ثامر الشهراني
حين تتناقض الشعارات مع الأفعال، تنكشف حقيقة الخطاب مهما ارتفعت نبرته. وشظايا الصاروخ الحوثي في محيط مكة المكرمة تضع جماعة الحوثي أمام سؤال لا تستطيع الشعارات الدينية الإجابة عنه: كيف يجتمع الادعاء بنصرة الإسلام مع أفعال تعرّض أمن أقدس بقاعه للخطر؟ هنا تتجاوز القضية الحسابات العسكرية لتصبح اختبارًا لصدقية خطاب يتخذ الدين غطاءً لممارساته.
فأيّ نصرة للإسلام تُبرّر استهداف مكة المكرمة؟ وأيّ خطاب ديني يقنع المسلمين بصدقه حين يصبح أمن مقدساتهم عرضة للاستهداف؟ إن خدمة الدين لا تُقاس بما يُرفع من شعارات، بل بما يُصان من حرمات، وما يُحفظ من أرواح، وما يُتخذ من مواقف تحمي المسلمين ومقدساتهم. وحين تتعارض الأقوال مع الأفعال، تكون الوقائع هي المعيار، لا الادعاءات.
ولا تقف المفارقة عند الحوثيين، بل تمتد إلى بعض الأصوات القومجية التي رفعت صوتها احتجاجًا على رسوم أساءت إلى نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، واتخذت الدفاع عن المقدسات عنوانًا لمواقفها، ثم خفت صوتها حين تعلّق الأمر باستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة. فأين يذهب الغضب حين تتغير هوية الفاعل؟ وهل تُقاس حرمة المقدسات بمواقف سياسية مسبقة، أم أنها مبدأ ثابت لا يتبدل بتبدل الخصوم والحلفاء؟
إن القضية ليست مفاضلة بين إساءة وأخرى، بل اختبار لوحدة المعيار الأخلاقي. فمن يرفض الإساءة إلى النبي الكريم بالكلمة أو الرسم، عليه أن يرفض بالوضوح نفسه كل فعل يعرّض أمن الحرمين للخطر، بصرف النظر عن مرتكبه أو الشعار الذي يرفعه. فالدفاع عن المقدسات لا يقبل الانتقاء، وحرمتها لا تخضع لحسابات المحاور السياسية. أما الغضب الذي يظهر في مواجهة خصم ويغيب أمام حليف، فيفقد اتساقه ويثير تساؤلات مشروعة عن حقيقة المبادئ التي يعلنها أصحابها.
والأخطر أن تتحول القضايا الدينية إلى أوراق في صراعات السياسة؛ فيُستثمر الحدث حين يخدم موقفًا مسبقًا، ويُتجاهل حين يحرج طرفًا تتقاطع معه المصالح. عندها يصبح الصمت نفسه موضع مساءلة، لا لأن الجميع ملزمون بتبني موقف سياسي واحد، بل لأن ثبات المبادئ يقتضي رفض استهداف المقدسات دون استثناء أو ازدواجية.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تظل حماية الحرمين الشريفين وصون أمن المملكة مسؤولية كبرى تضطلع بها المملكة ومؤسساتها، وتحظى بمكانة راسخة لدى السعوديين. فمكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة للمزايدة، بل مقدستان تتعلق بهما قلوب المسلمين في أنحاء العالم. ومن ثم، فإن حماية أمنهما تستلزم اليقظة والجاهزية، وتستدعي الوعي بخطورة الاعتداءات التي تمس أمن المملكة أو تعرّض قاصدي الحرمين للخطر.
وعليه، فإن الشعارات لا تمنح أصحابها صكوك البراءة، ولا تحوّل الادعاء بنصرة الدين إلى حقيقة. فمن يزعم الدفاع عن الإسلام، كيف يبرر أفعالًا تعرّض مقدساته للخطر؟ ومن انتفض غضبًا لإساءة رُسمت، أين موقفه حين يصبح أمن مكة والمدينة في دائرة الاستهداف؟ إن المعيار الحقيقي ليس ما نقوله حين تخدمنا المواقف، بل ما نلتزم به حين تختبر الوقائع صدق مبادئنا.