عبد الله سليمان الطليان
هل يمكن أن تكشف طريقة الإنسان في تعامله مع المناسبات الاجتماعية شيئًا عن حالته النفسية؟ وهل الشخص الذي يحب حضور الحفلات التراثية والاجتماعات الجماعية أكثر راحة وسعادة من ذلك الذي يفضل الابتعاد عنها؟
قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد اختلاف في الأذواق، لكن عند التأمل نجد أن اختيارات الإنسان كثيرًا ما تعكس جانبًا من عالمه الداخلي، وإن لم تكن بالضرورة دليلًا قاطعًا على شخصيته أو حالته النفسية.
فالإنسان الذي يحرص على حضور الحفلات التراثية، ويستمتع بالجلوس بين الناس، والاستماع إلى الأهازيج والأشعار، ومشاهدة الفنون الشعبية، وتبادل الأحاديث والذكريات، قد يكون إنسانًا يجد في المجتمع مصدرًا للراحة والطمأنينة. فهو لا يرى في الاجتماع مجرد مناسبة عابرة، وإنما يراه امتدادًا لعلاقته بالناس وبالمكان وبالذاكرة.
والتراث، في هذا الجانب، ليس مجرد أغانٍ أو ملابس أو رقصات شعبية؛ بل هو ذاكرة مجتمع، وحكايات آباء وأجداد، ووجوه عرفناها في طفولتنا، وأصوات ومواقف بقيت في الذاكرة رغم مرور السنين. ولذلك فإن الإنسان الذي يشارك الآخرين هذه المناسبات قد يجد فيها نوعًا من المصالحة مع الماضي، وفرصة للاستمتاع بالحاضر.
وقد يكون الاجتماع بالآخرين أحد أبواب السعادة؛ فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يحتاج إلى التواصل والمشاركة والشعور بأنه جزء من محيطه. وليس المقصود أن كثرة العلاقات تعني بالضرورة السعادة، ولكن وجود علاقات إنسانية سليمة، قائمة على المودة والاحترام، يمكن أن يمنح الإنسان شعورًا بالألفة والانتماء.
لكن ماذا عن الإنسان الذي يتجنب هذه المناسبات؟
هنا ينبغي أن نتأنى في الحكم.
فليس كل من ابتعد عن الحفلات الاجتماعية إنسانًا حزينًا، وليس كل من فضل الجلوس وحده يعاني مشكلة نفسية. هناك أشخاص يجدون راحتهم في الهدوء، ويستمتعون بالعلاقات المحدودة، ولا يحبون الضجيج وكثرة الناس. وقد يكون ابتعادهم عن المناسبات اختيارًا شخصيًا لا علاقة له بالحزن أو القلق أو عدم الراحة.
غير أن هناك حالة أخرى تستحق التأمل، وهي عندما يتحول الابتعاد عن المجتمع إلى عالم داخلي مغلق يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في الواقع.
وهنا يمكن أن يدخل الحب والهيام الخيالي في الصورة.
فقد يقع الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، في حب صورة صنعها في خياله أكثر من حبه لإنسان يعرفه في الواقع. فيبدأ ببناء قصة عاطفية كاملة من خلال التوقعات والأمنيات والرسائل والتخيلات، وربما لا تكون هناك علاقة حقيقية متبادلة بالقدر الذي يتصوره.
ومع مرور الوقت قد يصبح العالم الخيالي أكثر جاذبية من العالم الواقعي.
فيجد الإنسان نفسه كثير الشرود، قليل الرغبة في المشاركة الاجتماعية، يعيش مع شخص غير حاضر، ويتحدث معه في ذهنه، ويتخيل لقاءاته وحواراته، ويبني مستقبلًا لم يبدأ بعد. وقد يكون هذا العالم جميلًا ومريحًا في بدايته، لكنه يصبح مشكلة عندما يحل محل الواقع بدل أن يكون مجرد مساحة من الخيال.
وهنا تظهر المفارقة: هناك إنسان يجد سعادته بين الناس، وهناك إنسان يجدها في عالمه الداخلي، وبين الاثنين مساحات واسعة من الاختلاف.
لكن لا ينبغي أن نحكم على أحدهما بسرعة. فقد يكون الذي يجلس وسط الناس أكثر وحدة من الذي يجلس منفردًا، وقد يكون الذي يضحك في الحفلات يحمل في داخله حزنًا لا يعرفه أحد، وقد يكون الذي يفضل الهدوء أكثر الناس طمأنينة واستقرارًا.
ولذلك فإن المعيار الحقيقي ليس: هل يحضر الإنسان الحفلات أم لا؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يعيش الإنسان حياة متوازنة بين ذاته والآخرين، وبين الواقع والخيال؟
فإذا كان يحب الاجتماع بالناس دون أن يفقد نفسه، ويستمتع بالتراث دون أن يعيش أسيرًا للماضي، ويحب دون أن يفقد قدرته على رؤية الحقيقة، فهذا توازن جميل.
أما إذا أصبح الإنسان أسيرًا لوحدة طويلة، أو لعلاقة متخيلة، أو لشخص لا وجود حقيقي لعلاقته به، وأصبح الخيال يمنعه من ممارسة حياته الطبيعية والتواصل مع الآخرين، فهنا ينبغي أن يتوقف الإنسان مع نفسه ويسأل: هل أنا أعيش الواقع، أم أنني أعيش حياة صنعتها مخيلتي؟
ولعل أجمل ما في الإنسان أن يجمع بين الأمرين: أن يحتفظ بعالمه الداخلي، وأن يبقى قادرًا على مشاركة العالم الخارجي.
فالتراث يربطنا بالماضي، والمجتمع يربطنا بالحاضر، والأمل يفتح لنا أبواب المستقبل، أما الخيال فهو جميل ما دام معينًا للإنسان على الحياة، لا بديلًا عنها.
وفي النهاية، ليست السعادة في كثرة الحفلات، كما أنها ليست في العزلة؛ وإنما السعادة الحقيقية في أن يجد الإنسان الطمأنينة في نفسه، والمودة في علاقاته، والرضا في واقعه، والأمل في مستقبله.
وربما كان الإنسان الأكثر راحة ليس ذلك الذي يكثر من الظهور بين الناس، ولا ذلك الذي يهرب منهم، وإنما ذلك الذي يستطيع أن يجلس بينهم بقلب مطمئن، وأن يجلس وحده دون أن يشعر بالوحدة.