د. ياسين علي محمد عزي
لم يكن اليمن وحده من دفع ثمن خيارات الجماعة الإرهابية. فقد امتدت صواريخ الحوثي ومسيراته إلى المدن والمطارات والمنشآت المدنية السعودية، كما هددت اعتداءاته الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وتجاوزت تبعات تلك القرارات شعب اليمن إلى مجتمعات أخرى، وإلى مصالح تجارية وبحرية ترتبط بحياة ملايين البشر.
فقد يتعرض بحار للخطر وهو يؤدي عمله، أو تتأثر مصالح شعوب بعيدة عن الصراع، بسبب قرار تتخذه قيادة مسلحة لا تملك تفويضا من أولئك الذين تحملهم نتائجه. ومن يقرر تعريض حياة الآخرين للخطر باسم قضية يختارها لنفسه، لا يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية عن الأذى الذي يصيبهم.
السعودي الذي يعرف قيمة الأمن في وطنه يدرك بشاعة هذه الاعتداءات، لكنه يعرف كذلك مقدار القوة التي تحمي بلاده. لقد استهدفت الجماعة مدنا ومرافق يقصدها المواطن والمقيم والزائر، وتربطها بحياة الناس وعبادتهم وأرزاقهم صلات يومية.
ومن يأتي إلى المملكة للعمل أو العمرة أو زيارة أهله لا تربطه خصومة بقرار جماعة مسلحة. إن تعريض حياته للخطر اعتداء على حرمة الإنسان، ولا يستطيع مرتكبه أن يستعير من الدين ما يبرر فعله. وللسعودية من القوة والقدرة واليقظة ما تصون به أرضها وأمن أهلها، دون أن تمنح المعتدي حق التأثير في وجهتها أو أولوياتها.
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، أثبتت المملكة قدرتها على حماية أمنها، ومضت في بناء مستقبلها بثبات وثقة. ولم تستطع الاعتداءات الحوثية أن تفرض على السعودية وجهتها أو تصرفها عن مشروعها الوطني. ففي ظل رؤية السعودية 2030 تتقدم المعرفة والاقتصاد والتقنية، وتتسع فرص الإنسان السعودي للمشاركة في بناء بلاده. وقد أصبحت قدرة الدولة على صون هذا المستقبل وجها أصيلا من وجوه قوتها، إلى جانب جاهزيتها للدفاع عن أرضها وسكانها. فسيادة الوطن لا تظهر في قدرته على رد الاعتداء وحدها، وإنما في احتفاظه بحقه في تحديد ما يستحق أن ينشغل به أبناؤه، وما ينبغي أن يورثوه للأجيال المقبلة من أسباب العز والازدهار.
في خضم التصدي للاعتداءات الحوثية، جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين، بناء على ما عرضه سمو ولي العهد، باتخاذ إجراءات داعمة للمواطنين بالتزامن مع تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه بدءا من يناير 2027. وشملت الإجراءات بدلا شهريا قدره 500 ريال لفئات محددة من الموظفين والمتقاعدين، ودعما مماثلا للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي. وللتوقيت دلالته؛ فالدولة التي تواجه العدوان بقدرة عسكرية منظمة تظل منصرفة إلى شؤون أبنائها ومعيشتهم. يطلق الحوثي السلاح بحثا عن أثر سياسي، فيما تجعل القيادة السعودية من صون الحياة وتحسينها عملا متصلا لا تعترض مساره محاولات الاعتداء.
لقد تعلمنا من مسيرة دولتنا أن السيادة لا تعيش في بيانات الرد وحدها؛ فهي حاضرة أيضا في تعليم يستمر، ومريض يجد علاجه، وشاب يستطيع أن يخطط لغده. لهذا كان للتوجيه الملكي، في زمن التصدي للاعتداءات، وقع يتجاوز قيمته المادية: شؤون المواطن باقية في صميم القرار، ولن يملي المعتدي على المملكة أولوياتها. وفي اليمن الذي يستحق حياة مماثلة، لا يزال الحوثي يستنزف من الموارد ما كان جديرا بأن يوسع فرص أبنائه. وما أشد الفرق بين سلطة تجعل الإنسان غاية لما تملكه من قوة، وجماعة تجعل ما يقع على الإنسان من أذى وسيلة لإثبات نفوذها.
