أنس تشكالا
قد يمرّ شخص بجانبنا دون أن يسلّم، فنظن أنه يتجاهلنا، وقد نرسل رسالة إلى صديق فلا يجيب عنها، فنبدأ في التساؤل عمّا إذا كان قد تغيّر، أو لم يعد يهتم بنا كما كان. وقد نسمع من أحدهم كلمة مقتضبة، فنشعر أنها تحمل عتابًا أو تقليلًا من شأننا، مع أن صاحبها ربما لم يقصد أكثر من التعبير عن فكرة عابرة. في كل هذه المواقف، لا يستغرق الأمر سوى لحظات حتى ننتقل من رؤية ما حدث إلى بناء قصة كاملة حوله. والمفارقة أننا كثيرًا ما نتعامل مع هذه القصة كما لو أننا نعرف الحقيقة، مع أننا لا نملك سوى جزء صغير منها.
نحن لا نرى العالم دائمًا كما هو، بل كما نفهمه. وبين الأمرين مسافة قد لا ننتبه إليها؛ فالمشهد الذي نراه شيء، والمعنى الذي نمنحه له شيء آخر. قد يكون الحدث واضحًا في ظاهره، لكن أسبابه ودوافعه تظل غائبة عنا. ومع ذلك، يميل العقل إلى ملء الفراغات، وربط التفاصيل بعضها ببعض، والوصول إلى تفسير يمنح ما نراه قدرًا من الاتساق. وهذه القدرة تساعدنا على فهم الحياة واتخاذ القرارات، لكنها قد تقودنا أيضًا إلى استنتاجات لا تستند إلى ما يكفي من الأدلة.
حين يصمت إنسان، لا نعرف بالضرورة ما الذي يشغله. وحين يتغير أسلوب شخص اعتدنا قربه، لا يعني ذلك تلقائيًا أنه لم يعد يرغب في وجودنا. وحين يرفض أحدهم طلبًا، لا يكون الرفض دليلًا قاطعًا على الأنانية أو قلة التقدير. قد تكون وراء التصرف ظروف لا نعرفها، أو ضغوط لا تظهر في الصورة، أو أسباب لا يستطيع صاحبها التعبير عنها. لكننا أحيانًا نختار التفسير الأقرب إلى مشاعرنا، لا التفسير الأكثر استنادًا إلى الوقائع. فإذا كنا نخشى الإهمال، قرأنا الصمت بوصفه تجاهلًا، وإذا كنا نتوقع الخذلان، رأينا في التصرف العابر بداية لخيبة جديدة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين نخلط بين ما حدث فعلًا وما اعتقدنا أنه حدث. فالواقعة قد تكون محدودة، لكن تفسيرنا لها يمنحها أبعادًا أوسع، ثم تتراكم هذه التفسيرات حتى تتحول إلى قناعة. قد يبدأ الأمر بتأخر في الرد، ثم يصبح في أذهاننا دليلًا على تغير المشاعر، وبعد ذلك نتعامل مع الشخص على أساس هذه القناعة، فنصبح أكثر تحفظًا أو أقل مبادرة، وربما يتغير سلوكنا تجاهه دون أن نمنحه فرصة لتوضيح ما حدث.
وهكذا يمكن أن تنشأ مسافة بين شخصين لا بسبب واقعة كبيرة، بل بسبب معنى افترضه أحدهما ولم يتحقق من صحته.
وليس الأمر مقصورًا على العلاقات الشخصية؛ فنحن نمارس الطريقة نفسها حين نحكم على الناس من مظهرهم، أو نختصر شخصياتهم في موقف واحد، أو نمنح تصرفًا عابرًا دلالة نهائية. قد نرى إنسانًا غاضبًا فنظن أنه سيئ الطباع، ولا نعرف أنه يمر بيوم قاسٍ. وقد نلتقي شخصًا مترددًا فنصفه بضعف الشخصية، دون أن ندرك أنه يحاول أن يتخذ قرارًا مسؤولًا في ظروف معقدة. وقد نرى نجاح إنسان فنعتقد أن الطريق كان سهلًا أمامه، لأننا نشاهد النتيجة ولا نرى ما سبقها من محاولات وإخفاقات وتضحيات.
إن ما نراه من الآخرين ليس حياتهم كاملة، بل لحظات محدودة منها. ومع ذلك، قد نتصرف أحيانًا كما لو أن هذه اللحظات تكفي لتفسير شخصياتهم والحكم على نياتهم. ننسى أن الإنسان أوسع من موقف، وأن السلوك الواحد قد تصنعه أسباب متعددة، وأن ما يبدو لنا تناقضًا قد يكون نتيجة لظروف لا نعرفها. فالذي يبدو قويًا قد يخفي خوفًا، والذي يبدو هادئًا قد يحمل في داخله اضطرابًا، والذي يبدو واثقًا قد يكون في حاجة إلى الطمأنينة أكثر مما نتخيل. ليست هذه احتمالات ينبغي أن نختلقها لتبرير كل تصرف، لكنها تذكير بأن الصورة الظاهرة لا تمنحنا دائمًا معرفة كافية بما وراءها.
وقد تسهم تجاربنا السابقة في تشكيل الطريقة التي نقرأ بها الحاضر. فالذي تعرّض للخذلان قد يصبح أكثر حساسية تجاه الإشارات التي يظن أنها تنذر بتكراره، ومن اعتاد النقد قد يسمع الملاحظة المحايدة وكأنها هجوم، ومن عاش طويلًا في بيئة لا تمنح الثقة بسهولة قد يجد صعوبة في تفسير تصرفات الآخرين بحسن ظن. وهكذا لا نتعامل مع المواقف الجديدة وحدها، بل نحمل إليها شيئًا من ماضينا، فنرى فيها أحيانًا ما حدث لنا من قبل، لا ما يحدث أمامنا الآن.
