د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
البناء (أفْعَل) مشترك بين الفعل الماضي المزيد بالهمزة واسم التفضيل، تقول: زيدٌ أعلمَ عمرًا، وزيدٌ أعلمُ من عمرٍو؛ ولكن اللفظ المنتهي بألف لا تظهر عليه حركة تُسعد في بيان تصريف اللفظ، ومثال ذلك اللفظ (أحصى) الوارد في قوله تعالى، (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) [12- الكهف]، إذ اختلف فيه العلماء المفسرون والنحويون؛ فمنهم من عدّه اسم تفضيل، ومنهم من عدّه فعلًا، ومنهم من أجاز الأمرين.
يفهم من قول ابن عباس أنه اسم تفضيل، وإن لم يسمه كذلك، قال «(أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا) أحفظ لما مَكَثُوا فِي الْكَهْف (أَمَدًا) أَجَلًا» (1). وكذلك قال الطبري (310ه) «ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددًا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أيُّ الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودًا (أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) يقول: أصوب لقدر لبثهم فيه أمدًا» (2). وهذا ما يفهم من قول الزجاج «كأنه قيل لنعلَمَ أهؤلاء أحصى للأمد أم هؤلاء»(3)، ونسب ابن عطية(542ه) إليه ذلك، قال «وقال الزجاج: أَحْصى هو أفعل، وأَمَدًا على هذا نصب على التفسير»(4)، وتابع الزجاجَ الثعلبي (427ه) (5)، والبغوي(510ه) (6).
أما الزمخشري فصرح بعدّ (أحصى) فعلًا، قال «وأَحْصى فعل ماضٍ أي أيهم ضبطَ أَمَدًا لأوقات لبثهم» (7). ووافقه ابن عطية (8)، والنسفي (710ه) (9)، وابن جزي (741ه) (10). ونسبه أبوحيان (745ه) إلى الفارسي (11).
واحتج الزمخشري لمذهبه، قال «وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس، ونحو (أعدى من الجرب)، و(أفلس من ابن المذلق) شاذّ. والقياس على الشاذّ في غير القرآن ممتنع، فكيف به»(12). وقد توقف في قوله أبوحيان، قال «أَمَّا دَعْوَاهُ الشُّذُوذَ فَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَلِيٍّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ جَوَازُ بِنَائِهِ مِنْ أَفْعَلَ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَنَّ التَّفْصِيلَ اخْتِيَارُ ابْنِ عُصْفُورٍ وَقَوْلُ غَيْرِهِ. وَالْهَمْزَةُ فِي أَحْصى لَيْسَتْ لِلنَّقْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَأَفْعَلُ لَا يَعْمَلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ في التمييز، وأَمَدًا تَمْيِيزٌ وَهَكَذَا أَعْرَبَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحْصى أَفْعَلُ لِلتَّفْضِيلِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدًا أَقْطَعُ النَّاسُ سَيْفًا، وَزَيْدٌ أَقْطَعُ لِلْهَامِ سَيْفًا، وَلَمْ يعربه مَفْعُولًا بِهِ»(13). وكنت ذكرت هذه المسألة في مداخلة سابقة(14).
ومن المحدثين من رجح عدّ (أحصى) اسمًا، قال ابن عاشور «فَالْوَجْهُ، أَنَّ أَحْصى اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَالتَّفْضِيلُ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَا فِي مَعْنَى الْإِحْصَاءِ مِنَ الضَّبْطِ وَالْإِصَابَةِ. وَالْمَعْنَى: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَتْقَنُ إِحْصَاءً، أَيْ عَدًّا بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُوَافِقَ لِلْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ وَيَكُونَ مَا عَدَاهُ تَقْرِيبًا وَرَجْمًا بِالْغَيْبِ. وَذَلِكَ هُوَ مَا فَصَّلَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ) [الْكَهْف: 22] الْآيَةَ. فَـ(أَيُّ) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مُبْتَدَأٌ وَهُوَ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ لِنَعْلَمَ عَنِ الْعَمَلِ، وَ(أَحْصى) خَبَرٌ عَنْ (أَيُّ) و(أَمَدًا) تَمْيِيز لاسم التَّفْصِيل تَمْيِيزٌ نِسْبَةٍ، أَيْ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ إِلَى مَوْصُوفِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا) [الْكَهْف: 34] . وَلَا يَرِيبُكَ أَنَّهُ لَا يَتَّضِحُ أَن يَّكُونَ هَذَا التَّمْيِيزُ مُحَوَّلًا عَنِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ: أَفْضَلُ أَمَدِهِ، إِذِ التَّحْوِيلُ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُقْصَدُ مِنْهُ التَّقْرِيبُ»(15). ومثله محمد الأمين الشنقيطي (16). وقال ابن عثيمين «وقوله: (أَحْصَى) يعني أبلغ إحصاءً، وليست فعلًا ماضيًا بل اسم تفضيل، فصار المعنى: أي الحزبين أضبط لما لبثوا أمدًا، أي: المدة التي لبثوها» (17).
أما تجويز الأمرين فمنسوب للحَوفي (430ه) وأبي البقاء العُكبري، قال أبوحيان «وأَحْصى جوّز الْحَوْفِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ (18) أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا، وَ(مَا) مصدرية وأَمَدًا مَفْعُولٌ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ أفعلَ تفضيل وأَمَدًا تَمْيِيزٌ» (19).
والقول الراجح الواضح أنّ (أحصى) اسمُ تفضيل.
**__**__**__**__**__**
(1) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ص: 244.
(2) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر، 17/ 613.
(3) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، 3/ 271.
(4) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 3/ 500.
(5) تفسير الثعلبي= الكشف والبيان عن تفسير القرآن، 6/ 158.
(6) تفسير البغوي - إحياء التراث (3/ 182)
(7) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 2/ 705.
(8) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 3/ 500.
(9) تفسير النسفي= مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 2/ 288.
(10) تفسير ابن جزي= التسهيل لعلوم التنزيل، 1/ 460.
(11) البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، 7/ 146.
(12) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 2/ 705.
(13) البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، 7/ 147.
(14) مداخلة «لا يتعجب من الفعل الرباعي»، نشرت في الجزيرة الثقافية في الجمعة/السبت2-3جمادى الأولى 1447ه/ 24 أكتوبر 2025م. ع.19089.
(15) التحرير والتنوير لابن عاشور، 15/ 270.
(16) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، 3/ 213.
(17) تفسير العثيمين: الكهف، ص: 25.
(18) التبيان في إعراب القرآن لبي البقاء العكبري، 2/ 839.
(19) البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، 7/ 146.