من الوفاء للسعودية أن نستحضر ما قدمته قيادتها لأشقائنا في اليمن؛ فالتاريخ يشهد لمواقفها المشرفة، ولعطاء لم تنقطع وجوهه رغم ما تعرضت له المملكة من اعتداءات حوثية. لم تكن مواجهة هذا العدوان في يوم من الأيام خصومة مع الشعب اليمني، الذي تجمعنا به روابط الدين والجوار. ولعلي أكتفي بشاهد من عام 2026، حين قدمت المملكة دعما للموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال، للمساهمة في تغطية الرواتب والنفقات التشغيلية. وعبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن امتدت المشروعات إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والكهرباء والمياه، ووصلت مشروعاته ومبادراته إلى 16 محافظة يمنية. أما مركز الملك سلمان للإغاثة فقد واصل إيصال الغذاء والعلاج والمساعدات إلى الأسر المتضررة. خلف هذه الشواهد معنى أبعد من قيمة الدعم؛ أن تعود المؤسسة اليمنية قادرة على خدمة مواطنيها، وأن تجد الأسرة ما يعينها على الحياة. ولليمنيين الحق في دولة تستعيد مؤسساتها وقرارها الوطني، وتتيح لأبنائها أن يوجهوا مقدرات بلادهم إلى التنمية، بعيدا عن جماعة جعلت استمرار نفوذها متقدما على مستقبل المجتمع.
أجد في الدفاع عن السعودية والانتصار لحقوق اليمنيين موقفا أخلاقيا واحدا، وإن اختلفت مسؤوليات كل منهما. فأمن وطننا وسيادته ودماء أبنائه حقوق لا تقبل التفريط، ومساندة أشقائنا في الخلاص من سلطان السلاح تعبير عن أخوة تتجاوز العبارات إلى المواقف. ولعل معرفتنا بما أنعم الله به على السعودية من أمن واستقرار تزيدنا إدراكا لفداحة ما أصاب اليمنيين، وتجعلنا أكثر حرصا على ألا يختزل وطنهم في مشروع جماعة مسلحة. فمحبة الوطن والاعتزاز بقوته لا يضيقان بالرحمة تجاه من حرموا نعمة الأمن؛ بل يزيدان شعورنا بقيمة ما نتمناه للآخرين من أمن وطمأنينة.
ويبقى السؤال موجها إلى ضمير الأمة الإسلامية، وإلى الضمير الإنساني كله: أي دين يبرر البغي، وأي وطن يحتمل الخراب؟ ما الحجة التي تملكها جماعة تستعير مفردات الدين لتبرير اعتداءاتها، ثم تفرض سلطانها على مؤسسات وطنها وتمتد بأسلحتها إلى جيرانها؟ وإذا كانت حرمة الدماء أصلا في أخلاق الأمة، فكيف يقبل الضمير أن تصبح الشعارات سببا لتعطيل الحكم على الفعل؟ إن العدل لا يتغير باختلاف هوية المعتدي، وكرامة الإنسان لا تفقد قيمتها حين يصبح ضحية لمن يرفع شعارا دينيا.
لقد جاءت القيم الإسلامية بما يصون الدماء والحقوق وينهى عن البغي، ولا تمنح مرتكب العدوان حصانة بسبب ما يعلنه من انتساب أو ولاء. ومن يختار الاعتداء على الأبرياء يتحمل مسؤولية أفعاله، مهما حاول أن يحيطها بأسماء مقدسة. ولعل أكثر ما تحتاج إليه الأمة في مواجهة هذا النوع من الخطاب قدرة أخلاقية على التمييز بين قداسة المبادئ وسلوك الذين يدعون تمثيلها؛ فالمبادئ لا تتحمل جرائر من استغل أسماءها. ولا يستقيم أن ننتصر لحرمة الدماء في خطابنا ثم نتساهل مع انتهاكها حين يأتي ممن يتحدث باسم قضايانا أو يستعير لغة عقيدتنا.
يقتضي رفض البغي الحوثي موقفا يتجاوز الإدانة اللفظية إلى مواجهة أسباب استمراره عبر السلطات الشرعية والوسائل التي تحمي المدنيين وتصون حقوقهم. فتجفيف مصادر التسليح والتمويل، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية الملاحة والمدن من الاعتداءات، ومساندة اليمنيين في استعادة مؤسسات دولتهم، جميعها مسؤوليات تتصل برد العدوان ومنع تجدده. وتستمد هذه المواجهة عدالتها من غايتها ووسائلها معا؛ فإنصاف الضحايا لا يتحقق بإضافة ضحايا جدد إلى سجل المعاناة. ومن حق اليمنيين أن تكون استعادة دولتهم طريقا إلى استعادة حياتهم، وأن تبقى حماية الأبرياء أصلا لا تتجاوزه أي وسيلة تدعي الدفاع عنهم.
للعلماء والمثقفين والإعلاميين نصيب من هذه المسؤولية.
فالخطاب الذي يبرر العنف يحتاج إلى من يمتحن ادعاءاته، ويميز بين القضية العادلة ومن يستغلها، ويعيد الأفعال إلى أسمائها التي تستحقها. أما الشباب المسلم، فمن حقه أن يتلقى وعيا يحميه من استدراج الشعارات، ويعلمه أن نصرة المظلوم تبدأ باحترام إنسانيته، وأن قيمة الموقف تقاس بما يصونه من حقوق الناس. ومن الخطأ أن يترك المجال العام لمن يختطفون مفردات الدين والوطن ثم يعيدون تقديم العدوان في أثواب الفضيلة. فحين يعجز الخطاب عن مساءلة أصحابه، يصبح تكرار شعاراته وسيلة لإضعاف الضمير الذي كان ينبغي أن يحتكم إليه.