ولا يعني ذلك أن علينا تجاهل حدسنا أو إنكار ما نلاحظه، فبعض التصرفات تتكرر حتى تصبح دلالتها واضحة، وبعض العلاقات تفرض علينا أن ننتبه إلى ما يضرنا وأن نضع حدودًا تحمينا. لكن الفرق كبير بين أن نلاحظ سلوكًا ونحاول فهمه، وأن نحوله سريعًا إلى حكم نهائي على صاحبه. فالحذر لا يتطلب سوء الظن، والثقة لا تعني إلغاء العقل، وحسن التفسير لا يعني تبرير كل ما يصدر عن الآخرين. إنما يعني أن نمنح الوقائع حجمها الحقيقي، وألا نضيف إليها من مخاوفنا ما يجعلها أكبر مما هي عليه.
وتزداد الحاجة إلى هذا التمييز في زمن تتسارع فيه الأحكام، وتنتشر فيه المقاطع والصور والعبارات المقتطعة من سياقاتها. قد يرى المرء ثواني قليلة من حدث ما، ثم يكوّن رأيًا كاملًا في أشخاصه ودوافعه. وقد تنتشر صورة واحدة على نطاق واسع، فيبني الناس عليها مواقف حاسمة، بينما تظل تفاصيل أساسية غائبة عنهم. وحين تنتقل هذه الانطباعات بين الناس، قد تتحول كثرة تداولها إلى شعور بأنها حقيقة مؤكدة، مع أن انتشار التفسير لا يجعله صحيحًا بالضرورة.
إن سرعة الوصول إلى المعلومات لا تعني أننا أصبحنا أكثر فهمًا لها. فقد نعرف تفاصيل كثيرة، لكننا لا نعرف كيف نضعها في سياقها، وقد نرى مشاهد متعددة، لكننا لا نملك ما يكفي للحكم على ما تعنيه. فالمعرفة لا تتعلق بما يصل إلينا فحسب، بل أيضًا بقدرتنا على التمييز بين المعلومة والاستنتاج، وبين ما نعرفه وما نرجّحه، وبين ما شاهدناه وما افترضناه. وربما كان من علامات الوعي أن يستطيع الإنسان أن يقول: «لا أعرف بعد»، بدلًا من أن يملأ كل فراغ بإجابة سريعة.
ولعل أكثر ما يحتاج إلى مراجعة في هذه المسألة هو ثقتنا المفرطة في تفسيراتنا. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأننا نعرف لماذا تصرف الآخرون بهذه الطريقة، وأن قراءتنا للموقف هي الأقرب إلى الصواب. لكننا ننسى أن النية لا تُرى كما يُرى الفعل، وأن السياق قد يغير معنى التصرف، وأن الإنسان نفسه قد لا يستطيع دائمًا تفسير دوافعه بدقة كاملة. فإذا كانت معرفتنا بأنفسنا ليست مطلقة، فكيف نتعامل مع دواخل الآخرين كما لو كانت مكشوفة أمامنا؟
ربما نحتاج إلى عادة بسيطة قبل أن نحكم على موقف أو نفسر تصرفًا: أن نفصل بين ما رأيناه وما استنتجناه. أن نسأل أنفسنا: ما الذي أعرفه فعلًا؟ وما الذي افترضته؟ وهل توجد تفسيرات أخرى لم أفكر فيها؟ وفي العلاقات القريبة، قد يكون السؤال المباشر الهادئ أكثر فائدة من سلسلة طويلة من التأويلات. وفي النقاشات العامة، قد يكون التريث في إصدار الحكم أكثر مسؤولية من الانضمام إلى رأي شائع لمجرد أنه يبدو مقنعًا أو ينسجم مع ما نعتقده مسبقًا.
فليس المطلوب أن نتوقف عن الفهم، بل أن ندرك أن الفهم عملية تحتاج إلى وقت، وأن التفسير الأول ليس دائمًا التفسير الصحيح. وليس المطلوب أن نمنح الجميع أعذارًا بلا حدود، بل أن نترك مساحة بين الملاحظة والحكم، وبين التصرف ومعناه، حتى لا تتحول انطباعاتنا إلى حقائق نتصرف على أساسها دون مراجعة.
في النهاية، قد لا نستطيع أن نرى كل شيء، ولا أن نعرف جميع الأسباب التي تقف وراء ما يحدث من حولنا. لكننا نستطيع أن نكون أكثر وعيًا بالطريقة التي نملأ بها ما نجهله، وأن نتذكر أن الصورة التي نراها ليست بالضرورة الصورة الكاملة. فكم من خلاف بدأ بتفسير خاطئ، وكم من علاقة أثقلها حكم متسرع، وكم من إنسان أُسيء فهمه لأن أحدًا لم يمنحه فرصة لشرح ما لم يظهر في المشهد. ربما لا تكمن المشكلة دائمًا في أن الحقيقة غامضة، بل في أننا نستعجل الوصول إليها. فنحن لا نحتاج إلى أن نشك في كل ما نراه، بقدر ما نحتاج إلى أن نتذكر أن الرؤية بداية الفهم، وليست نهايته؛ وأن ما نعتقد أننا نعرفه عن الآخرين قد يكون أحيانًا مجرد قصة أكملناها بأنفسنا.