د.أمل بنت محمد التميمي
ليس السؤال الأهم حين نقرأ كتابًا عن التجربة النفسية: ماذا حدث لصاحبة التجربة؟ بل كيف استطاعت أن تحوّل ما حدث إلى نص يمكن قراءته وتأويله؟ فالفارق كبير بين تسجيل المعاناة وبين بناء الشكل الأدبي لها؛ إذ يكشف الثاني كيف تعمل الذاكرة، وكيف تتشكل صورة الذات، وكيف تصبح الاستعارة والرسم وسيلتين للتعبير عما قد تعجز اللغة المباشرة عن احتوائه.
من هذا المنطلق أقرأ كتاب هند الزهراني، «مذكرات واجمة: خلف أبواب دار الرعاية النفسية»، لا بوصفه تقريرًا عن مؤسسة علاجية، ولا باعتباره شهادة تستمد قيمتها من موضوعها وحده، بل نصًا ذاتيًا تتداخل فيه اليوميات والتعليقات الاسترجاعية والاستعارات والرسوم. وأقترح أن خصوصيته تتضح عبر ثلاثة مستويات مترابطة: الذات التي تكتب، واللغة التي تمنح التجربة شكلًا، والصورة التي توسع إمكان التعبير عنها. ومن خلالها يمكن وضع الكتاب في حوار مع نماذج عالمية من الكتابة الذاتية عن المرض النفسي، مع التمييز بين ما يقوله النص وما يمكن أن نستنتجه منه.
أولًا: الذات التي تكتب؛ من تدوين التجربة إلى بناء الحكاية
يتسم البناء الشكلي للكتاب بالتنوع؛ فهو يضم مقدمتين للطبعتين الأولى والثانية، وخاتمتين تقابلانهما، بينما لا ينتظم المتن في أبواب وفصول تقليدية، بل في نصوص متفاوتة الطول، بعضها معنْوَن، وبعضها يحمل عبارة «بدون عنوان»، وتتخلل عددًا منها تواريخ تحرير. وتشير الكاتبة إلى أن هذه الكتابات امتدت على مدار ثلاثة وتسعين يومًا. لذلك لا يؤدي الشكل وظيفة تنظيمية فحسب، بل يكشف طبيعة الكتاب بوصفه مدونة ذاتية تتجاور فيها شذرات التجربة، وتعيد الذات من خلالها النظر في مسارها النفسي.
توضح المقدمة أن الكتابة بدأت وسيلةً لتسجيل الأحداث التي يصعب استعادتها، ولإخبار المعالج بما جرى، ثم أصبحت منفذًا لتفريغ الضغط النفسي. لكن التدوين تجاوز غرضه الأول؛ إذ أتاح للكاتبة أن تعود إلى تجربتها وتمنحها شكلًا يمكن للقارئ تأمله. وتظهر أهمية ذلك في تعليقها على الأيام الأولى من التنويم، حين تذكر أنها لم تكن مدركة لما يحدث في اليومين الأولين، وبدأت تدرك وجودها في المستشفى في اليوم الثالث، ثم استعادت وعيها بصورة أوضح في اليوم الخامس (الزهراني، مذكرات واجمة، ص 14). هنا لا تكون الذاكرة أداة محايدة تسترجع ماضيًا مكتملًا، بل تصبح جزءًا من موضوع الحكاية ومن شروط بنائها.
ولهذا لا أعدّ الكتاب مذكرات استرجاعية بالمعنى الذي يستعيد فيه الكاتب ماضيًا مستقرًا من موقع زمني لاحق، بقدر ما أراه نصًا هجينًا أقرب إلى اليوميات السردية المرضية والسرد المرضي النفسي تحديدًا؛ تتجاور فيه الكتابة القريبة من زمن التجربة مع استعادة وقائع سابقة والتعليق عليها. وفي سرد المرض قد يكون الحكي متزامنًا مع الحدث أو قريبًا منه، بحيث لا تنفصل الحكاية عن تجربة المرض والمكان اللذين ينظمانها. وتدور الحكاية هنا حول محور مركزي هو المرض النفسي والإقامة في دار الرعاية، لا بوصفهما موضوعين منفصلين، بل بوصفهما تجربة تعيد تشكيل علاقة الذات بذاكرتها وبالمكان وبالآخرين.
