د. عيسى محمد العميري
في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الخليج العربي، وتزايد المخاوف من عودة المواجهات العسكرية، تبرز الحاجة الملحّة إلى تغليب لغة العقل والحكمة، والتمسك بخيار التهدئة والحوار الدبلوماسي، واستنفاد جميع الفرص المتاحة للوصول إلى تفاهمات تضمن أمن المنطقة واستقرارها، وتجنّب شعوبها والعالم بأسره تداعيات حرب جديدة قد تكون واسعة التأثير وطويلة الأمد. إن منطقة الخليج العربي ليست مجرد مساحة جغرافية تجمع دولاً متجاورة، بل هي شريان حيوي للاقتصاد العالمي، ومركز رئيسي لإمدادات الطاقة والتجارة الدولية والملاحة البحرية. ومن ثم، فإن أي تصعيد عسكري فيها لن تقتصر آثاره على الدول المعنية مباشرة، بل ستمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع، لتنعكس على حياة ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم. ولهذا، فإن الحفاظ على أمن الخليج مسؤولية تتجاوز حدوده الجغرافية، وتتطلب تعاوناً دولياً جاداً لمنع الانزلاق نحو المواجهة. وفي هذا السياق، يصبح الحوار الدبلوماسي ضرورة لا خياراً ثانوياً، إذ ينبغي منح الوساطات الإقليمية والدولية الوقت والمساحة الكافيين لتحقيق نتائج ملموسة، والعمل على معالجة الخلافات عبر التفاوض والالتزام المتبادل بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تترك وراءها خسائر بشرية واقتصادية وأمنية يصعب احتواؤها، بينما تتيح الدبلوماسية فرصاً لبناء الثقة وتجنب الكلفة الباهظة للصراعات. وفي المقابل، يتعين على إيران مراجعة سياساتها تجاه دول المنطقة، والانتقال إلى نهج يقوم على احترام سيادة الجيران، وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، والابتعاد عن الممارسات التي من شأنها تأجيج الأزمات أو توسيع رقعة النزاعات. كما أن بناء علاقات مستقرة مع دول الخليج لا يمكن أن يتحقق في ظل التهديدات المستمرة أو السياسات التي تثير مخاوف الشعوب وتضع أمن المنطقة أمام احتمالات التصعيد. ومن الضروري كذلك التخلي عن التلويح بإغلاق الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لما يمثِّله من أهمية إستراتيجية لحركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية. فحرية الملاحة وأمن الممرات البحرية مصلحة دولية مشتركة، ولا ينبغي تحويلها إلى وسيلة للضغط السياسي أو ورقة في إدارة الخلافات، لما قد يترتب على ذلك من أضرار تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي بأسره. إن شعوب الخليج والمنطقة تستحق مستقبلاً أكثر أناً واستقراراً، تتقدم فيه التنمية والازدهار على حساب الصراعات والمواجهات. والطريق إلى ذلك يبدأ بخفض التصعيد، واحترام القانون الدولي، ووقف التدخلات التي تهدد استقرار الدول، والالتزام الجاد بالحوار. وفي نهاية المطاف، فإن الحكمة السياسية الحقيقية تتمثل في استنفاد جميع السبل السلمية قبل الوصول إلى نقطة المواجهة. فالتهدئة ليست علامة ضعف، بل تعبير عن المسؤولية، والحوار ليس تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة لحمايتها وصون مصالح الشعوب. ويبقى الأمل أن تنتصر لغة الدبلوماسية، وأن تتجه دول المنطقة نحو مرحلة جديدة من التعاون والتعايش، بعيداً عن شبح الحرب وتداعياتها. اللهم احفظ خليجنا آمنًا مطمئنًا. وسائر بلاد المسلمين.
** **
- كاتب كويتي