باسم سلامة القليطي
أضاف أحد التطبيقات الشهيرة ميزة تتيح للمستخدمين مشاهدة محتوى إضافي لحسابات بعض المشاهير مقابل اشتراك شهري. ضحكت مستغرباً من الفكرة، ثم تذكرت أن هناك من سيدفع المال مقابل مزيد من التفاصيل عن حياة المشاهير، فأصابني حزن ممزوج بالإحباط. فالمشكلة ليست في تطبيق يعرف كيف يربح، بل في استعداد البعض للدفع مقابل مزيد من التفاهة، وفي سوق يُحسن تحويل هذا الاستعداد إلى مصدر للربح.
لقد اعتدنا أن ندفع مقابل ما ينفعنا أو يمنحنا متعة تستحق ثمنها، لكن أن يصبح التطفل على حياة الآخرين منتجاً تجارياً، فذلك يكشف خللاً في ترتيب اهتماماتنا. فالسوق لا يبيع دائماً ما نحتاج إليه، بل قد يكتشف رغباتنا الأقل نضجاً ويُحسن استثمارها. ولسنا أمام مشكلة تجارية فحسب، بل أمام سؤال أعمق: ما الذي يجعلنا نمنح بعض التفاصيل كل هذا الاهتمام، حتى نستعد لدفع المال مقابل معرفتها؟ فالمنصات تستطيع عرض ما تشاء، لكن إقبال الجمهور هو ما يمنح منتجاتها قيمتها التجارية، حتى لو كانت قيمتها المعرفية محدودة.
ولعل الإجابة تبدأ من طبيعة الفضول نفسه؛ فهو في أصله طاقة بشرية محايدة، تتحدد قيمتها بالوجهة التي نمنحها إياها. إنه الدافع الذي جعل الإنسان يتساءل عن النجوم، ويبحث في أعماق البحار، ويكتشف أسرار المادة، ويتأمل طبيعة العقل وحدود المعرفة. لكنه قد يقودنا أيضاً إلى أبواب لا يحق لنا اقتحامها؛ فيدفعنا إلى تتبع أخبار الجيران، والتنقيب عن أسرار الزملاء، وملاحقة تفاصيل حياة المشاهير. فليست العِبرة بأن نعرف، بل بما نختار أن نعرفه، ولماذا نريد معرفته، والأثر الذي يتركه فينا.
فثمة من يسأل لأنه يريد أن يفهم، وثمة من يسأل لأنه لا يحتمل أن يبقى خارج دائرة السر، كأن معرفة ما يجهله الآخرون تمنحه امتيازاً خاصاً. وقد يعرف المرء تفاصيل كثيرة عن حياة مشهور، دون أن يخرج من متابعته بفكرة واحدة توسّع مداركه أو تغيّر نظرته إلى العالم. هنا تتضح المسافة بين المعرفة ومجرد امتلاك المعلومات؛ فالمعرفة تضيف إلى وعينا، أما التفاصيل المجردة فقد تتراكم في أذهاننا دون أن نعرف ماذا نصنع بها. وليس كل مجهول جديراً بالبحث، ولا كل سؤال علامة على عمق التفكير.
يقول الناقد الأدبي الفرنسي (رولان بارت): «على المرء أن يخفي عن الآخرين صيدلية بيته.. ومكتبته! فإذا كانت صيدلية بيتنا تفضح للآخرين أمراضنا، فإن مكتبتنا قد تقول لهم أكثر مما نريد أن يعرفوه عنّا.. خاصة إذا وقعوا على كتاب شاركنا في مواصلة كتابته على الهامش». تجمع هذه العبارة بين ما يكشفه الجسد من أوجاعه، وما يكشفه العقل من أسئلته وميوله. فالأدوية قد تدل على أمراض نفضّل الاحتفاظ بتفاصيلها لأنفسنا، والكتب قد تفتح نافذة على اهتماماتنا ومخاوفنا وأفكارنا، أما ما نكتبه على هوامشها فيكشف شيئاً من اعتراضاتنا وتأملاتنا الخاصة.
ومع ذلك، قد يمنحنا الاطلاع على هذه التفاصيل شعوراً زائفاً بأننا فهمنا أصحابها. فقد نقرأ كتاباً في مكتبة إنسان، أو نصادف تعليقاً كتبه في لحظة انفعال، فننسج حوله تصوراً كاملاً عن شخصيته، مع أننا لم نرَ منه إلا جانباً واحداً. وهكذا قد يقودنا الفضول إلى سوء الفهم بدلاً من المعرفة؛ فالتفاصيل، مهما بدت كاشفة، لا تختصر الإنسان ولا تمنحنا مفاتيح روحه. وقد تكشف لنا بعض ملامحه، ثم تحجب عنا بقية الصورة عندما نتوهم أننا عرفناه.
