عبد العزيز بن صالح الفريدي
لا تُقاس قيمة الإصلاح الاقتصادي بما يحققه من نمو في المؤشرات الكلية، أو بما يستقطبه من استثمارات ويطلقه من مشروعات كبرى فحسب، وإنما بقدرته على ترجمة هذه المنجزات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، وتعزيز قدرتهم على مواجهة متطلبات المعيشة، وتوسيع آفاق العمل والاستقرار والتقدم أمامهم. ومن هذا المنطلق، تأتي القرارات الملكية الكريمة والإجراءات المصاحبة لها تجسيدًا لنهج سعودي يوازن بين مقتضيات التطوير الاقتصادي وضرورات الحماية الاجتماعية، ويؤكد أن المواطن ليس مجرد مستفيد من ثمار التنمية، بل هو غايتها ومحور أولوياتها. فمهما بلغ الاقتصاد من قوة وتنافسية، تظل قدرته على تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار المعيشي للمجتمع هي المعيار الأصدق لنجاح مسيرته التنموية واستدامة مكتسباتها.
إن القرارات الاقتصادية والاجتماعية لا تُتخذ بمعزل عن المتغيرات التي يشهدها المجتمع والأسواق، بل تأتي في إطار تقدير متواصل لمتطلبات المرحلة وما تفرضه من تحديات وفرص، بل تأتي في إطار تقدير متواصل لمتطلبات المرحلة، وما تفرضه من تحديات وفرص. فالمملكة تمضي في تنفيذ برنامج تحول واسع يستهدف تنويع مصادر الدخل، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتوسيع قاعدة الإنتاج، ورفع تنافسية الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تضع في اعتبارها أن نجاح هذا المسار يتطلب تمكين المواطن من مواكبة التغيير، وتوفير مقومات الاستقرار التي تساعده على المشاركة الفاعلة في التنمية.
ومن هنا تبرز أهمية التدابير الموجهة إلى دعم الفئات المستحقة، بوصفها أداة لتحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، لا باعتبارها بديلًا عن الإصلاح أو خروجًا على مقتضياته، ويكتسب الدعم المالي المقرر للفئات المحددة من الموظفين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين والمستفيدين المشمولين بنظام التأمينات الاجتماعية، إلى جانب الأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي، أهمية خاصة من زاوية أثره المباشر في الموازنات الأسرية.
فالمساندة المالية المنتظمة، متى وُجهت إلى مستحقيها وفق ضوابط واضحة، يمكن أن تساعد على تخفيف جانب من الأعباء المعيشية، وتعزز قدرة الأسر على ترتيب أولويات الإنفاق وتلبية احتياجاتها الأساسية. كما أن توفير هذا النوع من الدعم يعكس إدراكًا لأهمية البعد الاجتماعي في إدارة التحولات الاقتصادية، وأن السياسات الناجحة هي التي تراعي تفاوت الظروف والقدرات، وتعمل على حماية الفئات الأكثر احتياجًا دون الإخلال بأهداف الاستدامة المالية وكفاءة توجيه الموارد العامة.
وتتصل بهذه الرؤية مسألة تعديل تعريفتي استهلاك الكهرباء والمياه اعتبارًا من الأول من يناير 2027، وهي خطوة تكتسب أهميتها من ارتباطها بخدمات أساسية تمس الحياة اليومية لكل أسرة. فإدارة هذه الموارد تتطلب تحقيق توازن دقيق بين كلفة توفيرها، واستدامة البنية التحتية اللازمة لها، والمحافظة على كفاءة الاستهلاك. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة وضوح الآليات المنظمة للتعريفات، وشفافية احتسابها، ومراعاة أثرها في الأسر، بالتوازي مع برامج الدعم الموجهة للفئات المستحقة. فالمقصود من السياسات الاقتصادية المستدامة ليس مجرد تعديل الأسعار أو إعادة تنظيم الإنفاق، بل بناء منظومة أكثر كفاءة وقدرة على الاستمرار، مع الحد من الآثار المعيشية التي قد تترتب على التحولات الاقتصادية.
غير أن البعد الأبعد أثرًا في مستقبل سوق العمل يتمثل في رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملًا في نسب التوطين ضمن برنامج «نطاقات» إلى خمسة آلاف ريال، ثم إلى ستة آلاف ريال وفق الجدول الزمني المعلن. فهذا التوجه يضع جودة الوظيفة في صدارة الاهتمام، وينقل النقاش حول التوطين من مجرد زيادة أعداد السعوديين العاملين إلى تعزيز القيمة الاقتصادية والمهنية للوظائف التي يشغلونها. فليس الهدف أن يحصل المواطن على فرصة عمل فحسب، بل أن تكون هذه الفرصة أكثر قدرة على توفير دخل مناسب، واكتساب الخبرة، وبناء مسار مهني قابل للتطور، بما يعزز شعوره بالأمان الوظيفي ويزيد قدرته على التخطيط لمستقبله.
هذا التوجه من شأنه أن يدفع منشآت القطاع الخاص إلى مراجعة هياكل الأجور، وتحسين سياسات الاستقطاب والتدريب، ورفع إنتاجية العاملين، والبحث عن نماذج تشغيل أكثر كفاءة. كما أنه يعزز أهمية الاستثمار في المهارات الوطنية، وربط الأجور بمستويات التأهيل والمسؤولية والإنتاجية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة المنشآت، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، على التكيف التدريجي مع المتطلبات الجديدة، وبوجود رقابة فعالة تضمن التطبيق العادل، وتحد من صور الالتفاف على متطلبات التوطين. فالتوطين المستدام لا يتحقق بالقرارات التنظيمية وحدها، وإنما بتكامل السياسات التي تجعل توظيف المواطن خيارًا اقتصاديًا ناجحًا للمنشأة، ومسارًا مهنيًا مجزيًا للعامل، وتكتسب هذه السياسات دلالة إضافية عند النظر إلى بيانات الهيئة العامة للإحصاء التي أظهرت انخفاض معدل البطالة بين السعوديين إلى سبعة في المئة في الربع الرابع من عام 2024، مقارنة بسبعة فاصلة ثمانية في المئة خلال الفترة نفسها من عام 2023. فهذا التحسن يعكس تقدمًا في مسار توسيع فرص العمل، لكنه يذكّر في الوقت ذاته بأن المرحلة التالية تتطلب التركيز على نوعية الوظائف، ومستويات الدخل، والاستقرار المهني، ومواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد. فكلما ارتفعت جودة الوظائف، ازدادت قدرة سوق العمل على استيعاب الكفاءات الوطنية، وتعززت مساهمة المواطنين في الإنتاج والنمو، واتسعت قاعدة الاستهلاك المستند إلى دخول مستقرة.
وفي ضوء مستهدفات رؤية المملكة 2030، تبدو هذه الإجراءات جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية، ومجتمع أكثر قدرة على الاستفادة من فرص التنمية. فالرؤية لا تستهدف التحول في بنية الاقتصاد فحسب، بل تسعى كذلك إلى توسيع مشاركة المواطنين في النشاط الاقتصادي، ورفع كفاءتهم، وتحسين جودة حياتهم. ومن ثم، فإن التكامل بين الدعم الاجتماعي وتطوير سوق العمل وإعادة تنظيم استخدام الموارد يمثل عنصرًا مهمًا في بناء نموذج تنموي يوازن بين الطموح الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية.
إن القيمة الحقيقية لهذه القرارات لا تتوقف عند الأرقام المعلنة، بل تتحدد بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وقدرتها على دعم الفئات المستحقة، وتحسين جودة الوظائف، وتعزيز الإنتاجية والاستدامة. كما أن نجاحها يتطلب متابعة التنفيذ، وقياس النتائج، والاستماع إلى احتياجات المجتمع وقطاع الأعمال، وتطوير الأدوات التنظيمية كلما دعت الحاجة.
فالإصلاح الاقتصادي الأكثر رسوخًا هو الذي يجمع بين كفاءة السياسات ووضوح أهدافها وعدالة تطبيقها، ويجعل المواطن شريكًا في مسيرة التحول لا مجرد متلقٍ لنتائجها. وهذا هو جوهر التنمية المستدامة: اقتصاد يتقدم بثقة، ومجتمع يواكب تحوله، ومواطن يجد في ثمار النمو ما يعزز استقراره ويمنحه مساحة أوسع لبناء مستقبله.