د. يحيى جابر
في اللحظة التي يرى فيها المتلقي صورة لشارع غارق في المياه، أو مبنى متضرراً، أو حشوداً كبيرة في موقع حدث، أو سيارات إسعاف تصطف أمام منشأة، فإن الصورة تكون قد نقلت إليه جزءاً من المعلومة قبل أن يقرأ العنوان أو يسمع تعليق المذيع، هذه الوظيفة يمكن وصفها مهنياً بـ«الخبر الصامت»، أي أن المشهد البصري يؤدي وظيفة إخبارية مباشرة أو يفتح الطريق أمام الخبر من دون الاعتماد الكامل على النص أو الكلام، وتزداد أهمية هذه الوظيفة في البيئة الإعلامية الحالية؛ فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 أن شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو أصبحت للمرة الأولى عالمياً الطريقة الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت، بنسبة %54 من المشاركين الذين شملهم التقرير، مقابل %51 للمواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية، و%52 للتلفزيون، «المصدر: معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، تقرير الأخبار الرقمية 2026، يونيو 2026».
صناعة الخبر
وهذا التحول يفسر لماذا أصبحت الصورة والفيديو جزءاً أساسياً من صناعة الخبر، خصوصاً أن الجمهور لا يتلقى المحتوى الرقمي بالطريقة نفسها التي كان يتلقى بها الصحيفة الورقية أو نشرة الأخبار التلفزيونية، وفي التقرير نفسه، قال %27 من المشاركين إنهم حصلوا على بعض الأخبار من صناع محتوى أو مؤثرين يركزون على الأخبار، وترتفع النسبة إلى %46 عند احتساب صناع المحتوى الذين يتناولون الأخبار إلى جانب موضوعات أخرى، «المصدر: معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، تقرير الأخبار الرقمية 2026، يونيو 2026».
والأهم أن هذا الرقم لا يعني أن الجمهور استغنى عن المؤسسات الإعلامية؛ فقد أوضح التقرير أن %13 فقط من المشاركين قالوا: إن معظم احتياجاتهم أو جميعها من الأخبار تلبيها حسابات صناع المحتوى المتخصصين في الأخبار، بينما قال %3 فقط: إنهم يعتمدون عليهم وحدهم للحصول على الأخبار، «المصدر: معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، تقرير الأخبار الرقمية 2026، يونيو 2026».
أهمية وتميز الصورة
يقال الصورة بألف كلمة، وهنا تظهر أهمية التمييز بين الصورة التي تنقل واقعة مرئية، والخبر الذي يفسر الواقعة ويضعها في سياقها، صورة شارع غارق بالمياه تثبت وجود تجمع للمياه في المكان والوقت اللذين التقطت فيهما، لكنها لا تثبت كمية الأمطار، وصورة سيارات الإسعاف تثبت وجودها في موقع معين، لكنها لا تثبت عدد المصابين. وصورة دخان متصاعد تثبت وجود الدخان، لكنها لا تحدد وحدها سبب ظهوره، هذه القاعدة ليست تفصيلاً لغوياً، وإنما هي أساس في العمل الصحفي؛ لأن الصورة تستطيع أن تكون دليلاً قوياً على ما يظهر فيها، لكنها لا تمنح الصحفي الحق في إضافة معلومات غير موجودة فيها، ومن هنا فإن «الخبر الصامت» يكون في أفضل حالاته عندما تبدأ الصورة القصة، ثم تأتي المصادر لتكملها.
التأثير في ذاكرة المتلقي
وتؤكد الأبحاث العلمية قوة الصورة في التأثير في ذاكرة المتلقي، ففي دراسة منشورة في مجلة «أكتا سايكولوجيكا» عام 2011، اختبر الباحثون تأثير الصور المصاحبة لعناوين إخبارية صحيحة وأخرى مختلقة، وشارك في التجربة 98 طالباً من جامعتين في نيوزيلندا، ووجد الباحثون أن الصور المرتبطة بالعناوين الكاذبة جعلت المشاركين أكثر ميلاً إلى القول إنهم يتذكرون أحداثاً لم تقع، كما ارتبطت الصور بزيادة الثقة في هذا التذكر الخاطئ، «المصدر: ديرين سترينج، ماريان غاري، دانيال برنشتاين، وديفيد ليندسي، مجلة أكتا سايكولوجيكا، دراسة الصور الفوتوغرافية تسبب ذكريات زائفة عن الأخبار، المجلد 136، العدد 1، الصفحات 90–94، 2011».
