عبدالرحمن العطوي
في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بظروف استثنائية تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية تطل علينا من جديد واحدة من أخطر أدوات التضليل الإعلامي التي تستهدف أمن المجتمعات واستقرارها وتتمثل في إعادة تدوير فيديوهات قديمة وانتزاعها من سياقاتها الأصلية ثم تقديمها للناس على أنها أحداث تقع الآن داخل المملكة العربية السعودية في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وصناعة الخوف وتضليل الرأي العام وإيهام المتابعين بأن ما يشاهدونه حقيقة راهنة بينما تكشف عمليات التحقق أن بعض تلك المشاهد يعود إلى حوادث وقعت قبل سنوات أو جرت في دول أخرى لا علاقة لها بالمكان أو الزمان اللذين تحاول الحسابات المضللة إلصاقها بهما
إنها ليست مجرد أخطاء عابرة في النشر وليست كلها تصرفات بريئة من أشخاص لم يتحققوا من صحة ما ينقلون بل إن تكرار هذه الممارسات وتزامنها مع الأزمات وتصاعد تداول المقاطع ذات العناوين المثيرة يطرح تساؤلات جدية حول وجود حملات تضليل تستثمر الأحداث وتستغل مشاعر الناس لتحقيق أهداف تتجاوز مجرد حصد المشاهدات إلى محاولة التأثير في الوعي العام والنيل من الثقة وإثارة القلق في مجتمع ينعم بفضل الله بالأمن والاستقرار وليس أدل على خطورة هذا الأسلوب مما شهدته المنطقة خلال التصعيد الإقليمي من تداول مقاطع قديمة نسبت زوراً إلى هجمات وأحداث حديثة في دول خليجية فقد كشفت عمليات تحقق إعلامية نشرت في مارس 2026 أن مقاطع جرى تقديمها على أنها توثق استهدافات حديثة في الخليج تعود في الحقيقة إلى وقائع سابقة في أماكن وأزمنة مختلفة كما رصدت تقارير تحقق في أكتوبر 2026 مقاطع قديمة وأخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي جرى تداولها على أنها مشاهد مرتبطة بأحداث حديثة في الرياض وهو ما يؤكد أن إعادة تدوير المحتوى المضلل أصبحت جزءاً من المشهد الإعلامي المصاحب للأزمات وأن الصورة المتداولة لم تعد دليلاً كافياً على صحة الرواية التي تصاحبها.
ومن هنا فإن الخطر لا يكمن في المقطع القديم وحده بل في اليد التي تعيد نشره والعنوان الذي يرافقه والتوقيت الذي اختير لبثه والرسالة التي يراد إيصالها إلى الناس فحين يؤخذ مشهد من حادثة وقعت في دولة أخرى ثم يوضع تحت عنوان يوحي بأنه حدث داخل المملكة فإننا أمام تزوير للحقيقة واستغلال متعمد لقدرة الصورة على التأثير في المشاعر قبل أن يعمل العقل على التحقق والتحليل والأشد خطورة أن بعض الحسابات المجهولة أو التي تثير الشكوك في طبيعة نشاطها تتعامل مع هذه المقاطع وكأنها ذخيرة في معركة إعلامية مفتوحة فتضخها بكثافة وتعيد نشرها بصيغ مختلفة وتلحق بها عبارات عاجلة ومثيرة وتدفع بها إلى واجهة الاهتمام مستفيدة من سرعة الانتشار ومن ميل بعض المستخدمين إلى إعادة النشر بدافع الخوف أو الغضب أو الرغبة في التحذير دون أن يتوقفوا لحظة للسؤال عن المصدر الحقيقي للمقطع وتاريخ تصويره ومكان وقوع الحادثة
وهنا ينبغي أن ندرك أن كل من يعيد نشر مادة مضللة لا يصبح بالضرورة جزءاً من مخطط متعمد ولكن النتيجة قد تكون واحدة حين تتحول إعادة النشر غير الواعية إلى وسيلة تمنح الكذب انتشاراً أوسع وتضاعف أثره وتساعد على تحقيق أهداف من صنعوه حتى لو كان الناشر حسن النية ويعتقد أنه يؤدي واجباً في التنبيه والتحذير.
إن المملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل سياسي ومكانة إقليمية ودولية وما تنعم به من أمن واستقرار وما تشهده من تنمية شاملة ليست بمنأى عن الاستهداف الإعلامي ولا عن محاولات التشويش التي تتكثف عادة في أوقات الأزمات فهناك من يدرك أن زعزعة الطمأنينة لا تحتاج دائماً إلى حدث حقيقي بل قد تكفي صورة قديمة وعنوان كاذب وحساب مجهول حتى تتسع دائرة القلق ويجد أصحاب الأجندات فرصة لبث رسائلهم المسمومة ولذلك فإن الوعي بحقيقة هذه الأساليب يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة كل محاولة تستهدف الوطن أو تسعى إلى الإساءة إلى صورته وتزداد خطورة هذه الحملات حين تتجاوز التضليل بشأن الأحداث إلى استهداف النسيج الاجتماعي ومحاولة الزج بفئات سنية معينة في دائرة الاتهام أو التحريض أو تصوير المجتمع وكأنه منقسم على نفسه وهي ممارسة خبيثة تسعى إلى تحويل الاختلافات الطبيعية إلى خصومات مصطنعة وإلى زرع الشك بين أبناء الوطن الواحد وإشغالهم بمعارك جانبية تخدم أعداء الوطن.
