د.عبدالله الفايز
يقف العالم اليوم أمام ظاهرة الذكاء الاصطناعي وكأنه اكتشف فجأة سر التقدم البشري، وكأن مستقبل الحضارة بأكمله أصبح مرهوناً بهذه التقنية وحدها.
وتتسابق الدول في الإعلان عن مشاريع واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وتتنافس المؤسسات في إطلاق المبادرات، وتُخصص الحكومات والشركات ميزانيات ضخمة لبناء مراكز البيانات وتطوير النماذج الذكية واستقطاب الخبراء، حتى أصبح مصطلح الذكاء الاصطناعي حاضراً في معظم النقاشات المتعلقة بالاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والصناعة والأمن والدفاع.
ويكاد المرء يخرج بانطباع أن العالم قد اختزل الثورة الرقمية بأكملها في تقنية واحدة، وأن امتلاك الذكاء الاصطناعي أصبح بحد ذاته دليلاً على التقدم والقدرة على المنافسة والاستعداد للمستقبل. لكن هل هذه النظرة دقيقة؟ وهل الذكاء الاصطناعي هو بالفعل نهاية المسار التقني الذي ينبغي أن تتجه إليه البشرية، أم أن العالم يبالغ في التركيز على أحد مكونات منظومة تقنية أوسع وأكثر تعقيداً؟
إن أول ما يستحق التذكير به أن الذكاء الاصطناعي ليس اكتشافاً حديثاً ظهر في السنوات الأخيرة. فقد بدأت جذوره العلمية قبل أكثر من سبعة عقود، وتبلور مجالاً بحثياً مستقلاً في خمسينيات القرن العشرين، ثم شهد تطورات متعددة خلال الستينيات وما بعدها. وقد مرت مسيرته بفترات من التفاؤل الكبير، أعقبتها مراحل من الإحباط وتراجع التمويل عندما اصطدمت التوقعات بحدود الحوسبة والبيانات والخوارزميات المتاحة آنذاك.
ولم يكن السبب أن الفكرة فقدت أهميتها، بل أن البيئة التقنية لم تكن قد نضجت بما يكفي لتحقيق ما وعدت به.
أما ما نشهده اليوم من قفزة ملحوظة، فهو نتيجة تراكم طويل في قوة المعالجات، وتطور وحدات معالجة الرسوميات، وانتشار الحوسبة السحابية، وتوافر البيانات الضخمة، وتحسن الشبكات العصبية وخوارزميات التعلم، وتطور أدوات التدريب والتشغيل. وبذلك، فإن ما حدث ليس ولادة الذكاء الاصطناعي من جديد بقدر ما هو وصوله إلى مرحلة أصبح فيها قادراً على إظهار إمكانات كانت محدودة أو غير عملية في مراحل سابقة. بل انه يساعد على ظهور تقنيات أكثر تقدما مثل ما طرحه الفايز في كتابه عن الذكاء النظمي والذي يحول التقنيات الذكية والروبوتات والميتافيرس والكمومية، وتوئمة المدن، والشبكة العصبية، من ادوات للتحليل واعطاء قرارات وسياسات وحلول إلى أن يتقدم ليقوم بدور المسوؤلين في تنفيذ الحلول تلقائيا وفق صلاحيات محددة.