جذب الانتباه
وهذه النتيجة شديدة الأهمية بالنسبة للخبر الصامت، لأنها تكشف أن الصورة لا تعمل فقط على جذب الانتباه، وإنما يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يتذكر بها الإنسان المعلومة، فإذا وضعت صورة حقيقية بجانب معلومة غير صحيحة، فقد تمنح الصورة تلك المعلومة قوة إضافية في ذاكرة المتلقي، حتى عندما يكون الحدث الذي تصفه المعلومة مختلقاً، ولهذا فإن الصورة الحقيقية لا تضمن بالضرورة صحة الخبر، قد تكون الصورة أصلية، لكن استخدامها في سياق مختلف يحولها إلى مادة مضللة، وقد تكون الصورة من حادث وقع قبل سنوات، ثم يعاد نشرها على أنها حادث وقع اليوم، وقد تكون الصورة من مدينة أخرى، ثم تستخدم لإثبات حدث في مدينة مختلفة.
خطورة سرعة النشر
تزداد المشكلة خطورة في وسائل التواصل الاجتماعي بسبب سرعة إعادة النشر، فالصورة التي تحقق انتشاراً واسعاً قد تبدو للمستخدم أكثر موثوقية، رغم أن الانتشار ليس معياراً علمياً لصحة المعلومة. وهذه المشكلة أكدتها دراسة عالمية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة شملت 500 من صناع المحتوى الرقمي في 45 دولة،
وأظهرت دراسة «خلف الشاشات» أن %62 من صناع المحتوى الذين شملهم الاستطلاع لا يجرون تحققاً دقيقاً ومنهجياً من المعلومات قبل مشاركتها، «المصدر: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، دراسة خلف الشاشات، ممارسات ودوافع صناع المحتوى الرقمي، نوفمبر 2024»، وكشفت الدراسة نفسها أن %42 من المشاركين استخدموا عدد الإعجابات والمشاركات أو المشاهدات باعتباره مؤشراً رئيسياً على مصداقية المحتوى، بينما اعتمد %21 على كون المحتوى قد شاركه معهم أصدقاء يثقون بهم، واعتمد %19 على سمعة صاحب المحتوى أو الناشر الأصلي.
مصداقية المصدر
كما تكشف هذه النتائج مشكلة جوهرية، مثل الجمهور قد يرى صورة منتشرة على نطاق واسع فيفترض أنها صحيحة، بينما الانتشار في حد ذاته ليس عملية تحقق، بل إن الدراسة نفسها أوضحت أن %17 من المشاركين أشاروا إلى الوثائق والأدلة المستخدمة لدعم الادعاء باعتبارها معياراً لتقييم مصداقية المصدر، وهي نسبة أقل بكثير من الاعتماد على الإعجابات والمشاهدات، «المصدرـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، دراسة خلف الشاشات، ممارسات ودوافع صناع المحتوى الرقمي، نوفمبر 2024»، وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن %73 من صناع المحتوى المشاركين يرغبون في الحصول على تدريب في محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، «المصدرـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، دراسة خلف الشاشات، ممارسات ودوافع صناع المحتوى الرقمي، نوفمبر 2024»، وهذا الرقم مهم لأنه يشير إلى أن المشكلة ليست بالضرورة في الرغبة في تقديم المعلومات، بل في امتلاك الأدوات المهنية الكافية للتحقق منها.
الخبر الصامت صورة
ومن هنا يصبح «الخبر الصامت» اختباراً لقدرة الصحفي على قراءة الصورة، فالمصور قد يرى عشرات سيارات الإسعاف في موقع معين، لكن الصحفي المحترف يسأل عن مصدر المعلومة المتعلقة بسبب وجودها، وقد يرى حريقاً، لكنه يبحث عن الجهة التي تحدد موقع الحادث وطبيعته والخسائر الناتجة عنه، وقد يرى ازدحاماً شديداً، لكنه لا ينسب سببه إلى حادث أو إغلاق طريق إلا بعد الحصول على معلومات موثوقة، وهذه هي المسافة بين المشاهدة والاستنتاج، المشاهدة تقول: «تظهر سيارات إسعاف أمام الموقع». أما الاستنتاج غير الموثق فيقول: «هناك عشرات المصابين». الأولى معلومة بصرية يمكن التحقق منها بالصورة، أما الثانية فتحتاج إلى مصدر مستقل.
