جانبي فروقة
في الحروب القديمة كان بوسع القائد أن يرى جيشه أو أن يصعد إلى مرتفع ليراقب حركة خصمه، ثم جاءت الطائرات والرادارات فصار بالإمكان رؤية ما وراء الأفق، واليوم قد تكون الطائرة المسيّرة في الجو والهدف على بعد مئات الكيلومترات والقرار العسكري في غرفة عمليات بعيدة، بينما يمر كل ذلك عبر شبكة لا يملك الجيش الذي يقاتل السيطرة الكاملة عليها وفي منتصف أكتوبر 2026 ظهرت هذه المفارقة بوضوح في أوكرانيا، فقد أفادت تقارير بأن قيوداً على سرعة بعض اتصالات ستارلينك أثّرت في قدرة مسيّرات أوكرانية على العمل بما فيها مسيّرات اعتراضية تحاول التصدي للهجمات الروسية فلم تتعطل المحركات ولم تختفِ الأسلحة من المستودعات لكن الاتصال الذي يساعد على تشغيل بعض هذه المنظومات أصبح موضع نزاع سياسي وتقني، فهل أصبحت الحروب اليوم مواجهة بين الجيوش وحدها أم أن المعركة الحقيقية امتدت إلى الشبكات التي تمنح هذه الجيوش قدرتها على القتال؟
لم تبدأ الحكاية مع الأقمار الصناعية ولا مع الذكاء الاصطناعي فمنذ الحضارات القديمة كانت الابتكارات الهندسية جزءاً من الصراع، فقد أتاحت العربات الحربية حركة أسرع ومكّنت آلات الحصار الجيوش من مهاجمة تحصينات بدت عصية على الاختراق، ثم جاء البارود فتغيّرت العلاقة بين المدافع والمهاجم ولم تعد الأسوار المرتفعة كافية لحماية المدن من المدفعية، واضطر المهندسون إلى إعادة تصميم التحصينات فيما احتاجت الجيوش إلى موارد مالية وصناعية أكبر، وكان كل اختراع يفتح باباً ثم يأتي اختراع آخر ليكشف نقاط ضعفه. وفي القرن التاسع عشر لم يعد التغيير محصوراً في السلاح فقد نقلت السكك الحديدية الجنود والمؤن واختصر التلغراف المسافة بين القيادة والميدان، وأصبح بوسع القادة تنسيق تحركات واسعة بسرعة لم تكن ممكنة في زمن الرسائل التي يحملها الفرسان، وهنا بدأ درس سيظل حاضراً حتى اليوم فقد لا ينتصر الجيش الذي يمتلك مدافع أكثر بل الجيش الذي يستطيع إيصالها إلى المكان المناسب وتزويدها بالذخيرة وإيصال الأوامر إليها في الوقت المناسب فقد غيّرت التكنولوجيا قواعد المعركة.
في معركة بريطانيا عام 1940 لم يكن الرادار البريطاني (والذي يعتبر شبكة رادارية للإنذار المبكر عُرفت باسم Chain Home) مجرد جهاز يكتشف اقتراب الطائرات الألمانية وهو لم يكن عينا فقط بل كانت أهميته الحقيقية في النظام الذي بُني حوله فقد رصدت محطات الرادار الأهداف القادمة ثم جُمعت المعلومات وقورنت بتقارير المراقبين الأرضيين وانتقلت إلى مراكز العمليات التي نسّقت تحرك المقاتلات وعُرف هذا النظام باسم «داودينغ»، نسبة إلى قائد سلاح المقاتلات البريطاني هيو داودينغ ولم يكن كل وميض على الشاشة معلومة مكتملة فقد كان لا بد من معرفة موقع الطائرات واتجاهها وتقدير عددها ثم تحويل هذه البيانات إلى قرار سريع، وبذلك أصبحت قيمة الرادار مرتبطة بقدرة المؤسسة على فهم ما يراه وتوجيه من يستطيع التصرف بناء عليه ولم ينتصر البريطانيون بسبب الرادار وحده فقد لعب الطيارون والإنتاج الصناعي والجغرافيا والتنظيم أدواراً أساسية لكن التجربة كشفت أن امتلاك جهاز متطور لا يكفي ما لم يُدمج في شبكة متكاملة من الاستشعار والاتصال والقرار، وهنا تحول خطير في قواعد الحرب وهو عندما تحولت المعرفة إلى سلاح ففي بلتشلي بارك لم تكن المعركة تُخاض بالطائرات والمدافع بل بالرياضيات والأنماط والرسائل المشفّرة، وقد عمل ألان تورينغ وغوردون ولشمان إلى جانب فرق من الرياضيين ومحللي الشفرات على تطوير وسائل تساعد في فك رسائل إنيغما الألمانية وأسهمت المعلومات الاستخباراتية المعروفة باسم «ألترا» في دعم القرارات العسكرية للحلفاء ولم تكن أهمية هذه الجهود في كشف رسالة واحدة بل في تحويل كمّ من الاتصالات المعقدة إلى معلومات يمكن الاستفادة منها في الميدان فالبيانات لا تصبح قوة لمجرد جمعها لأن قيمتها تكمن في القدرة على تفسيرها وفهم حدودها والتصرف على أساسها قبل أن تفقد أهميتها ومن الرادار إلى فك الشفرات تكررت الفكرة نفسها، فالعين لا تكفي من دون عقل والعقل لا يفيد إن لم تصل نتائجه إلى من يستطيع اتخاذ القرار.
لكن التكنولوجيا الحديثة أضافت سؤالاً جديداً: ماذا لو كانت العين والعقل والخيط الذي يربطهما جميعاً تحت سيطرة جهة أخرى؟
منذ الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022 أصبحت شبكة ستارلينك التابعة لشركة «سبيس إكس» جزءاً مهماً من الاتصالات الأوكرانية بما في ذلك تنسيق بعض العمليات العسكرية وتشغيل مسيّرات تستخدم الاتصال الفضائي، لكن هذه القدرة جاءت مع مفارقة واضحة فالشبكة التي توفر الاتصال لا تملكها الدولة التي تعتمد عليها بل شركة خاصة تعمل ضمن ترتيبات تجارية وحكومية وسياسية معقدة وفي أكتوبر 2026 ظهرت خلافات علنية حول القيود التي أثّرت في بعض الاتصالات الأوكرانية، وذكرت رويترز أن مسؤولين أمريكيين وغربيين قالوا:
إن أمراً بتقييد بعض خدمات ستارشيلد جاء من داخل البيت الأبيض بينما تبادلت الشركة والإدارة الأمريكية التصريحات بشأن الجهة صاحبة القرار وفي 24 أكتوبر قال وزير الدفاع الأوكراني: إن أنظمة ستارلينك وستارشيلد عادت إلى العمل بسرعات تجاوزت 400 كيلومتر في الساعة مع بقاء تفاصيل المسؤولية عن القيود موضع خلاف وتزامنت هذه التطورات مع ضغوط أمريكية على كييف بشأن ضرب مصافي النفط الروسية لكن التزامن لا يثبت وحده أن القيود التقنية فُرضت تحديداً لمنع تلك الضربات وهذا التمييز ضروري لفهم القضية من دون تحويل الاحتمالات إلى حقائق.
غير أن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه وهو إذا كانت الاتصالات الفضائية قادرة على التأثير في أداء سلاح فمن يحدد شروط استخدام هذه الاتصالات؟ الشركة؟ الحكومة التي تتعاقد معها؟ أم الدولة التي تخوض الحرب وتعتمد عليها؟
إذا كان الرادار قد منح الجيوش عيناً ترى ما وراء الأفق فإن الذكاء الاصطناعي يمنحها قدرة متزايدة على معالجة ما تراه هذه العين وربط المعلومات القادمة من مصادر متعددة واستخراج أنماط يصعب على البشر اكتشافها بالسرعة نفسها.
في الحروب المعاصرة يمكن للأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطائرات المسيّرة والإشارات والتقارير الاستخباراتية ثم مساعدة المحللين على تحديد المواقع التي تستحق مزيداً من الفحص وترتيب الأولويات وإعداد خيارات للقادة وقد برز هذا الاستخدام في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران عام 2026 حيث أفادت تقارير صحفية بأن الجيش الأمريكي استخدم نظام Maven Smart System الذي يجمع البيانات الاستخباراتية ويدعم تحليل الأهداف مع أدوات ذكاء اصطناعي من بينها Claude التابعة لشركة Anthropic أنثروبيك وذكرت تقارير أن النظام ساعد في تحديد أهداف محتملة وترتيب أولوياتها وتسريع عملية التخطيط للضربات والمهم هنا ألا نتخيل أن الذكاء الاصطناعي زر سحري يختار الأهداف ويشن الحرب بمفرده فالمعلومات التي تدخل إلى النظام قد تكون ناقصة أو قديمة والتعرف على جسم في صورة لا يعني بالضرورة معرفة وظيفته الحقيقية كما أن التوصية التقنية لا تحل محل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن قرار الهجوم لكن الذكاء الاصطناعي يغيّر الإيقاع، فما كان يحتاج إلى فرق كبيرة من المحللين وساعات طويلة من المقارنة قد يصبح قابلاً للإنجاز في وقت أقصر وعندما تتسارع دورة اكتشاف الهدف وتحليله وتوجيه السلاح نحوه، تتقلص المهلة المتاحة لمراجعة المعلومات والتأكد منها، وهنا تكمن المفارقة فكلما ازدادت قدرة الجيوش على اتخاذ القرار بسرعة ازدادت أهمية وجود رقابة بشرية حقيقية تمنع السرعة من التحول إلى أخطاء أسرع وأكثر اتساعاً كما أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يخلق شكلاً جديداً من الاعتماد التكنولوجي، فمن يملك النموذج والبيانات والبنية الحاسوبية والتحديثات وشروط الوصول إلى الخدمة قد يمتلك نفوذاً على قدرة الجيش على التحليل والتخطيط حتى لو لم يملك السلاح الذي ينفذ الضربة وهذا لا يعني أن التكنولوجيا تحسم الحرب وحدها فالجغرافيا والموارد والقيادة والقدرة الصناعية والمعنويات عوامل لا يمكن اختزالها في خوارزمية كما أن الدول تستطيع تقليل اعتمادها على مزود واحد وبناء بدائل وتدريب قواتها على العمل عندما تنقطع الشبكات لكن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من السيادة نفسها لم تعد السيادة تعني امتلاك الأرض والسلاح فقط بل تشمل أيضاً معرفة من يدير الشبكات التي تشغّل السلاح ومن يستطيع تعطيلها وما الذي تضمنه العقود عند اندلاع أزمة سياسية.
في الحرب القديمة كان قطع طريق الإمداد قد يعزل جيشاً عن مؤنه وفي الحرب الحديثة قد يؤدي تعطيل شبكة إلى عزل السلاح عن المعلومات التي يحتاج إليها أما الذكاء الاصطناعي فيضيف بعداً آخر وهو القدرة على فهم البيانات بسرعة وتحديد ما يستحق الانتباه والتأثير في القرارات التي تسبق إطلاق النار وهكذا تتغير أدوات الحرب لكن السؤال يبقى من يملك القدرة على استخدامها ومن يملك القدرة على تقييدها؟
قد يمتلك الجيش الطائرة والصاروخ والمسيّرة، لكن القوة الحقيقية لا تتوقف عند امتلاك السلاح. إنها تمتد إلى امتلاك البيانات، والاتصال، والقدرة على اتخاذ القرار، والبدائل التي تمنع الآخرين من التحكم في هذه العناصر.
في حروب اليوم لا يكفي أن تمتلك السلاح عليك أن تعرف أيضاً من يملك مفتاح تشغيل.
** **
- كاتب أمريكي