علي حسن حسون
هل تذكرون لعبة «تلفون خربان» التي كنا نلعبها ونحن أطفال؟ يجلس مجموعة من الأطفال في صف أو دائرة، فيهمس أحدهم بخبر في أذن من بجانبه، ثم ينتقل الخبر من شخص إلى آخر، حتى يصل إلى آخر لاعب. وعندما يُطلب منه أن يعلن ما سمعه، تنفجر الضحكات؛ لأن الخبر الذي وصل إليه لا يمت بصلة، في كثير من الأحيان، إلى الخبر الذي بدأ به اللعب. فربما بدأت الحكاية بقطّة دخلت المطبخ، وانتهت بأسد اقتحم المدرسة!
كنا نضحك يومها على اختلاف الرواية عن أصلها، ونعدّ الأمر جزءاً من متعة اللعبة، ثم نعود إلى بيوتنا وقد نسينا ما حدث. لكن المثير للدهشة أننا كبرنا، وتركنا ألعاب الطفولة، إلا أننا لم نتوقف عن ممارسة اللعبة نفسها، بل نقلناها من مجالس الأطفال إلى المجالس العامة، ومن الهمس في الآذان إلى منصات التواصل الاجتماعي، وأصبح بعضنا يمارسها بجدية تامة، وكأنه يؤدي مهمة إعلامية أو يحقق في قضية غامضة.
المشكلة أن الأمر لم يعد لعبة بريئة تنتهي بالضحك، بل أصبح سلوكاً قد يسيء إلى أشخاص، ويشوّه سمعتهم، ويزرع الشكوك حولهم، وربما يحوّلهم في نظر المجتمع إلى متهمين قبل أن تتضح الحقيقة فالخبر الذي يتداوله الناس عن شخص ما قد يبدأ بمعلومة ناقصة، ثم يتحول مع كثرة النقل إلى اتهام مكتمل الأركان، لا لشيء سوى أن كل ناقل أضاف إليه شيئاً من ظنونه وتصوراته. والأمر لا يقتصر على الحوادث الكبيرة؛ فنحن نمارس اللعبة نفسها في حياتنا اليومية إذ نسمع أن شخصاً غاب عن مناسبة، فنفسر غيابه على أنه تجاهل متعمد، ثم ينقل أحدهم التفسير باعتباره حقيقة، ويضيف آخر أن هناك خلافاً قديماً، بينما يقرر ثالث أن لديه مصدراً يؤكد القصة. وبعد جولات قليلة من النقل، تتحول غيبة عابرة إلى خصومة، ويتحول الظن إلى يقين، وربما يجد صاحب الحكاية نفسه في مواجهة قصة لم يعشها أصلاً!
والأغرب أن بعضنا لا يكتفي بنقل الخبر، بل يمنح نفسه حق تفسير النوايا، وتحليل الدوافع، وإصدار الأحكام، وكأنه كان حاضراً في كل تفاصيل الحدث. وإذا سألته عن مصدر معلوماته، قال لك: «سمعت من شخص أثق به»، وإذا سألت ذلك الشخص، اكتشفت أنه سمعها بدوره من آخر، وهكذا نمضي في سلسلة طويلة من الثقة المتبادلة، من دون أن نجد في نهايتها مصدراً يعرف القصة كاملة.
وهنا تظهر المفارقة؛ ففي لعبة الطفولة كنا نكتشف اختلاف الخبر ونضحك، أما في لعبة الكبار فقد نصدق الرواية الأخيرة، وندافع عنها، ونهاجم من يشكك فيها، وربما نرفض الحقيقة عندما تظهر؛ لأنها لا تتفق مع القصة التي اعتدنا سماعها. وهكذا يصبح الخبر الأصلي غريباً بين النسخ التي صنعناها منه، وتصبح الرواية الأكثر انتشاراً هي الأقوى حضوراً، لا بالضرورة الأكثر صدقاً. لسنا مطالبين بأن نصمت عن كل ما نسمع، ولا بأن نتوقف عن تحليل الأحداث، لكننا مطالبون بأن نفرّق بين المعلومة والتفسير، وبين ما نعرفه وما نظنه، وبين نقل الخبر وصناعة رواية جديدة فليس كل ما يُقال حقيقة، وليس كل ما يُنشر معلومة موثوقة، وليس كل من تحدث بثقة يمتلك دليلاً.
في طفولتنا، كانت لعبة (تلفون خربان) تكشف لنا كيف تتغير الكلمات من فم إلى آخر، أما اليوم، فقد أصبحت تكشف لنا شيئاً أخطر: كيف يمكن أن تتغير الحقائق حين تمر عبر أهوائنا وأحكامنا المسبقة ورغبتنا في أن نكون أول من يعرف، أو أول من يعلّق، أو أول من يروي التفاصيل التي لا يعرفها أحد.
ولذلك، قبل أن ننقل خبراً عن حادثة أو شخص، لنجرب أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً: هل أنقل ما حدث فعلاً، أم أنقل ما وصلني بعد أن مرّ على ألسنة عدة أشخاص؟ فقد يكون الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحقيقة والإشاعة، وبين الإنصاف والظلم.
والمهم ألا ننسى أن الهاتف الخربان كانت لعبة نضحك منها ونحن أطفال، أما حين نمارسها على حساب سمعة الآخرين وحق الناس في معرفة الحقيقة، فإن الضحك قد ينتهي، لكن الأذى الذي تتركه الحكاية قد يستمر طويلاً.