ماجد البريكان
ليست كل معلومة متداولة خبرًا، وليس كل حساب واسع الانتشار مصدرًا، ولا تصبح الرواية حقيقة لمجرد أن آلاف الأشخاص أعادوا نشرها. هذه قاعدة ينبغي أن تحضر في أذهاننا كلما ازدحمت منصات التواصل الاجتماعي بالأخبار المتناقضة، والاجتهادات غير المسؤولة، والمعلومات التي تُنسب إلى جهات دون بيان منها أو دليل يمكن التحقق منه.
في هذا المشهد، تتأكد أهمية العودة إلى المصادر الرسمية والقنوات والصحف السعودية التي تلتزم بقواعد العمل المهني؛ فحاجة المتلقي إلى المعلومة الصحيحة أكبر من حاجته إلى المعلومة السريعة، وما ينفع الناس هو الخبر الذي يستطيعون الوثوق بمصدره، وفهم سياقه، والبناء عليه دون أن يقعوا ضحية تضليل أو تهويل.
لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للجميع فرصة النشر والتعليق، لكنها لم تمنح الجميع أدوات الصحافة ولا مسؤوليتها. وبين حرية التعبير وممارسة العمل الإخباري فرق جوهري؛ فمن حق الإنسان أن يعرض رأيه، لكن تقديم الادعاءات على أنها حقائق يستوجب الدليل، ونسبة المعلومات إلى المؤسسات تستوجب الرجوع إليها، والحديث فيما يمس مصالح الناس وأمنهم وطمأنينتهم يقتضي قدرًا أعلى من التثبت والمسؤولية.
تبدأ مشكلة الشائعة حين يتقدم الحرص على السبق على واجب التحقق. ينشر حساب معلومة مجهولة المصدر، وينقلها آخر بصيغة جازمة، ثم تتسع دائرة تداولها حتى يظن المتلقي أن كثرة ناقليها دليل صحتها، مع أن الجميع قد يكونون قد أخذوها من المصدر المجهول نفسه. وهكذا تتحول إعادة النشر، في نظر البعض، إلى توثيق زائف، ويصبح الانتشار بديلًا عن البرهان.
هنا تظهر قيمة المؤسسة الإعلامية المهنية. فالخبر فيها يمر بمراحل من التحرير والمراجعة والتحقق، وتقف وراءه جهة معروفة تتحمل مسؤولية ما تنشر. وهذه المسؤولية هي أساس الثقة؛ إذ يستطيع القارئ أن يعرف مصدر المعلومة، ويميز التصريح الرسمي من التحليل، ويفصل الخبر عن الرأي، ويجد تصحيحًا واضحًا إذا وقع خطأ. فالموثوقية لا تعني ادعاء العصمة، وإنما تعني الالتزام بالدقة والمساءلة والتصحيح.
ومن هذا المنطلق، تظل للقنوات الرسمية والصحف السعودية الملتزمة بالمعايير المهنية أولوية في استقاء الأخبار، خصوصًا عندما تتصل بقرارات الجهات الحكومية، والخدمات العامة، والقضايا التي تمس حياة المواطنين والمقيمين. فالبيان الصادر عن الجهة المعنية هو المرجع في معرفة قرارها، والتغطية الصحفية الموثوقة تشرح تفاصيله وسياقه، وتطرح الأسئلة التي يحتاج الجمهور إلى إجابات عنها.
ولا تتحدد قيمة الخبر بالوسيلة التي وصل من خلالها وحدها؛ فقد نقرأ بيانًا رسميًا أو تقريرًا صحفيًا عبر منصة اجتماعية، فيكون مصدره واضحًا ومعلومًا. العبرة بمن يقف وراء المعلومة، وكيف حصل عليها، وما الدليل الذي يسندها. ولذلك لا يجوز مساواة حساب ينشر بلا توثيق بمؤسسة تتحقق وتراجع وتتحمل تبعات النشر، لمجرد أن الاثنين يظهران على الشاشة نفسها.
ومع ذلك، فإن الثقة التي تحظى بها وسائل الإعلام السعودية تضع على عاتقها مسؤولية متجددة: أن تكون حاضرة، وسريعة في التوضيح، وقريبة من أسئلة الناس. فالتأخر في تقديم المعلومة يترك فراغًا تتسلل منه الشائعة، والغموض يفتح الباب للتأويل. وكلما اجتمعت سرعة الاستجابة مع دقة المحتوى ووضوحه، تعززت مكانة الإعلام المهني بوصفه مرجعًا يعتمد عليه الجمهور.
أما المتلقي، فله دور لا يقل أهمية. فقبل أن يعيد إرسال خبر، عليه أن يسأل: من نشره أولًا؟ وهل صدر عن الجهة المعنية؟ وهل نقلته وسيلة موثوقة؟ وهل هو حديث أم مادة قديمة أُعيد تداولها خارج سياقها؟ هذه الأسئلة البسيطة كفيلة بإيقاف كثير من التضليل، وحماية الناس من المشاركة فيه دون قصد.
إن أولوية الإعلام الموثوق تنبع من حاجة المجتمع إلى الحقيقة. وفي زمن يستطيع فيه أي شخص أن ينشر خلال ثوانٍ، تزداد قيمة من يتثبت قبل النشر، ويتحمل مسؤولية كلمته بعده. ولهذا تبقى العودة إلى المصادر الرسمية والقنوات والصحف السعودية المهنية خيارًا واعيًا؛ لأن الخبر لا تُقاس قيمته بعدد من تداولوه، بل بصدق ما يحمله، ووضوح مصدره، وأمانة من نقله.