ويمكن قراءة هذا التداخل في ضوء مفهوم الهوية السردية عند بول ريكور (Paul Ricoeur)، الذي يتيح فهم الكيفية التي تصل بها الحكاية بين تجارب متباعدة لتصوغ صورة للذات عبر الزمن. ففي الإهداء تقيم هند مقابلة بين ذات كانت تتمنى أن تكون أي شيء إلا نفسها، وذات تعلن لاحقًا سعادتها وفخرها بكونها هند (الزهراني، مذكرات واجمة، الإهداء، ص 1). وفي خاتمة الطبعة الثانية تتحدث عن هند الجديدة وعن قرارات اتخذتها لتغيير علاقتها بالبكاء ومواجهة أفكارها المظلمة (ص 266). لا ينبغي قراءة هذا التحول بوصفه وصفة عامة للتعافي أو دليلًا على أن الإرادة وحدها تتجاوز المرض؛ الأهم أنه الصورة التي تختار الكاتبة أن تفهم بها مسارها وتقدمه للقارئ. فالكتابة تصل بين ذات عانت وذات حاضرة تحاول إعادة تعريف نفسها.
ويتصل هذا البناء بمفهوم «راوي الجرح» عند آرثر فرانك (Arthur W. Frank)، الذي يدرس كيف يروي المرضى خبرتهم ويعيدون بناء علاقتهم بأجسادهم وهوياتهم من خلال الحكي. كما تتيح المقارنة بأعمال عالمية إدراك تنوع هذا التقليد. ففي «العقل الذي وجد نفسه» (A Mind That Found Itself، 1908م) يحوّل كليفورد ويتنغهام بيرز (Clifford Whittingham Beers) تجربته مع المرض والإقامة في مؤسسات علاجية إلى شهادة تتصل بالدعوة إلى تحسين الرعاية النفسية. أما «رحلة إلى المصح» (The Loony-Bin Trip، 1990م) لكيت ميليت (Kate Millett)، فتبرز فيها أسئلة الحرية الشخصية وسلطة المؤسسة والحق في اتخاذ القرارات العلاجية. وفي «فتاة مشتّتة» (Girl, Interrupted، 1993م) لسوزانا كايسن (Susanna Kaysen)، تتصل الإقامة النفسية بمسائل التشخيص والهوية وصورة الذات لدى الآخرين. ويقدم «عقل غير هادئ» (An Unquiet Mind، 1995م) لكاي ردفيلد جاميسون (Kay Redfield Jamison) نموذجًا تتداخل فيه الخبرة الشخصية مع المعرفة المهنية، بينما يستبطن «ظلام مرئي: مذكرات الجنون» (Darkness Visible: A Memoir of Madness، 1990م) لويليام ستايرون (William Styron) أثر الاكتئاب في الوعي والحياة. تلتقي هذه الأعمال في اتخاذ التجربة النفسية منطلقًا للسرد، لكنها تختلف في أغراضها وأشكالها، كما تختلف عن كتاب هند في اعتماده على اليوميات المتجاورة والاستعارة والرسوم.
ثانيًا: اللغة التي تمنح التجربة شكلًا.. الاستعارة وبناء المعنى
لا تتجلى قيمة لغة هند الزهراني في انتظامها وفق معيار لغوي واحد أو في تقديم أسلوب مصقول بقدر ما تتجلى في قدرتها على نقل حالات نفسية مجردة إلى صور حسية ومكانية. وتشير الكاتبة إلى إبقاء بعض الأخطاء اللغوية حفاظًا على أثر التدوين الأصلي؛ وهو اختيار يفسر رغبتها في صون عفوية اليوميات، وإن لم يكن في ذاته ضمانًا للصدق أو القيمة الأدبية.
في مقطع يوم عرفة تكتب: «عندما يجثو الفراغ على صدرك سيمحو كل شعور سكن قلبك قبله»، ثم تصف العالم كأنه صندوق ضيق يكاد ينعدم فيه الهواء، وكلما حاول المرء العثور على جدار يتكئ عليه اكتشف أن أبعاد الصندوق لا تنتهي (الزهراني، مذكرات واجمة، ص 5). فالفراغ هنا ليس غيابًا مجردًا؛ إنه قوة تتخذ هيئة جسد يضغط على جسد، ثم تتسع الاستعارة ليصبح العالم كله فضاءً مغلقًا لا يمكن بلوغ حدوده. هكذا لا تزين الاستعارة الألم، بل تبني له شكلًا يستطيع القارئ تخيله: ضيقًا وهواءً شحيحًا واتجاهًا يضيع كلما بحثت الذات عن مخرج.
ويظهر هذا الأسلوب في المقطع الذي تتوالى فيه صور فقدان اللون والإحساس بالجاذبية والهوية واللغة، حتى تصل الساردة إلى التساؤل عن ماهية الصراخ ومكان خروجه من الجسد (ص 57–58). ويصنع تكرار الفعل المستقبلي إيقاعًا متسارعًا يتقدم فيه الفقد من مستوى إلى آخر، إلى أن يصبح الصراخ نفسه غامضًا. وتكشف النهاية تعطل الصلة المألوفة بين الشعور والتعبير؛ فاللغة لا تنقل التجربة فحسب، بل تكشف أيضًا حدود القدرة على تسميتها.
ويؤدي المكان دورًا مماثلًا. فعنوان «خلف أبواب دار الرعاية النفسية» يجعل الباب حدًا بين الداخل والخارج، لكنه حد معرفي كذلك؛ إذ لا يصل القارئ إلى التجربة من خلال تقرير محايد عن المؤسسة، بل عبر ما تختار الذات أن تكشفه عن أيامها وانفعالاتها. ومن ذلك روايتها أنها طلبت المساعدة من ممرضة فقوبلت بعبارة «اطلعي برا»، ثم بكت خمس ساعات أمام غرفة الممرضات، قبل أن تصف استجابة الطبيب المناوب لشكواها بالضحك والسخرية (ص 10–11). ينبغي التعامل مع هذا المقطع بوصفه شهادة الكاتبة عن موقف عاشته كما أدركته، لا أساسًا لتعميم الحكم على العاملين أو المؤسسات العلاجية. وتكمن دلالته الأدبية في تصوير المسافة بين حاجة الذات إلى أن تُسمع، وشعورها بأنها لم تُفهم أو لم تؤخذ على محمل الجد.
وتتيح هذه اللغة مقارنتها بالنماذج العالمية دون افتراض تطابق الأساليب. فبينما يركز ستايرون على استبطان أثر الاكتئاب في الوعي، تجمع جاميسون بين الخبرة المعاشة والمعرفة النفسية، وتمنح الزهراني مساحة لصور مكانية وجسدية مكثفة تحوّل الشعور إلى مشهد. وتظل المقارنة هنا أداة لفهم اختيار الكتاب أدواته الخاصة داخل تقليد أوسع من سرد المرض، لا لترتيب الأعمال أو اختزال اختلافاتها.
ثالثًا: الصورة التي توسّع إمكان التعبير؛ الرسوم والحوار مع الكتابة
يبدأ التشكيل البصري من الغلاف الذي تتداخل فيه صورتان للوجه، وتحيط بمنطقة العينين كتل لونية خضراء وزرقاء داكنة، فيما تبدو بقية الملامح شاحبة، وتبرز مساحات وردية عند الأنف والشفتين. لا تستقر الوجوه على حدود منفصلة، فتبدو الذات في صورة مركبة تتنازعها طبقات لونية متداخلة. ويتصل ذلك بعنوان «واجمة» الذي يحيل إلى الصمت والعبوس، لكن الصورة لا تكتفي بتوضيح الحالة؛ بل توسعها إلى سؤال عن استقرار ملامح الذات وإمكان تمثيلها. وهكذا يصبح الغلاف عتبة تأويلية تهيئ القارئ لقراءة تجربة لا تستقر على معنى واحد.
