحاكم بالمحكوم إلى علاقة الدم والمصير. فحين يشعر المواطن أن الفرح فرحه، والحزن حزنه، وأن القيادة جزء من نسيجه الوطني والاجتماعي لا تنفصل عنه، يصبح الدفاع عن الوطن والالتفاف حول القيادة فعلًا فطريًا لا يحتاج إلى استنفار. ولهذا، حين انطلقت العمليات العسكرية ضد الانقلابيين، لم يقف الشعب متفرجًا ينتظر التوجيه، بل اندفع بتلقائية إلى ساحة المعنى، يترجم ولاءه المتوارث وحميته إلى كلمات وأهازيج وتغريدات، فوجد الأعداء أنفسهم أمام جبهة مزدوجة: جبهة تحسم بالسلاح، وأخرى تحسم بالكلمة والوجدان.وفي وسط هذا المشهد، تحوّل الشعر إلى سلاح استراتيجي ولغة يومية للتواصل السياسي والعاطفي، ونزل من عناوين الأمسيات إلى الشارع وإلى منصات التواصل الاجتماعي، فصار وزارة إعلام شعبية بامتياز. لم يكن هناك تسلسل إداري ولا بيانات مصفوفة، بل بث مباشر من القلب إلى القلب. خرجت القصائد والتغريدات والأناشيد تتدفق، تارة تخاطب الخارج وتفكك دعاية الحوثي، وتارة ترفع معنويات الجنود، وتارة توثق الحدث، وتارة أخرى تحمل عبق الوطن وتفوح منها رائحة البارود والوفاء.
ولم يقتصر الأمر على فئة دون أخرى، بل شارك فيه الكبار والصغار، والعامي والمثقف، حتى أصبحت القصيدة القصيرة والتغريدة اللحظية جبهة موازية للجبهة العسكرية، ترد الحجة بالحجة، وتقابل الحرب النفسية بحرب مضادة من الحث والموازاة بين الفعل الرسمي والفعل الشعبي. فبينما كانت الطائرات تدك معاقل الانقلابيين، كان الشعراء والمنشدون والمغردون يدكون حصون الكلمة، ويؤكدون أن الشعب نفسه هو سلاح القيادة، وأن القيادة هي العين التي يفتديها الشعب بأرواحه. لقد تجاوزت العلاقة المميزة بين القيادة والشعب حدود الطاعة إلى المشاركة الفعلية في صناعة النصر، فلم يكن الشعب السعودي بحاجة إلى تعبئة إعلامية رسمية، لأنه هو نفسه تحوّل إلى إعلام. كل مواطن أصبح مراسلًا من موقعه، وكل شاعر أصبح محللًا سياسيًا، وكل مغرد أصبح ناطقًا باسم الوطن، وكل قصيدة أصبحت بيانًا شعبيًا لا يحتاج إلى ختم رسمي.
وهكذا، تمثّل هذا الشعب في أسرة واحدة، وتحوّلت هذه الأسرة إلى وزارة إعلام شعبية، لأن الإعلام لم يكن مؤسسة تُدار من وزارة فقط، بل نبضًا جماعيًا انطلق من الأسفل. لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة الحقيقية لهذه البلاد المباركة ليست في ترسانتها العسكرية وحدها، بل في قدرة نسيجها الاجتماعي على التحول إلى صوت واحد. وحين يغني الكبار والصغار للحب والوطن، وتتحول التغريدات إلى ملاحم، والقصائد إلى جبهات، فإن الرسالة تكون واضحة: أن هذا الشعب، بأسرة واحدة، وعلاقته المميزة بقيادته، لا يمكن أن يُثنى أو ان يتزعزع ، لأنه يحمل في وجدانه وزارة إعلام لا تنطفئ، وجيشًا من الكلمات لا يُقهر، وحبًا لوطن لا يسكنه إلا الصدق.