غرفة الأخبار المحترفة
وفي غرف الأخبار المحترفة أصبحت عملية التحقق من الصور ومقاطع الفيديو جزءاً منظماً من العمل الصحفي، وتوضح وكالة أسوشيتد برس أن فرق التحقق لديها تعمل على فحص المواد المنشورة على الإنترنت، وأن فريق المحتوى الذي ينشئه المستخدمون يتحقق من الصور ومقاطع الفيديو وشهادات شهود العيان، كما تستخدم الوكالة البحث العكسي عن الصور وتحديد الموقع الجغرافي ومقارنة المعالم واللافتات والطقس واللغة، إضافة إلى فحص الفيديو إطاراً بإطار عند الحاجة، «المصدرـ وكالة أسوشيتد برس، منظومة التحقق من الأخبار والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون، 2026»، وفي ديسمبر 2025 أطلقت الوكالة نظام «أ ب تحقق» لتجميع مجموعة من أدوات التحقق الرقمي، تشمل تحديد الموقع الجغرافي، والتعرف إلى المعالم والأجسام، والبحث العكسي عن الصور، وتحليل الفيديو إطاراً بإطار، ومتابعة انتشار المحتوى الاجتماعي، «المصدرـ وكالة أسوشيتد برس، إعلان إطلاق منظومة أ ب تحقق لتعزيز التحقق من المحتوى الرقمي، 15 ديسمبر 2025».
وهذا التطور يؤكد أن الصورة أصبحت تحتاج إلى أدوات تحقق متقدمة، خصوصاً مع قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور واقعية أو تعديل مواد موجودة، وقد أعلنت وكالة أسوشيتد برس في 23 يوليو 2026 تحديث معاييرها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وأكدت أن الحكم التحريري والتحقق والمساءلة تظل مسؤولية الصحفيين، كما أبقت على حظر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء أو تغيير أو تحسين الصور الصحفية الإخبارية، «المصدرـ وكالة أسوشيتد برس، تحديث معايير غرف الأخبار الخاصة بالذكاء الاصطناعي، 23 يوليو 2026».
الصمت التلفزيوني في بداية التقرير
وفي التلفزيون، يمكن للخبر الصامت أن يكون أكثر تأثيراً لأن المشاهد يرى الحدث ويتابع حركته في الزمن الحقيقي، وقد يكون الصمت في بداية التقرير أقوى من التعليق عندما تكون الصورة قادرة على شرح حجم الواقعة؛ فمشهد عمليات الإنقاذ، أو حركة الجماهير، أو الأضرار التي لحقت بموقع معين، قد يمنح المشاهد فهماً فورياً قبل أن يبدأ المراسل في التفاصيل، ولا يعني الصمت التلفزيوني غياب الصوت بالضرورة؛ فقد يكون المقصود غياب صوت المراسل مع الإبقاء على الأصوات الطبيعية للمكان، مثل صفارات الإنذار، وحركة الآليات، وهطول المطر، وأصوات الجمهور، وهذه الأصوات تصبح جزءاً من السرد الإخباري لأنها تمنح الصورة سياقاً حسياً يساعد على فهم الحدث.
الثواني الأولى في المواد المرئية
أما في المنصات الرقمية، فإن الخبر الصامت يمكن أن يظهر في صورة منفردة، أو مجموعة صور، أو مقطع قصير، أو رسم معلوماتي، أو وثيقة مصورة، وكلما أصبحت مدة انتباه المتلقي أقصر، ازدادت أهمية الثواني الأولى من المادة المرئية، لكن الجاذبية البصرية لا تمنح المادة صفة الخبر الموثوق، وهنا ينبغي التفريق بين «الصورة الإخبارية» و«الخبر المكتمل»، الصورة الإخبارية قد تكون نقطة البداية، أما الخبر المكتمل فيحتاج إلى مصدر ومكان وزمن وسياق، ولذلك فإن نشر صورة طريق غارق بالمياه يمكن أن يكون خبراً بصرياً عن حالة الطريق، لكن إضافة كمية الأمطار أو تحديد سبب تجمع المياه أو نسبة الأضرار يحتاج إلى بيانات أو مصادر مستقلة.