أما التحول الكبير الذي شهده العالم في السنوات الأخيرة، فلم ينتج عن ظهور فكرة الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى، بل عن اجتماع عدة عوامل: المعالجات المتقدمة، ووحدات معالجة الرسوميات، والحوسبة السحابية، وتوافر كميات هائلة من البيانات، وتطور الشبكات العصبية العميقة، وتحسن خوارزميات التدريب، وظهور النماذج التوليدية القادرة على التعامل مع اللغة والصورة والصوت والبرمجة.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي المعاصر هو، إلى حد بعيد، نتيجة نضج منظومة تقنية متكاملة، وليس ثمرة خوارزمية منفردة أو اكتشاف مفاجئ ظهر من فراغ. فيجب عدم الخلط بين الذكاء الاصطناعي والمنظومة التقنية. وهي أبرز الإشكالات في الخطاب التقني المعاصر التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو أنه المظلة التي تفسر جميع التحولات الرقمية. فحين تظهر روبوتات متقدمة، أو مركبات ذاتية القيادة، أو مدن رقمية، أو توائم رقمية، يُنسب جانب كبير من قدراتها إلى الذكاء الاصطناعي، مع أن هذه الأنظمة تعتمد على مجموعة من التقنيات المتداخلة، لكل منها وظيفة مستقلة. فالروبوت، مثلاً، لا يعمل بالذكاء وحده؛ إنه يحتاج إلى منظومة ميكانيكية وكهربائية، ومستشعرات، وأنظمة تحكم، ومعالجة آنية، واتصالات، ومصادر طاقة، وبرمجيات تشغيل، وخوارزميات تخطيط وتنفيذ.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن الإدراك أو التخطيط أو التعرف على الأشياء، لكنه لا يمثل وحده النظام بأكمله. والأمر نفسه ينطبق على المدن الذكية؛ إذ لا يمكن بناء مدينة فعالة بمجرد إضافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة النقل والطاقة والإسكان والخدمات. فالتحدي الحقيقي هو تكامل هذه الأنظمة، وتنسيق قراراتها، وربطها بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتقييم نتائجها، وتصحيح مساراتها باستمرار. المشكلة إذن ليست في الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، بل في اختزال التحول التقني كله في الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تبدأ المشكلة في النظرة السائدة؛ إذ يميل كثير من الخطاب الإعلامي والاستثماري والمؤسسي إلى تصوير الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الوحيد للتقدم التقني، متجاهلاً أن نجاحه نفسه يعتمد على منظومة متكاملة من التقنيات التي لا تقل أهمية عن الخوارزميات الذكية. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ، ولا يستطيع تحويل الأفكار إلى واقع مادي من تلقاء نفسه. إنه يحتاج إلى الحوسبة والذاكرةوالطاقة والاتصالات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم والبرمجيات والبنية التحتية والأمن السيبراني. كما يحتاج إلى بيانات موثوقة، ومؤسسات قادرة على استخدام مخرجاته، وإجراءات تسمح بتحويل التوصيات إلى قرارات قابلة للتنفيذ والتقييم. ومن دون هذه العناصر، قد تبقى أكثر النماذج تطوراً مجرد أدوات تنتج تحليلات وتوقعات ومقترحات لا تتحول بالضرورة إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية. وتتضح هذه المفارقة عند النظر إلى الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة والمصانع المتقدمة. فكثيراً ما تُقدم هذه الابتكارات على أنها انتصارات للذكاء الاصطناعي، مع أن الذكاء ليس سوى أحد مكوناتها. فالروبوت يحتاج إلى تصميم ميكانيكي ومحركات وأجهزة استشعار وأنظمة تحكم وتوازن وطاقة واتصالات وقدرات على الحركة والتفاعل مع البيئة. وقد يتيح الذكاء الاصطناعي للروبوت التعرف على الأشياء أو فهم الأوامر أو تخطيط بعض الأفعال، لكن نجاحه في أداء مهمة فعلية يتوقف على تكامل جميع هذه المكونات. وكذلك الحال في المركبات ذاتية القيادة، حيث لا يكفي التعرف على الطريق أو التنبؤ بحركة المركبات الأخرى؛ بل يتطلب الأمر تحديد الموقع، والاستشعار، والتحكم الحركي، والاستجابة الفورية، والتعامل مع الأعطال والظروف غير المتوقعة، والتحقق من السلامة. ومن الخطأ، لذلك، أن ننسب الإنجاز كله إلى الذكاء الاصطناعي ونغفل بقية المنظومة الهندسية والتقنية التي تجعل الإنجاز ممكناً.
والأمر أكثر وضوحاً في المدن الذكية، حيث أصبح من الشائع الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره المدخل الأساسي لحل مشكلات النقل والطاقة والإسكان والبيئة والخدمات البلدية. لكن المدينة ليست مجموعة من التطبيقات الرقمية المنفصلة، ولا يمكن تحسين أدائها بمجرد إضافة خوارزمية جديدة إلى كل قطاع. فالازدحام المروري، مثلاً، ليس مشكلة خوارزمية فقط، بل يرتبط بتوزيع الأنشطة الاقتصادية، واستخدامات الأراضي، ومواقع المدارس ومراكز العمل، وشبكات النقل العام، وسياسات الإسكان، وأنماط التنقل، وتوقيت الخدمات.
وقد تنجح خوارزمية في تحسين حركة المرور في شارع معين، بينما تؤدي قرارات غير منسقة في أحياء أخرى إلى زيادة الازدحام على مستوى المدينة بأكملها. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس إنتاج ذكاء أكبر داخل كل نظام منفرد، بل تحقيق التكامل بين الأنظمة المختلفة حتى تعمل المدينة كوحدة مترابطة قادرة على فهم مشكلاتها ومعالجة أسبابها، وليس مجرد التعامل مع أعراضها.
ولا يقل الأمر أهمية على مستوى الدول. فالدولة لا تصبح متقدمة لمجرد إعلان استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، أو إنشاء مركز متخصص، أو استقطاب الشركات العالمية، أو ضخ المليارات في البنية التحتية الحاسوبية. فالتقدم الوطني يرتبط بقدرة الدولة على إدارة اقتصادها، وتطوير مؤسساتها، وتحسين التعليم والصحة، وبناء البنية التحتية، ورفع إنتاجية العمل، وتحقيق العدالة في الوصول إلى الخدمات، وحماية البيئة، وتعزيز المرونة في مواجهة الأزمات.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في جميع هذه المجالات، لكنه لا يعوض غياب التخطيط الاقتصادي المتكامل، ولا يصلح وحده الاختلالات المؤسسية، ولا يحل التناقضات بين السياسات، ولا يضمن أن تتوزع منافع التكنولوجيا على المجتمع بصورة عادلة. بل إن استخدامه داخل مؤسسات تعاني أصلاً من ضعف التنسيق قد يؤدي أحياناً إلى تسريع القرارات الخاطئة بدلاً من تصحيحها.
ومن المثير للاهتمام أن بعض التقنيات التي تحظى باهتمام أقل في النقاش العام قد يكون لها تأثير استراتيجي بالغ، وربما يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي في مجالات معينة. فالحوسبة الكمومية، على سبيل المثال، تستهدف معالجة فئات محددة من المشكلات التي قد تواجه الحواسيب التقليدية صعوبة كبيرة في حلها، ولا سيما في محاكاة بعض الأنظمة الفيزيائية والكيميائية وتطوير المواد. وإذا تحقق تقدم عملي واسع في هذه المجالات، فقد تنعكس آثاره على الطاقة والطب والصناعة والبحث العلمي. غير أن ذلك لا يعني أن الحوسبة الكمومية ستتفوق على الحوسبة التقليدية في كل شيء، أو أنها ستصبح بديلاً عاماً للحواسيب الحالية؛ فقيمتها تعتمد على نوع المشكلة، وعلى مدى تطور الأجهزة والخوارزميات، وعلى قدرتها على تجاوز القيود التقنية الراهنة. وينطبق الأمر ذاته على المعالجات المتقدمة وأشباه الموصلات، التي تشكل الأساس المادي للحوسبة الحديثة. فقد يتوقف مستقبل العديد من التطبيقات على القدرة على إنتاج معالجات أسرع وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وعلى تطوير الذاكرة وأنظمة الربط بين وحدات الحوسبة، وليس على تحسين النماذج الذكية وحده. فكلما ازداد حجم النماذج وتعقدت عمليات التدريب والتشغيل، أصبحت تكلفة الطاقة والحوسبة والتبريد والبنية التحتية عاملاً مؤثراً في جدواها الاقتصادية. ومن هنا، فإن الاستثمار في تطوير البنية الحاسوبية قد يكون في بعض الحا لات أهم من مجرد التنافس على بناء نموذج أكبر، خصوصاً عندما تكون المشكلة الحقيقية هي تكلفة تشغيل التقنية وتوسيع نطاق استخدامها. كما أن الشبكات العصبية والخوارزميات الرياضية وأنظمة التحكم تستحق نظرة أكثر توازناً. فالشبكات العصبية جزء أساسي من الذكاء الاصطناعي الحديث، بينما تمتد الخوارزميات إلى مجالات أوسع تشمل التحسين الرياضي، والجدولة، وتخصيص الموارد، والمحاكاة، والتخطيط، وإدارة الأنظمة المعقدة. وقد تحقق خوارزمية تحسين تقليدية، عندما تُستخدم في المكان المناسب، نتائج اقتصادية أفضل وأكثر قابلية للتفسير من نموذج ذكاء اصطناعي متقدم. وليس المطلوب المفاضلة بين هذه الأساليب بصورة مطلقة، بل اختيار التقنية المناسبة لطبيعة المشكلة، بدلاً من محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء لمجرد أنه أصبح محور الاهتمام العالمي.
ويبرز التوأم الرقمي مثالاً آخر على هذا الخلط. فالتوأم الرقمي ليس مجرد صورة ثلاثية الأبعاد لمدينة أو مصنع، بل يمكن أن يكون نموذجاً رقمياً مرتبطاً ببيانات النظام الفعلي، ويُستخدم لمراقبة أدائه ومحاكاة السيناريوهات واختبار البدائل وتوقع النتائج. وتزداد قدراته عندما يتكامل مع الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة عالية الأداء، لكن المحاكاة والنمذجة والتحليل يمكن أن تحقق قيمة كبيرة حتى عندما لا يكون الذكاء الاصطناعي هو العنصر الرئيسي. وفي إدارة المدن، قد يكون من الأجدى بناء توأم رقمي متكامل لشبكات المياه والطاقة والنقل، وربطه بنماذج اقتصادية وسكانية وبيئية، بدلاً من الاستثمار في تطبيقات ذكاء اصطناعي منفصلة لا تستطيع رؤية الترابط بين هذه القطاعات. أما الميتافيرس والبيئات الرقمية الغامرة، فقد طُرحت حولها وعود كبيرة تتعلق بالتعليم والعمل والتصميم والتجارة والتفاعل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن تطورها التجاري لم يحقق جميع التوقعات التي رافقت صعودها الأول، فإن بعض تطبيقاتها قد تكتسب قيمة حقيقية عندما ترتبط بالتدريب والمحاكاة والتوائم الرقمية والتصميم الهندسي. ويكشف ذلك عن مشكلة متكررة في التعامل مع التقنيات الناشئة: يميل العالم أحياناً إلى المبالغة في تقدير تقنية عند ظهورها، ثم الانتقال إلى تقنية أخرى عندما يتغير الاهتمام، من دون تقييم هادئ لموقع كل منها في المنظومة العامة. ولذلك، ينبغي ألا نستبدل المبالغة في الذكاء الاصطناعي بمبالغة مماثلة في الحوسبة الكمومية أو الميتافيرس أو غيرهما، بل أن نقيّم كل تقنية وفق قدرتها المثبتة على حل المشكلات وتحقيق القيمة.
والأخطر من المبالغة التقنية أن تتحول المنافسة على الذكاء الاصطناعي إلى سباق في الشعارات والميزانيات. فقد تتسابق المؤسسات على إعلان مشروعات جديدة، وتشتري أنظمة متقدمة، وتعيد تسمية برامجها التقليدية تحت عنوان الذكاء الاصطناعي، بينما تظل إجراءات العمل كما هي، والبيانات مشتتة، والأنظمة غير مترابطة، ومؤشرات الأداء منفصلة عن الأهداف الاستراتيجية. وفي مثل هذه الحالات، لا يؤدي الإنفاق بالضرورة إلى تحول حقيقي، بل قد يضيف طبقة تقنية جديدة فوق مشكلات قديمة لم تُعالج جذورها. ولا يمكن الحكم على نجاح أي استراتيجية من خلال عدد التطبيقات التي أطلقتها، أو حجم الأموال التي أنفقتها، أو عدد الخبراء الذين وظفتهم، وإنما من خلال ما أحدثته من تحسن قابل للقياس في الإنتاجية وجودة الخدمات وكفاءة الموارد والقدرة على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا، ينبغي إعادة النظر في السؤال الذي يوجه السياسات والاستثمارات. فبدلاً من السؤال عن مقدار ما تمتلكه الدولة أو المؤسسة من الذكاء الاصطناعي، يجب السؤال عن مدى قدرتها على توظيف جميع التقنيات المتاحة لتحقيق أهداف محددة ومترابطة. هل تستطيع منظومتها الرقمية ربط البيانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؟ هل يمكنها اكتشاف المشكلات قبل تفاقمها؟ هل تستطيع مقارنة البدائل وتقدير تكاليفها وآثارها غير المباشرة؟ هل تتحول التوصيات إلى قرارات ضمن صلاحيات واضحة؟ وهل تُراقب نتائج التنفيذ وتُستخدم الأخطاء لتحسين القرارات اللاحقة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف مستوى النضج الحقيقي بصورة أدق من مجرد معرفة حجم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من التفكير في الذكاء الاصطناعي بوصفه غاية مستقلة إلى التفكير في الذكاء المنظومي بوصفه قدرة متكاملة على الربط بين التقنيات والمعرفة والمؤسسات والأهداف والتنفيذ والتعلم. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل البيانات وتوليد التوقعات والتوصيات، لكن الذكاء المنظومي، وفق هذا التصور، يتعلق بكيفية دمج هذه القدرات مع الحوسبة المتقدمة والمحاكاة وأنظمة التحكم والروبوتات والبنية التحتية والحوكمة، بحيث تعمل جميعها ضمن دورة متكاملة تبدأ برصد الواقع، ثم دمج المعلومات وفهم المشكلات، وتقييم البدائل، واتخاذ القرارات المصرح بها، وتنفيذها، ومراقبة ن تائجها، والتعلم منها، وتعديل المسار عند الحاجة. ولا يعني هذا المفهوم أن الذكاء المنظومي تقنية سحرية جديدة تحل جميع المشكلات، ولا أنه بديل عن الذكاء الاصطناعي. إنه منظور أوسع يركز على العلاقة بين الأجزاء وعلى أداء النظام بأكمله. فقد يكون النظام الذي يستخدم نماذج ذكاء اصطناعي أقل تعقيداً، لكنه يتمتع ببيانات أفضل وتنسيق مؤسسي أقوى وآليات تنفيذ ومراجعة أكثر فاعلية، أكثر نجاحاً من نظام يستخدم أحدث النماذج دون تكامل أو حوكمة مناسبة. وهذا هو الفرق بين امتلاك أدوات ذكية وبين بناء منظومة قادرة على العمل بذكاء. إن العالم لا يحتاج إلى التقليل من أهمية الذكاء الاصطناعي، بل إلى وضعه في حجمه العلمي والتقني الصحيح. فهو أحد أهم التطورات المعاصرة، وقد يغير طبيعة العمل والبحث العلمي والإنتاج والخدمات، لكنه ليس نهاية الطريق، ولا ينبغي أن يصبح المعيار الوحيد الذي تُقاس به جاهزية الدول للمستقبل. فالتاريخ التقني لا يتقدم من خلال تقنية واحدة تبتلع جميع التقنيات الأخرى، بل عبر تفاعل اكتشافات متعددة، وتراكم القدرات، وتطور البنى التحتية، وتغير المؤسسات وأساليب الإنتاج. وما يبدو اليوم مركز الثورة قد يصبح غداً أحد مكوناتها الأساسية التي تعمل في الخلفية، بينما ينتقل الاهتمام إلى قدرات جديدة لم تنضج بعد. ولعل السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قوة، فهذا مسار يستحق المتابعة والبحث، بل ما إذا كان العالم سيستطيع تجاوز الانبهار بالتقنية إلى فهم النظام الذي يجعلها نافعة. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق عندما تصبح الآلات أكثر قدرة على إنتاج الإجابات فحسب، بل عندما تصبح المجتمعات أكثر قدرة على تحديد الأسئلة الصحيحة، والمؤسسات أكثردرة على اتخاذ القرارات المتناسقة، والدول أكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى تنمية مستدامة. وعندها فقط يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من مشروع حضاري متكامل، بدلاً من أن يتحول المشروع الحضاري بأكمله إلى سباق محموم وراء الذكاء الاصطناعي. هذه هي النقلة الفكرية من التركيز على التقنية المنفردة إلى التفكير المنظومي. وهي تتوافق مع ما طرحته في كتاب عن الذكاء النظمي Systemic Intelligence (SI)، حيث لا يكون معيار التقدم مقدار الذكاء الذي تمتلكه الآلات، بل مقدار الذكاء الذي تستطيع المؤسسات والمدن والدول تحقيقه من خلال ربطه وتكامله مع التقنيات الأخرى والمعرفة والحوكمة والعمل والتعلم.