وتظهر عواقب الفضول غير المسؤول في علاقاتنا اليومية؛ سؤال يتجاوز حدوده عن سبب غياب زميل، أو محاولة لمعرفة تفاصيل خلاف عائلي، أو خبر خاص ينتقل من شخص إلى آخر، وتُضاف إليه في كل مرة فرضية أو قراءة أو حكم. وقد تبدأ الحكاية بمعلومة صحيحة، لكن التفسيرات المبنية عليها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. فغياب شخص لا يكشف بالضرورة ظروفه، وصمته لا يفسر دوافعه، واختلافه معنا لا يمنحنا معرفة كاملة بما يدور في داخله. ومع ذلك، نملأ الفراغات أحياناً بتصوراتنا، ثم نتعامل معها كأنها حقائق ثابتة. وهنا يتحول الفضول إلى ظلم؛ إذ يُحاكم الإنسان اجتماعياً على رواية لم يقلها، أو سر لم يختر كشفه، أو تفسير لم تتح له فرصة تصحيحه. وليس معنى ذلك أن نتخلى عن الاهتمام بمن حولنا؛ فالسؤال عن الغائب قد يكون تعبيراً صادقاً عن المحبة، ومعرفة ظروفه قد تكون مدخلاً إلى المساعدة. لكن الفارق يكمن في الغاية والحدود: أن نسأل لنطمئن، لا لنستقصي، وأن نقترب لنساند، لا لننتزع الاعترافات. فالمحبة لا تمنحنا حق معرفة كل شيء، والاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى اقتحام خصوصيات الآخرين.
في عالم بات فيه الفضول مرادفاً للتطفل واقتحام خصوصيات الآخرين يبرز وجها آخر له؛ فضول لا يتجه إلى تتبع تفاصيل حياة الناس، بل إلى استكشاف أسرار الوجود وقوانين الفكر. إنه الشغف الذي يدفع الإنسان إلى تجاوز حدود المألوف، والبحث عما يوسّع فهمه للعالم، ويمنحه لذة الاكتشاف. وقد عبّر الفيلسوف (سبينوزا) عن الصلة بين المعرفة والسعادة بقوله: «السعادة هي فرح المعرفة». فالمعرفة النافعة لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تنقل الإنسان من الجهل إلى الفهم، وتمنحه تحرراً داخلياً، وتخرجه من ضيق التصورات إلى رحابة الوعي.
وقد عبّر الإمام (الشافعي) عن لذة العلم بقوله: «إني لأسمع العلم فأتمنى لو أن كل عضو مني له أذن ليستمع ويتلذذ كما تلذذت». في هذه العبارة تتجلى المعرفة بوصفها متعة توقظ العقل وتمنح الروح شعوراً بالامتلاء، لا مجرد معلومات نجمعها لنضيفها إلى رصيدنا. ففكرة واحدة قد تدفعنا إلى مراجعة حُكم استقر في أذهاننا، وكتاب قد يغيّر نظرتنا إلى قضية ظننا أننا أحطنا بها، ومعرفة تجربة إنسان آخر قد تجعلنا أرحب صدراً باختلاف الناس وأقل استعجالاً في الحكم عليهم. وهنا تبلغ المعرفة قيمتها الحقيقية: لا بقدر ما نختزنه من معلومات، بل بما تُحدثه في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة.
وليس كل ما نقرؤه نافعاً، كما أن الاهتمام بأخبار الناس ليس مذموماً في ذاته؛ إنما الفارق فيما نطلبه من المعرفة وما تتركه فينا. فهناك تفاصيل تنتهي بانتهاء الحكاية، وهناك أفكار تبقى آثارها بعد أن نغلق الكتاب. ولعل الأجدر بنا أن نوجّه فضولنا إلى ما يثري عقولنا ويهذّب أحكامنا، بدلاً من استنزافه في تتبّع حياة الآخرين.
وفي زمن تستطيع فيه المنصات تحويل أدق تفاصيل الحياة إلى محتوى قابل للبيع، أصبح الفضول جزءاً من اقتصاد يتنافس على انتباهنا، ويقيس نجاحه بقدرته على إبقائنا في دائرة المتابعة. وكلما ازداد الإقبال على هذا المحتوى، تعاظمت الحوافز لتقديم المزيد منه، بصرف النظر عن قيمته المعرفية أو الإنسانية.
لذلك لا تقتصر المسألة على احترام خصوصية الآخرين، بل تمتد إلى اختيار ما نمنحه وقتنا ومالنا، وما نُسهم في انتشاره. لسنا مطالبين بالامتناع عن متابعة المشاهير، لكننا بحاجة إلى التمييز بين متابعة تمنحنا متعة معقولة، وملاحقة تستثمر في رغبتنا في معرفة ما لا يعنينا. وقد لا نستطيع منع السوق من عرض التفاهة، لكننا نستطيع أن نقرر إن كنا سنمنحها أموالنا وانتباهنا. فليس السؤال كم نعرف عن الآخرين، بل ماذا تضيف معرفتنا بهم إلى فهمنا للحياة؛ فثمّة فضول يفتح للعقل آفاقاً، وآخر يستهلك من أعمارنا ما لا يستحق.