أصل الصورة
والقاعدة المهنية الأهم هي أن ما يظهر في الصورة يجب أن يبقى منفصلاً عن المعلومات التي تحتاج إلى مصدر، فإذا ظهر مبنى متضرر، يمكن وصف الضرر المرئي، وإذا أريد تحديد قيمة الخسائر، فلا بد من جهة مختصة، وإذا ظهرت حشود، يمكن وصف وجودها، لكن لا يجوز تقدير عددها جزافاً، وإذا ظهر حريق، يمكن وصف المشهد، أما السبب والخسائر وعدد الإصابات فتحتاج إلى معلومات مستقلة، وفي عصر الذكاء الاصطناعي تصبح هذه القاعدة أكثر أهمية؛ لأن وجود صورة لم يعد دليلاً كافياً على وجود الواقعة نفسها، ولهذا فإن الصحفي يحتاج إلى معرفة أصل الصورة، وتاريخها، ومكانها، ومصورها، وسياقها، وما إذا كانت تعرضت للمعالجة أو التعديل، وتتضح هنا قيمة الصحفي المحترف الذي يستطيع الجمع بين العين الإعلامية والعقل النقدي، العين تكتشف المشهد، والعقل يفحصه، والمصدر يثبت المعلومة، والمحرر يضعها في سياقها، ثم تأتي الصورة لتمنح الجمهور الدليل البصري الذي يساعده على فهم الحدث.
حضور قوي في السنوات المقبلة
وفي تقديري، فإن «الخبر الصامت» سيكون أكثر حضوراً في الإعلام خلال السنوات المقبلة، ليس لأن الصورة ستلغي النص، وإنما لأن طبيعة استهلاك الجمهور للأخبار أصبحت أكثر بصرية، وتؤكد أرقام عام 2026 أن %54 من الجمهور في الأسواق التي شملها تقرير الأخبار الرقمية يصلون إلى الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو، وأن %27 يتلقون أخباراً من صناع محتوى متخصصين في الأخبار، «المصدرـ معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، تقرير الأخبار الرقمية 2026، يونيو 2026»، لكن قوة الصورة تفرض مسؤولية أكبر، لأن دراسة علمية منشورة عام 2011 أثبتت أن الصور يمكن أن تسهم في تكوين ذكريات زائفة عن أحداث إخبارية، ودراسة اليونسكو لعام 2024 أظهرت أن %62 من صناع المحتوى الذين شملهم الاستطلاع لا يتحققون بصورة منهجية من المعلومات قبل مشاركتها، «المصدرـ مجلة أكتا سايكولوجيكا، دراسة الصور الفوتوغرافية تسبب ذكريات زائفة عن الأخبار، 2011؛ ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، دراسة خلف الشاشات، 2024».
الخلاصة المهنية
وهذا يقود إلى خلاصة مهنية واضحة، الخبر الصامت ليس خبراً بلا معلومات، وإنما خبر تبدأ معلوماته من الصورة، ثم تكتمل بالمصدر والتحقق والسياق. الصورة تقول للمتلقي: «هذا ما نراه»، والمصدر يقول: «هذا ما حدث»، والصحفي يربط بين الاثنين دون مبالغة أو استنتاج غير موثق.
أخيراً:
ومن هنا فإن الصحفي المتمكن لا يكتفي بأن تكون لديه كاميرا أو هاتف قادر على التصوير، بل يحتاج إلى عين تعرف قيمة التفاصيل، وعقل يعرف حدود الدليل، ومهارة تحقق تمنع الصورة من التحول إلى معلومة مضللة، ففي زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الخبر، فإن المهنية الحقيقية ليست في أن تكون أول من ينشر الصورة، بل في أن تكون أول من ينشر الصورة الصحيحة، في المكان الصحيح، والوقت الصحيح، وبالسياق الصحيح، وبهدف خبري صحيح ومسموح به.
وفي أوقات الأزمات أو الحروب أصبح نشر الصورة أو الفيديو غير المسموح به من مصدر رسمي أصبح يخدم العدو ويثير الخوف، وربما ينشر صورا أو فيديوهات غير صحيحة ومضللة بهدف إثارة الرأي العام أو هدف آخر يهدف العدو، لذلك فإن النشر والتثبت أمر مهم للغاية ولابد من التدقيق ومعرفة ما هو مسموح به وما ليس مسموح وما هو صحيح وما ليس صحيحا.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام