د. يحيى جابر
أصبح الكثير لا يفرق بين الإعلامي الممارس للعملية الإعلامية والصحفية ونشطاء السوشل ميديا، كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة جزءاً رئيسياً من منظومة إنتاج الأخبار وتداول المعلومات، وتشير أحدث البيانات الدولية إلى أن شبكات التواصل والفيديو أصبحت من أهم بوابات الوصول إلى الأخبار عالمياً؛ إذ أوضح «تقرير الأخبار الرقمية 2026» أن 27 % من الجمهور في الأسواق التي شملها التقرير يحصلون أسبوعياً على بعض الأخبار من صناع محتوى أو مؤثرين يركزون على الأخبار، وترتفع النسبة إلى 46 % عند احتساب صناع المحتوى الذين يتناولون الأخبار إلى جانب موضوعات أخرى، المصدر - معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، «تقرير الأخبار الرقمية 2026»، 16 يونيو 2026».
فئات جديدة
هذه الأرقام تكشف تحولاً مهماً في البيئة الإعلامية؛ فإنتاج المعلومات لم يعد محصوراً في المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وأصبح الفرد قادراً على تصوير الحدث ونشره والتعليق عليه وتحليله والوصول به إلى جمهور واسع خلال دقائق، ولذلك ظهرت فئات جديدة في المشهد الإعلامي، من أبرزها صناع المحتوى والمؤثرون والناشطون الرقميون وصناع الأخبار والمواطنون الصحفيون.
لكن هذا التحول يطرح قضية مهنية أساسية، وهي أن امتلاك وسيلة للنشر لا يعني بالضرورة امتلاك مهنة الإعلام، كما أن امتلاك جمهور كبير لا يعني بالضرورة امتلاك التأهيل الصحفي، ولذلك فإن وصف جميع نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي بأنهم «إعلاميون» سيكون تعميماً غير دقيق.
فالناشط الرقمي هو في الأصل شخص يستخدم المنصات الرقمية للتعبير عن قضية أو موقف أو فكرة أو للمناصرة والتأثير في الجمهور، وقد ينتج محتوى إخبارياً أو تحليلياً، لكنه قد لا يمارس الصحافة باعتبارها مهنة قائمة على قواعد محددة في جمع المعلومات والتحقق منها ونسبتها إلى مصادرها والفصل بين الخبر والرأي.
أخلاقيات المهنة
وتوضح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن صناع المحتوى الرقمي أصبحوا فاعلين مهمين في منظومة المعلومات، وأنهم يستطيعون الوصول إلى جماهير واسعة والمساهمة في النقاش العام، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أهمية امتلاك مهارات التحقق والتربية الإعلامية والمعلوماتية والأخلاقيات المهنية، المصدر - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، «تمكين صناع المحتوى الرقمي ليكونوا ناقلين موثوقين للمعلومات»، 2024 - 2026»، وهذا ما يجعل نسبة ربما الأكثرية من ممارسي التقنيات الجديدة من الوسائل الحديثة للتواصل، يقع في مشكل الممارسة المهنية للإعلام والصحافة ودقة العمل الإحترافي في الإعلام.
62 % منهم لا يتحققون من المعلومة
وتكشف دراسة عالمية أجرتها المنظمة على 500 صانع محتوى في 45 دولة وإقليماً أن 62 % منهم لا يجرون تحققاً صارماً ومنهجياً من المعلومات قبل مشاركتها، وهي نتيجة شديدة الأهمية عند المقارنة بين صناعة المحتوى والممارسة الصحفية المهنية، المصدر - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، «خلف الشاشات: رؤى من صناع المحتوى الرقمي وفهم دوافعهم وممارساتهم وتحدياتهم»، نوفمبر 2024».
كما وجدت الدراسة أن 42 % من المشاركين استخدموا عدد الإعجابات والمشاركات مؤشراً على مصداقية المحتوى، بينما اعتمد 21 % على ثقة الأصدقاء عند تقييم بعض المعلومات، واعتمد 19 % على سمعة صاحب المحتوى أو الجهة الناشرة، المصدر - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، «خلف الشاشات»، نوفمبر 2024».
وهذه النتائج لا تعني أن صناع المحتوى غير مهنيين جميعاً، ولا تعني أن الصحفيين لا يخطئون، لكنها توضح أن المهنية الإعلامية لا تقاس بعدد المتابعين أو حجم المشاهدة أو سرعة الانتشار، وإنما بطريقة إنتاج المعلومة والتحقق منها ومصدرها والسياق الذي تقدم فيه والمسؤولية المترتبة على نشرها، والمهنية في تناولها وطريقة تقديمها.
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين الناشط الرقمي والصحفي المهني، فالصحفي يعمل وفق مجموعة من القواعد المهنية التي تشمل التحقق من المعلومات، والبحث عن المصادر، ونسبة المعلومات إلى أصحابها، والتفريق بين الوقائع والآراء، وتقديم السياق، ومراعاة التوازن، واحترام الخصوصية، وتصحيح الأخطاء، والالتزام بالأنظمة والقواعد الأخلاقية للمهنة.
أما الناشط فقد يكون هدفه الأساسي الدفاع عن قضية أو التأثير في الجمهور أو التعبير عن موقف أو حشد المتابعين، ولذلك فإن المحتوى الذي يقدمه قد يكون مؤثراً ومهماً، لكنه لا يصبح خبراً مهنياً لمجرد انتشاره.
77 % من المؤثرين ليست لديهم خبرة إعلامية
وتؤكد نتائج مركز بيو للأبحاث هذه الفكرة؛ فقد درس المركز 500 مؤثر إخباري بارز، ووجد أن 77 % منهم ليست لديهم خبرة حالية أو سابقة في مؤسسة إخبارية، بينما بلغت نسبة الذين لديهم خبرة حالية أو سابقة في المؤسسات الإخبارية 23 %، «المصدر - مركز بيو للأبحاث، الولايات المتحدة، «كيف يختلف المؤثرون الإخباريون الذين عملوا في المؤسسات الإخبارية عن الذين لم يعملوا فيها»، 18 نوفمبر 2024».
وهذا يعني أن البيئة الرقمية أوجدت بالفعل صناع أخبار من خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، لكن وجودهم خارج المؤسسات لا يجعلهم تلقائياً صحفيين، لأن العمل الصحفي له قواعد مهنية واحترافية دقيقة ستضل سنوات طويلة للأمام، وتستخدم في الإنتاج الإعلامي، كما أن عدم عملهم في مؤسسة إعلامية لا يعني بالضرورة أنهم يفتقرون إلى المهارات الإعلامية معينة التي يجيدونها، بل لضرورة تطوير مهاراتهم الصحفية والإعلامية، ومن هنا يجب التفريق بين أربعة أمور: المحتوى، والتأثير، والمهنة، والمسؤولية، فصناعة المحتوى حق متاح على نطاق واسع، والتأثير يمكن أن ينتج عن الشهرة أو الخبرة أو الحضور الشخصي، أما المهنة الإعلامية فتحتاج إلى معرفة ومهارات وقواعد، بينما المسؤولية ترتبط بما ينشره الشخص وتأثيره في الجمهور والأنظمة التي تحكم نشاطه.
التسجيل المهني للإعلاميين في السعودية
وفي المملكة العربية السعودية، يظهر هذا التفريق بصورة واضحة في المنظومة التنظيمية للهيئة العامة لتنظيم الإعلام؛ فالهيئة لديها خدمة مستقلة باسم «التسجيل المهني للإعلاميين»، ما يوضح وجود مسار مهني خاص بممارسة العمل الإعلامي، «المصدر - الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، المملكة العربية السعودية، «التسجيل المهني للإعلاميين»، 2025».
وفي الوقت نفسه، تنظم الهيئة نشاطاً مختلفاً يتعلق بالأفراد الذين يقدمون المحتوى الإعلاني «بالياء» إي تجاري، عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال ترخيص «موثوق»، وهو ترخيص خاص بتقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي، «المصدر - الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، المملكة العربية السعودية، «ترخيص تقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي»، 2025».