إن المجتمع السعودي الذي أثبت عبر تاريخه تماسكه والتفافه حول قيادته وحرصه على أمن وطنه يدرك أن وحدته ليست مجالاً للتلاعب ولا مادة تستباح في سوق التحريض وأن استهداف فئة من أبنائه أو إثارة النعرات بينهم لا يخدم إلا أصحاب الفتن ومن يبحثون عن أي ثغرة ينفذون منها إلى استقرار البلاد ولذلك يجب أن يكون الموقف واضحاً في رفض خطاب الكراهية والتحريض والتصنيف وأن يكون الانتماء للوطن والاحتكام إلى الحقيقة واحترام الجميع أقوى من محاولات الاستدراج إلى مساحات الشحن والعداء.
إن أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تعتمد دائماً على اختلاق حدث من الصفر بل قد تستخدم مادة مصورة حقيقية بالفعل لكنها تنتزعها من زمنها ومكانها وتمنحها معنى جديداً كاذباً وهنا يصبح التضليل أكثر قدرة على خداع المتلقي لأن المشهد موجود أمام عينيه ولأن الصورة تبدو مقنعة في ظاهرها بينما الحقيقة الغائبة تكمن في تاريخها وسياقها وهو ما يجعل التحقق من المقاطع المصورة ضرورة لا تقل أهمية عن التحقق من الأخبار المكتوبة.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح بالإمكان إنشاء مشاهد تبدو واقعية أو تعديل مقاطع وأصوات بما يوهم المشاهد بأنها توثق وقائع حقيقية وهو ما يضاعف مسؤولية المستخدمين ويجعل التسليم بصحة أي مقطع لمجرد انتشاره أو كثرة التفاعل معه أمراً بالغ الخطورة فعدد المشاهدات لا يصنع الحقيقة وكثرة الحسابات التي تتناقل الرواية نفسها لا تجعلها صحيحة والعبارات التي تتصدر المنشورات بكلمة عاجل لا تمنحها المصداقية.
وفي مواجهة هذا المشهد لا بد من تعزيز دور الإعلام المهني في كشف التضليل وتوضيح الحقائق للرأي العام وعدم ترك المجال للشائعات كي تملأ الفراغ المعلوماتي كما تبرز أهمية متابعة ما يصدر عن الجهات الرسمية السعودية ووكالة الأنباء السعودية واس والجهات المختصة وعدم بناء المواقف على مقاطع مجهولة المصدر أو روايات لا تستند إلى معلومات موثوقة.
وقد أكدت وزارة الداخلية في تنبيهاتها بشأن التطورات الإقليمية أهمية عدم تداول الشائعات والمقاطع مجهولة المصدر واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية كما حذرت الجهات المعنية من خطورة نشر المحتوى غير الموثوق وهي رسائل تؤكد أن المسؤولية في هذه الظروف ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها بل مسؤولية كل مستخدم يحمل هاتفاً ويستطيع بضغطة واحدة أن يسهم في حماية الوعي أو في توسيع دائرة التضليل
إن الوطنية في زمن الأزمات ليست شعارات ترفع ولا اندفاعاً غير محسوب خلف كل ما يثير المشاعر بل هي وعي يحمي الوطن من الأكاذيب ومسؤولية تمنع الإضرار بالمجتمع وحكمة تميز بين الخبر الصحيح ومحاولة الاستغلال الرخيص فليس كل من يرفع شعار الحرص على الوطن حريصاً عليه وليس كل من ينشر مقطعاً مثيراً يؤدي خدمة للناس فقد يكون من حيث لا يدري أداة في يد من يريد بث الخوف والارتباك والإساءة إلى سمعة البلاد.
ولهذا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي التوقف قبل إعادة النشر والتحقق من تاريخ المقطع ومكانه والبحث عن مصدره الأصلي ومقارنته بما تنشره الجهات الرسمية والمؤسسات الإعلامية الموثوقة والإبلاغ عن المحتوى المضلل عبر القنوات المعتمدة بدلاً من إعادة تداوله على نطاق أوسع حتى لو كان القصد تفنيده أو التحذير منه فالمعركة اليوم لا تدور على حدود الجغرافيا وحدها بل تمتد إلى العقول والوعي والثقة العامة وفي هذه المعركة قد تكون إعادة نشر مقطع قديم من دون تحقق خدمة مجانية لحملة تستهدف الوطن وقد يكون الامتناع عن نشره موقفاً وطنياً يحرم أصحاب التضليل من تحقيق غايتهم ستبقى المملكة العربية السعودية بإذن الله قوية بقيادتها وشعبها ومؤسساتها وستظل ثقة المواطن بوطنه أكبر من أن تهزها مقاطع مبتورة أو حسابات مجهولة أو حملات عابرة تستثمر الظروف وتراهن على سرعة النسيان وضعف التحقق غير أن صيانة هذه الثقة مسؤولية مشتركة تبدأ من الكلمة الصادقة وتمتد إلى كل صورة وخبر ومقطع يجري تداوله فلا تمنحوا الكذب أعماراً جديدة بإعادة نشره ولا تسمحوا للمقاطع القديمة بالتداول ولا تجعلوا من منصات التواصل جسوراً تعبر عليها حملات التضليل إلى بيوت الناس وقلوبهم فالوطن أكبر من أن تنال منه رواية مفبركة وأغلى من أن نكون نحن بأيدينا أدوات لنشر ما يسيء إليه.