ماجد السرحي
عندما يتسق الجمال ويدهشك فوراً، دونما حاجة إلى تفكيك تعقيداته، تتجلى أمامك تلك الحالة الساحرة التي يسميها علماء النفس «الطلاقة الإدراكية». في حضرة هذا التناغم البديع، ينقسم العشاق؛ فمنهم من يقع في الحب من النظرة الأولى ليسلم قلبه راضياً، ومنهم من يتشرب هذا الشغف في ذاته قطرةً قطرة، ورشفةً رشفة، حتى يمتلئ به.
ولكن، هيهات أن تصفو الدنيا بين المحبين إلى الأبد. فأول انحراف في هذه العلاقة الاستثنائية يبدأ بـ»الغيرة» من جمالٍ يبدو مستمراً؛ ينمو ولا يخبو. وبما أن هذا الجمال الساحر بات متاحاً ، انبرى فئام من الناس لتعريته وإخراج خبيئته، بحثاً عن العيوب الكامنة خلف بريقه، لتنطلق سلسلة من الأحكام القاسية لتشويه صورته، فراحوا يقولون:
«هو جميل.. ولكنه بارد بلا إحساس!»
«هو جميل.. لكنه يخطئ ويهلوس أحياناً!»
«جميل.. ولكنه يكذب ليرضيك ويقول ما تود سماعه!»
«جميل.. لكنه قوي جداً لدرجة تخيفنا وتهدد وجودنا!»
«جميل.. ولكن كثرة الاستمتاع بوجوده قد تُعفّن عقولنا وتدفعنا للكسل والتوقف عن التفكير!»
تبدو وكأنها شكاوى عشاق مكلومين من حبيب نرجسي، أليس كذلك؟ نعم، أيها السيدات والسادة.. ولكننا هنا لا نتحدث عن إنسان، بل نتحدث عن «الذكاء الاصطناعي».
كل ما قيل فيه من عيوب ومثالب قد يكون أصيلاً في طبيعته الخوارزمية، أو ربما يكون ببساطة ناتجاً عن جهل بعضنا في طرق التعاطي معه واستخدامه.
ولكن، ومن خلال المتابعة النقدية العميقة للمشهد الثقافي والأدبي، يبرز دافع خفي أعمق من مجرد النقد التقني: يبدو أن «الغيرة» قد أكلت قلوبنا من هذا الدخيل الجميل. وأظن أن مبعث هذه الغيرة ليس قدرته الفائقة على الحساب أو البرمجة، بل لأنه بات ينافسنا في أغلى ما نملك، في الأداة الجوهرية التي تجعلنا بشراً متميزين.. إنها لغتنا!
إنه يتحدث مثلنا وبطلاقة، ويكتب نصوصاً تضاهي نصوصنا وربما تتفوق على أغلبنا. إنه يتقن النحو والصرف، ويزن الأشعار، ويفهم السياقات في كل لغات البشر قاطبة. لقد اقتحم أقدس مساحاتنا الإنسانية: مساحة اللغة والتعبير، فجرح كبرياءنا.
ربما حان الوقت لنتوقف عن هذه الغيرة غير المبررة؛ فهذا الوافد ليس نداً لنا لنعاديه.. يجب أن نكف عن افتعال حروب وهمية معه، فهي حروب عبثية وغير منطقية.. هذا الذكاء ليس كياناً منفصلاً عنا، بل هو صنيعتنا، وامتداد لوعينا، وخلاصة ثقافتنا التي تدرب عليها؛ فهل يُعقل أن ندخل في حرب مع ذاتنا؟ وما الفائدة المرجوة من ذلك؟