أ.د.عثمان بن صالح العامر
في مساء يوم السبت الماضي الممطر 13/ 5/ 1448هـ الموافق 24/ 10/ 2026م، طوى صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعد بن عبدالعزيز، أمير منطقة حائل، صفحةً ظلت مفتوحة لأكثر من أربعين عاماً، حيث رعى حفظه الله حفل افتتاح مشروع (فندق شركة طيء)، الذي بقي طوال تلك العقود جسداً بلا روح، تتعاقب عليه السنوات وتتبدل الظروف، وتتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال، مات أناس وولد آخرون وهو جثة هامدة لا حياة فيها، ولم يكن بلوغ هذه اللحظة أمراً سهلاً حسب ما أعرف؛ إذ كان لمتابعة سمو أمير المنطقة وسمو نائبه أثراً مباشراً في طي آخر صفحة من صفحات ملف المشاريع المتعثرة في المنطقة الذي طال بقاؤه على طاولة متخذ القرار ردحاً من الزمن ليس بالقصير. كما أن لهذا الإنجاز وجهاً آخر يستحق التأمل والتعريج عليه والإشادة به، يتجاوز قيمة الفندق الاقتصادية إلى معنى إنساني عميق، تتجلى فيه صورة من صور بر الأبناء بآبائهم بعد رحيلهم. فقد كان هذا المشروع واحداً من الأحلام التي شغلت الشيخ علي بن محمد الجميعة، رحمه الله، منذ وضع قواعده الأولى وحتى ساعة رحيله. عاش قرابة ثلاثين عاماً من عمره يتابع مراحل بنائه بشغف، ويرقب ما يحيط به من تعثرات وتحديات ومساجلات بحسرة وحزن، دون أن يتخلى عن رغبته في رؤيته مكتملاً يؤدي الغاية التي أُنشئ من أجلها. غير أن الأجل سبقه إلى تلك اللحظة، فرحل وبقي الحلم معلقاً بين ما تحقق منه وما كان يأمل اكتماله. وحين انتقلت المسؤولية إلى أبنائه وأحفاده، لم ينظروا إلى المشروع باعتباره شأناً استثمارياً تحكمه حسابات الربح والخسارة وحدها، بل استحضروا رغبة أبيهم وجدهم، وما كان يمثله هذا المشروع في وجدانه، فحملوا على عواتقهم مسؤولية إتمامه، وواجهوا ما اعترض طريقهم من صعوبات بكل شجاعة وإصرار، حتى بلغوا به غايته. وهنا تتجلى دلالة العنوان؛ فالبر ليس مقصوراً على تنفيذ وصية مكتوبة، أو صدقة جارية، أو دعاء صالح، على عظيم فضل ذلك كله، بل قد يبلغ منزلة أوسع حين يستشعر الأبناء رغبةً عزيزة على قلب أبيهم، ويدركون حلماً لم يسعفه العمر لتحقيقه، فيجعلون من الوفاء له دافعاً للعمل، ومن تحقيقه امتداداً لبرهم به. ولعل ما يميز صنيع أبناء الشيخ علي وأحفاده أنهم لم يكتفوا بالمحافظة على ما تركه والدهم، وإنما سعوا إلى إتمام ما بدأه؛ فبين المحافظة على الموروث وتحقيق المأمول مسافة لا يقطعها إلا من عرف قدر أبيه، وأدرك أن بعض الغبات لا تُكتب في الوصايا، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة الأبناء ووجدانهم.
ومن يعرف سيرة الشيخ علي الجميعة يدرك أن هذا المشروع لم يكن بعيداً عن رؤيته التنموية التي جمعت بين الاستثمار وخدمة المجتمع، وأن اكتماله اليوم يمثل امتداداً لذلك الاهتمام الذي لازمه في حياته، وحرص على ترجمته إلى مشروعات تسهم في تنمية حائل وتعزيز فرصها الاقتصادية. وهكذا اجتمعت متابعة القيادة مع وفاء الأبناء والأحفاد لتكتب خاتمة مختلفة لحكاية امتدت أربعة عقود، وتحوّل مشروعاً طال انتظاره إلى واقع، وأمنية رحل صاحبها إلى إنجاز يحمل شيئاً من ذكراه.
رحم الله الشيخ علي بن محمد الجميعة؛ فقد غاب عن لحظة تحقيق حلمه، لكنه ترك أبناءً وأحفاداً لم يغِب حلمه عن وجدانهم. وما أبلغ البر حين لا ينتظر الأبناء وصيةً ليعملوا بها، بل يستحضرون رغبة أبيهم فيحققونها، ويعرفون حلمه فيتممونه، حتى بعد أن يغيب صاحبه عن الدنيا. فليس كل برٍّ تنفيذاً لوصية، وإنما قد يكون أسمى البر تحقيق حلم لم يتح لصاحبه أن يراه، دمتم بخير وإلى لقاء، والسلام.