«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
من الزخارف الهندسية المتشابكة إلى التكوينات النباتية والخط العربي، يحفظ الفخار الإسلامي سجلًا من الابتكار الفني والتقني، تتجلى فيه قدرة الخزّاف على تحويل الطين إلى أعمال تجمع بين الوظيفة والجمال. اليوم، تستعيد هذه المفردات حضورها في الممارسة الخزفية المعاصرة، لا بوصفها نماذج تُستنسخ، بل مرجعيات جمالية تُعاد قراءتها لتوليد تصاميم تستلهم التراث وتعبّر عن رؤى فنية جديدة.
في هذا الإطار، يقدّم المعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث» برنامجًا تخصصيًا لاستكشاف التراث الخزفي الإسلامي وتوظيفه في أعمال معاصرة، خلال الفترة من 1 إلى 19 نوفمبر 2026، بمقره الرئيسي في الرياض، بإجمالي 75 ساعة تدريبية موزعة على 15 يومًا، من العاشرة صباحًا حتى الثالثة مساءً.
يجمع البرنامج بين الدراسة التاريخية والبحث البصري والتطبيق العملي، بهدف تمكين المشاركين من فهم الخصائص الفنية للفخار الإسلامي، وتطوير تصاميم تستثمر عناصره الجمالية وتقنياته في إنتاج أعمال تعكس الهوية الثقافية بروح معاصرة.
التراث.. من المرجعية إلى الابتكار
تتجلى خصوصية الفخار الإسلامي في التوازن بين المنفعة والجمال؛ فالإناء ليس مجرد أداة للاستخدام اليومي، بل مساحة تتفاعل فيها الأشكال والنسب والألوان والزخارف ضمن تكوين متكامل. وقد تنوعت تطبيقات هذا الفن بين الأواني المزخرفة بالبريق المعدني والبلاطات الخزفية المستخدمة في العمارة، مستفيدة من تطور تقنيات التشكيل والتزجيج والتلوين.
وتكشف التجارب التاريخية عن ثراء المفردات الفنية التي اعتمدها الخزّافون، من الهندسة القائمة على التناسب والتكرار، إلى الزخارف النباتية والكتابات، فضلًا عن العناصر التصويرية في بعض التقاليد. وأسهم اختلاف البيئات والعصور في تنوع الأساليب، وتبادل الخبرات بين مراكز الإنتاج في العالم الإسلامي ومحيطه الحضاري.
ولا يتحقق الاستلهام المعاصر بمجرد نقل هذه العناصر إلى قطعة جديدة، بل بفهم أسسها الجمالية وإعادة توظيفها؛ إذ يمكن تحويل النمط الهندسي إلى بناء تشكيلي مبتكر، أو استخدام الخط العربي عنصرًا بصريًا، أو تطوير الزخارف النباتية بما ينسجم مع أشكال ووظائف مختلفة.
من البحث إلى التشكيل
يبدأ المسار التدريبي بدراسة المراجع التاريخية والمتحفية وتحليل نماذج الخزف الإسلامي، ثم تحويل نتائج البحث إلى تصاميم أولية قابلة للتطوير. وينتقل المشاركون بعد ذلك إلى بناء أشكال خزفية متنوعة، تشمل القطع البسيطة وتلك المزودة بأغطية، وتطبيق الزخارف الهندسية والخط العربي على الأسطح الطينية باستخدام الفرشاة أو الرش.
يتضمن البرنامج أيضًا تحضير طلاءات الطين المعروفة باسم «الإنغوب» (Engobes)، وضبط كثافتها النوعية وفق متطلبات التطبيق، إلى جانب تنفيذ مراحل التجفيف والتحضير للحرق الأولي، مع مراعاة معايير السلامة والجودة.
ويمنح هذا المسار الجانب التقني مكانة أساسية في العملية الإبداعية؛ فنجاح العمل لا يرتبط بالفكرة والتصميم وحدهما، بل يتطلب معرفة بخصائص الخامة، وإتقان تشكيلها، واختيار المعالجة السطحية الملائمة، والتحكم في مراحل الإعداد والتنفيذ.
الهندسة والخط واللون.. مفردات تتجدد
تتيح الزخارف الهندسية إمكانات واسعة لبناء تكوينات تتسم بالتوازن والترابط، من خلال التناسب والتناظر والتشابك. كما تمنح الزخارف النباتية والخط العربي الفنان خيارات تشكيلية تجمع بين الإيقاع البصري والتعبير الجمالي، فيما تضيف تقنيات التزجيج والتلوين أبعادًا أخرى إلى سطح القطعة.
ويبرز الخزف ذو البريق المعدني مثالًا على التقاء الابتكار التقني بالأثر الجمالي؛ إذ تمنح معالجته الخاصة السطح انعكاسات معدنية تتفاعل مع الضوء. وتكشف هذه التقنية، إلى جانب تنوع أساليب التلوين والزخرفة، عن قدرة الخزّافين في الحضارة الإسلامية على تطوير معالجات تتجاوز الجانب الوظيفي إلى بناء هوية بصرية مميزة.
وفي الأعمال المعاصرة، تتسع إمكانات هذه المفردات حين تتفاعل مع هيئة القطعة وملمسها ووظيفتها، فتتحول من عناصر موروثة إلى أدوات للتعبير الفردي. يتطلب ذلك وعيًا بالمرجع التاريخي ومرونة في التعامل معه، بما يحفظ خصوصيته الثقافية ويتيح في الوقت نفسه مساحة للتجريب.
مخرجات تخصصية وشروط للالتحاق
يستهدف البرنامج تمكين المتدربين من تحليل الخصائص الفنية للفخار الإسلامي، وإجراء بحوث بصرية تستند إلى مصادر تاريخية ومتحفية، وتطوير تصاميم مستوحاة من جمالياته، ثم تنفيذ نماذج خزفية وتطبيق الزخارف عليها باستخدام تقنيات معاصرة.
تشمل المخرجات اكتساب مهارات تشكيل القطع، وتحضير طلاءات الطين وضبط كثافتها، وتنفيذ مراحل التجفيف والاستعداد للحرق الأولي، بما يعزز قدرة المشاركين على الربط بين البحث والتصميم والتنفيذ.
ونظرًا إلى طبيعته التخصصية، يشترط البرنامج إتمام برامج الفنون التقليدية في الفخار المقدمة من «وِرث»، أو برامج معتمدة مماثلة لدى جهات متخصصة، مع تقديم ما يثبت ذلك، وإرفاق السيرة الذاتية أو ملف أعمال في مجال الفخار والسيراميك.
التراث الحرفي في سياق معاصر
يمثل استلهام الفن الإسلامي في تشكيل الفخار مجالًا لتجديد الممارسة الحرفية، عبر وصل المعرفة التاريخية بالتجريب الفني، وتطوير أعمال تستفيد من الموروث دون التقيد بقوالبه القديمة. وتكتسب البرامج التي تجمع بين البحث والتطبيق أهمية خاصة في هذا السياق، لما تتيحه من فهم أعمق للعناصر الجمالية والتقنيات التي أسهمت في تشكيل هذا الإرث.
فحين يعيد الخزّاف بناء الزخرفة أو توظيف الخط أو تطوير التكوين الهندسي وفق رؤيته وإمكانات خامته، تتحول الذاكرة الفنية إلى نقطة انطلاق لإبداع جديد، ويغدو الطين وسيطًا يلتقي فيه التاريخ بالتجديد، في أعمال تستحضر الهوية الثقافية وتمنحها حضورًا معاصرًا.