لا تحتاج إدانة المشروع الحوثي إلى مبالغة؛ فتاريخ الجماعة وممارساتها يقدمان ما يكفي لمساءلة مسؤوليتها عن الأذى الذي ألحقته باليمنيين وجيرانهم. ويظل الإنصاف واجبا في التمييز بين القيادات المسؤولة عن القرارات والانتهاكات، وبين المدنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرتها ولا يملكون قرار الحرب. فاليمنيون أكبر من الحوثي، وتاريخ بلادهم وحضارتها لا تختصرهما جماعة مسلحة. وما يستحقه الشعب اليمني أن يستعيد وطنه دون أن تتحول معاناته إلى ذريعة لإهدار مزيد من حقوق أبنائه.
أعود إلى ذلك النهار عقب صلاة الظهر في جازان، وإلى دوي الاعتراضات وإشعارات التحذير. لم تتبدل في نفسي صورة السعودية التي أعرفها؛ دولة عزيزة بقيادتها، قوية بمؤسساتها، راسخة بولاء شعبها، تمضي نحو مستقبلها بثقة لا يملك المعتدي أن ينتزعها منها. لقد ازددت يقينا بأن عظمة الوطن تظهر فيما يحميه من حياة أبنائه، وما يصونه من حقوقهم، وما يفتحه لهم من آفاق العلم والعمل. لم ولن يكون لصاروخ حوثي أن يقرر للسعوديين كيف يعيشون، أو إلى أين يمضي وطنهم.
وفي كل يوم أعيشه على أرض هذا الوطن العظيم، وأنا أعتز بأمنه وقيادته، أستحضر أشقاءنا في اليمن الذين استهلك الحوثي سنوات من حياتهم، وأضاع على أبنائهم فرصا كانت جديرة بأن تتحقق. فمن حق الطفل اليمني أن يعرف وطنه بما يمنحه من تعليم وأمان، وأن تصبح أحلامه أوسع من حدود الحرب. ومن حق الأسرة أن ترى في الدولة سندا لحياتها، وأن تطمئن إلى أن ما تملكه بلادها من موارد ومؤسسات سيعود إلى خدمة أبنائها. وما أعظم أن يبلغ اليمنيون يوما يستطيعون فيه أن ينظروا إلى مستقبلهم بما يستحقه من أمل، بعد أعوام طويلة فرض فيها السلاح على حياتهم ما لم يختاروه لأنفسهم.
لذا فإن مقت البغي الحوثي وبغض ممارساته موقف أخلاقي قبل أن يكون مطلبا إنسانيا، ورفض لمن انتهج العدوان وسفك الدماء وسيلة للحكم، واستعان بالشعارات الزائفة لتغطية حقيقته وتزيين سوء عمله. إنه دعوة إلى رفض استمرار الميليشيات الحوثية في مشروعها المسلح الذي ارتبط بالدعم الإيراني، وأثقل اليمن الحر وشعبه بالخراب والمعاناة. والشعب اليمني الحر الأبي أحق بأن يقول كلمته في رفض الحوثي وكل من يدعم مشروعه؛ فقد اكتفى اليمن من هذا السرطان الذي استنزف مقدراته، وآن الأوان لأن يسترد مؤسساته من سلطان الجماعة، وأن ينتزع مشروعها المسلح من جسد الدولة التي أنهكها. فالانتصار لليمن وحريته انتصار لمبادئ العزة والإباء اليمنية التي قيدها الحوثي بشنيع صنعه، ورفض هيمنة الجماعة على الدولة صون للغد اليمني من أن يصبح ضحية جديدة لشعارات لم تحم أبناءه.
سيبقى الحوثي أضعف من أن يقرر مستقبل السعودية، وأصغر من أن يختصر تاريخ اليمن. فالمملكة ماضية بقيادتها وشعبها في صناعة مجدها، واليمن أحق بأن يسترد دولته وحياته. أما المشروع الذي اقتات على آلام وطن وامتد بعدوانه إلى جيرانه، فإن أشد هزائمه أن يفقد سلطانه على الإنسان، وأن تعود مؤسسات اليمن لخدمة أبنائه، وأن يستعيد شعبه الحق في كتابة مستقبله. وحين يسترد اليمنيون وطنهم، لن يبقى من ضجيج السلاح ما يستطيع أن يمنح البغي فضيلة، أو يحجب ما خلفته أفعال أصحابه في حياة الناس وذاكرة الأوطان.