د. رنا بنت عبدالله الغامدي
وصلتني رسالة من إحدى طالباتي في ليلة الاختبار تعتذر فيها عن الحضور، ولم يكن عذرها من الأعذار المعتادة؛ فقد كانت في مطار الملك خالد الدولي عصر يوم السبت 10 أكتوبر لحظة الاعتداء الجبان الذي استهدف المطار. اطمأننتُ إلى أنها بخير، وطلبت منها الاهتمام بنفسها، وأكدت لها أن الاختبار يمكن تعويضه عند عودتها. بعدها دخلت إلى وسائل التواصل مباشرة، فوجدت سيلًا من الأخبار والمقاطع والتعليقات؛ بعضها يستند إلى بيانات رسمية، وبعضها يعيد تداول صور قديمة أو معلومات مبتورة. ما جرى لم يبقَ داخل المطار؛ فقد عبر الهواتف إلى البيوت وقاعات الدراسة وأماكن العمل. وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني لاحقًا، أسفر الاعتداء عن وفاة 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، إضافةً إلى أضرار في مرافق المطار.
ما حدث مسّنا جميعًا؛ فحب الوطن يجري في عروقنا مجرى الدم، ونحمله في قلوبنا منذ لحظاتنا الأولى، وفي الوقت الذي تسهر فيه قيادتنا ورجال قواتنا المسلحة البواسل وأجهزتنا الأمنية على حماية الوطن وأمنه، فإن لكل واحد منا دورًا من موقعه؛ فالمواطن درع لوطنه، يحمي تماسكه بوعيه وإخلاصه، كلٌّ في مكانه: في المستشفى يواصل الممارسون الصحيون رعاية المرضى، وفي المدرسة والجامعة يواصل المعلم والطالب مسيرتهما، وفي كل ميدان يؤدي الإنسان السعودي عمله بإخلاص، ويساعد من يحتاج إليه.
ومن مسؤوليتنا تجاه الوطن أن ننتبه إلى ما ننقله ونتداوله، سواء في مجالسنا أو عبر منصات التواصل. ففي أوقات الأزمات تتسارع الأخبار، وتختلط الحقائق بالشائعات. وقد يُصنع محتوى مضلل باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيبدو حقيقيًا للوهلة الأولى.
وفي الأيام الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلًا يستحضر المادة الرابعة والثلاثين من النظام الأساسي للحكم، التي تنص على أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن واجب على كل مواطن، ويعكس هذا التفاعل الغيرة على الوطن ورفض الإساءة إليه. نعم، الوطن خط أحمر. لكن سرعة التداول وحرارة اللحظة قد تدفع بعضنا إلى إطلاق الاتهامات قبل التثبت، أو الحشد ضد أشخاص وحسابات، أو المشاركة في حملات السخرية والتنمر الرقمي.
كيف ندافع عن وطننا بما يليق بدولة يحكمها النظام والعدل؟ إن الغيرة على الوطن لا تمنح الأفراد سلطة إصدار الأحكام أو فرض العقوبات عبر المنصات. والتصرف المسؤول يبدأ بالتحقق من المحتوى، وتوثيق ما يُشتبه في مخالفته، وإحالته إلى الجهات المختصة عبر القنوات النظامية. وقد جرم نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل التقنية، فيما يظل تقدير الوقائع وتطبيق الأنظمة من اختصاص الجهات المعنية.
ومن هنا، تتكامل التوعية الفكرية مع الوعي الإعلامي والرقمي؛ فالتفكير النقدي والتمييز بين الخبر والرأي يساعداننا على التعامل بوعي مع ما نقرأ ونسمع، ويسهمان في حماية المجتمع وتعزيز وحدته في مواجهة التضليل والكراهية والتطرف.
وللجامعات دور في ذلك؛ فهي بيئة يتعلم فيها الطلبة كيف يميزون بين النقد المشروع والتنمر، وبين الإبلاغ المسؤول والتشهير، ومن خلال حملات التوعية والإرشاد والسياسات الواضحة، تستطيع الجامعة أن تعزز احترام الآخرين وخصوصيتهم، وأن توفر بيئة تحفظ الكرامة والأمان، كما تستطيع أن تشرك الطلبة في إعداد رسائل توعوية تصل إلى زملائهم وأسرهم.
وقد اقترحت في مقال سابق بعنوان «الوعي يحمي الأوطان»، إعداد سفراء للوعي الفكري من الطلبة والشباب. وأعود اليوم إلى هذا المقترح، في ضوء ما نشهده من أحداث، إذ تتأكد حاجتنا إلى تحويله إلى عمل يشارك فيه أبناؤنا من مختلف مناطق المملكة؛ من خلال مبادرة تعزز الوعي الإعلامي والرقمي، وتسهم في الأمن الفكري والتماسك المجتمعي، وتساعدهم على التحقق من المعلومات والتعامل المسؤول مع ما يتداولونه. ويمكن أن تتعاون وحدات التوعية الفكرية في الجامعات والجهات ذات العلاقة في تنفيذها، بتنسيق أو متابعة من إمارات المناطق، وفق ما تراه الجهات المختصة مناسبًا.
الوقوف مع الوطن أكبر من وسمٍ نتداوله، وعندما نتعامل مع ما يصل إلينا بمسؤولية، فإننا نمارس معنى المواطنة في أدق تفاصيل حياتنا.
أبشر بنا يا موطني، في مواقع عملنا، وفي مجالسنا، وعبر منصاتنا؛ نثق في قيادتنا، ونصون وحدتنا، ونؤدي مسؤوليتنا، كلٌّ من موقعه.