الفرق بين مؤثر حقيقي وآخر يروج لحسابه
وهذا التفريق التنظيمي مهم؛ لأن الشخص الذي يمارس الإعلان عبر حسابه ليس بالضرورة صحفياً، كما أن المؤثر ليس بالضرورة إعلامياً ومؤثر حقيقي فربما تلعب الناحية الترويجية المدفوعة مالياً في الوسائل الجديدة دور في رفع عدد المتابعين والمشاهدات وغيرها لذلك لا يمكن قياس أنه مؤثر بمجرد المتابعين والمشاهدات، كما أن صانع المحتوى ليس بالضرورة صحفياً، والناشط الرقمي ليس بالضرورة ممارساً لمهنة الصحافة.
كما تنظم الهيئة نشاط الصحافة الإلكترونية، وهو نشاط يختلف عن الحساب الشخصي في منصة اجتماعية، ويرتبط بالنشر الصحفي الإلكتروني الذي يشمل الأخبار والتقارير والتحقيقات والمقالات، وغيرها «المصدر - الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، المملكة العربية السعودية، «دليل المستفيد، نشاط الصحافة الإلكترونية»، 2025».
أكثر انتشارا أقل موثوقية
ومن ثم فإن امتلاك شخص لحساب واسع الانتشار ونشره الأخبار أو التعليق على الأحداث لا يجعله تلقائياً «صحفياً»، كما أن حصوله على ملايين المشاهدات لا يمثل شهادة مهنية، وإنما يصبح تقييمه مهنياً بناء على طبيعة ما يقدمه وكيفية إنتاجه والتحقق منه ومدى التزامه بالأنظمة والمعايير المهنية.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن الجمهور نفسه أصبح يميز بصورة متزايدة بين جاذبية المحتوى ودرجة موثوقيته؛ فقد أظهر تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة أن صناع المحتوى يتميزون لدى الجمهور بسهولة الوصول والقرب والجاذبية، لكنهم في المتوسط أقل ثقة وأقل حياداً من بعض المصادر الإخبارية التقليدية، «المصدر - معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، بريطانيا، «تقرير الأخبار الرقمية 2026»، 2026».
خطر انتشار المعلومة غير الصحيحة
والأخطر أن سرعة انتشار المعلومة في المنصات الرقمية قد تمنح الخطأ قدرة انتشار مساوية للمعلومة الصحيحة، ولذلك أصبحت مهارة التحقق أكثر أهمية من أي وقت مضى. وتكشف دراسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن 73 % من صناع المحتوى الذين شملتهم الدراسة يرغبون في الحصول على تدريب في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية، «المصدر - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، «خلف الشاشات»، نوفمبر 2024».
وهذه النتيجة تحمل دلالة إيجابية؛ لأنها تعني أن جزءاً من الفجوة بين صناعة المحتوى والممارسة المهنية يمكن معالجته بالتدريب والتأهيل. ولذلك لا ينبغي النظر إلى جميع النشطاء وصناع المحتوى باعتبارهم مشكلة إعلامية، وإنما ينبغي النظر إلى المحتوى الذي يقدمونه وطريقة إنتاجه ومصادره ومستوى التحقق فيه.
المستقبل
وفي تقديري أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التداخل بين الصحافة المهنية وصناعة المحتوى؛ فالصحفي أصبح يستخدم المنصة الشخصية إلى جانب المؤسسة، وصانع المحتوى أصبح يناقش الأخبار، والناشط أصبح يوثق الأحداث، والمواطن أصبح قادراً على إنتاج مادة تصل إلى ملايين الأشخاص، لكن هذا التداخل لا يلغي الفروق المهنية بينهم.
فالصحفي الذي يملك حساباً في منصة اجتماعية لا يفقد صفته المهنية، وصانع المحتوى الذي يقدم معلومات دقيقة وموثقة يمكن أن يصبح مصدراً مهماً للمعلومات، والناشط الذي يوثق حدثاً قد يقدم مادة ذات قيمة إخبارية، لكن القيمة الإخبارية للمادة لا تمنح صاحبها تلقائياً لقب الصحفي.
وهنا أرى أن الوصف الأكثر دقة في توصيف هذه الظاهرة هي، «نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي إذ أنهم أصبحوا فاعلين مؤثرين في البيئة الإعلامية، لكنهم ليسوا جميعاً إعلاميين بالمعنى المهني».
طبيعة التأهيل
وقد يكون بعضهم إعلامياً بالفعل إذا امتلك التأهيل والخبرة ومارس العمل الإعلامي وفق قواعده، وقد يكون بعضهم صانع محتوى، أو مؤثراً، أو ناشطاً رقمياً، أو صانع محتوى إخبارياً، أو مواطناً صحفياً، بحسب طبيعة ما يقدمه.
والفاصل الحقيقي ليس عدد المتابعين، ولا الشهرة، ولا حجم المشاهدة، ولا القدرة على صناعة الترند، وإنما الدقة، والتحقق، والمصدر، والسياق، والفصل بين الخبر والرأي، واحترام الخصوصية، وتصحيح الخطأ، والالتزام بالأنظمة والمسؤولية المهنية، والإلمام باللوائح والأنظمة وعلوم الإعلام والصحافة.
وهذا يعني أن الإعلام في عصر المنصات لم يعد حكراً على المؤسسات، لكنه أيضاً لم يفقد معاييره المهنية، لقد اتسعت دائرة من يستطيع النشر، بينما بقيت قواعد المهنة ضرورة لكل من يريد أن يقدم نفسه بوصفه مصدراً للمعلومة.
نصائح
وهنا أقدم نصائح لنشطاء التواصل الاجتماعي أو المدونين أو الممارسين في الوسائل التفاعلية الجديدة، لابد من تطوير قدراتكم المهنية والعلمية في هذا التخصص الهام جداً، والحساس للغاية، من خلال دراسة علمية في الجامعات أو دبلومات أو دورات مكثفة وورش عمل دائمة يتم الحرص من خلالها لأستقاء المعلومات من قبل متخصصين فعلياً في الإعلام، كما أنصح بمسؤولي الإدارات الحكومية من وزرات وغيرها وكذلك الخاصة بالاعتماد إعتماد مهني على وسائل الإعلام الرسمية مثل وكالة الأنباء السعودية « واس»، والصحف الرسمية التي أنتهت ورقياً لكنها ككيانات باقية وتصدر يومياً وأصبحت رقمية، والابتعاد عن أي وسيلة غير رسمية، وهو ما يعطي الكيان قيمة إضافية في المصداقية ويعزز صورتها، ويحد من أنتشار الإشاعة والتعامل غير المهني مع المواد الإعلامية المراد إيصالها للمجتمع.
كما أن قيمة نشطاء السوشل ميديا تضل موجودة كلما تم تطوير إمكاناتها وكوادرها وتعلم فنون الصحافة والإعلام بشكل علمي ومهني دقيق.
أخيراً:
إن نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ليسوا جميعاً إعلاميين، لكن بعضهم يمارس وظائف إعلامية حقيقية، وبعضهم أصبح صانع أخبار مؤثراً، وبعضهم يمتلك خبرة إعلامية ومهنية حتى من خارج المؤسسات التقليدية، وفي السعودية، يوضح التنظيم الرسمي للهيئة العامة لتنظيم الإعلام وجود تمييز بين التسجيل المهني للإعلاميين، والأنشطة الإعلامية المختلفة، وتقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال «موثوق»، ولذلك فإن الأدق مهنياً وعلمياً هو عدم مساواة «الناشط» و«المؤثر» و«صانع المحتوى» و«الإعلامي» وغيرها من مسميات في مسمى واحد، وإنما تحديد الصفة وفق طبيعة النشاط ومستوى المهنية والمسؤولية.
بصفة عامة الإعلام شيء جميل لكن له ضوابط ومسار هام من فهم اللوائح والتشريعات الإعلام لكل بلد يعمل فيه، والفهم العلمي والمهني لكل قواعد ممارسة الإعلام وفنونها التحريرية الصحفية وغيرها من متطلبات هامة، تجعل الممارس للعملية الإعلامية بعد ذلك جاهز للعمل ولديه القدرة.