لا يقتصر التشكيل البصري في «مذكرات واجمة: خلف أبواب دار الرعاية النفسية» على الغلاف، بل يمتد إلى خمسة رسوم موزعة في صفحات متفرقة من المتن (6، 13، 63، 140، 197)، تتجاور فيها الهيئة الإنسانية والخطوط الكثيفة أو المتشابكة. وتكشف قراءة هذه الرسوم مجتمعة عن تكرار عنصر بصري لافت، هو اضطراب الحدود التي تفصل الجسد عن محيطه، وإن اختلفت طريقة ظهوره من رسم إلى آخر.
ففي الشكل (1)، من الصفحة 6، المصاحب لمقطع التنويم الأول، تتوسط التكوين هيئة وجه يمكن تمييز ملامحها، بينما تحيط بها خطوط سوداء حادة ومتقاربة؛ وينشأ من هذا التضاد توتر بين وضوح الوجه واضطراب المجال المحيط به، فتبدو الهيئة الإنسانية كأنها تواجه ضغطًا بصريًا لا يترك لها مساحة هادئة.
أما الشكل (2)، من الصفحة 13، فتتداخل فيه الخطوط حول هيئة بشرية على نحو يوحي بالتشابك والتقييد؛ وتنبع دلالته المحتملة من العلاقة بين الجسد والخطوط التي تحاصره، لا من افتراض أن الخطوط تمثل حالة نفسية محددة.
وفي الشكل (3)، من الصفحة 63، تبرز هيئة داكنة ترفع إحدى ذراعيها إلى الخارج، في حين يهيمن اللون الداكن على التكوين؛ ويمكن قراءة حركة الذراع بوصفها اتجاهًا نحو الخارج أو محاولة لمدّ الجسد خارج حدوده المرئية، من غير الجزم بأنها ترمز إلى طلب النجدة أو المقاومة.
ويقدم الشكل (4)، من الصفحة 140، وجهًا تتقاطع حوله شبكة من الخطوط المتداخلة، فتغدو الملامح مركزًا بصريًا محاطًا بعناصر تزاحم وضوحه..
أما الشكل (5)، من الصفحة 197، فتتداخل فيه حدود الجسد مع كتلة الخطوط إلى درجة يصعب معها الفصل بين الهيئة ومحيطها. وتتيح المقارنة بين الرسوم الخمسة ملاحظة تكرار التداخل وكثافة الخطوط وتراجع وضوح الحدود، وهي سمات بصرية يمكن أن تقترح معاني التشابك والانحصار واضطراب صورة الذات. غير أن هذه المعاني تظل قراءات تأويلية لا تشخيصات نفسية؛ إذ لا تكشف الرسوم، بمفردها، عن الحالة النفسية لصاحبتها، وإنما تكتسب دلالتها من موضعها في الكتاب وعلاقتها بالنصوص التي تصاحبها. ومن هنا تؤدي الرسوم وظيفة تتجاوز التزيين: فهي تقدم مسارًا بصريًا موازيًا لليوميات، وتجعل بعض ما تصفه اللغة من ضيق وتداخل وصعوبة في التعبير قابلًا للتأمل من خلال الشكل والخط والكتلة اللونية.
وهنا تفيد المنهجيات البصرية عند جيليان روز (Gillian Rose)، التي تدعونا إلى قراءة الصورة من خلال تكوينها وموضعها وسياقها، لا من محتواها الظاهر وحده. فالرسوم لا تشخّص الكاتبة ولا تقدم دليلًا مباشرًا على حالة نفسية بعينها؛ إنما تفتح مسارًا تأويليًا موازيًا للكتابة. وقد تتجاوب الصورة مع إحساس يقدمه النص بلغة أخرى، أو توسع دلالته وتتركه مفتوحًا. فالصندوق الذي تبنيه استعارة يوم عرفة لا يطابق الخطوط المتشابكة في الرسوم، لكنهما يلتقيان في جعل الانحصار محسوسًا مرة عبر المكان المتخيل ومرة عبر التكوين البصري. والكلمات تسرد الزمن وتستعيد الوقائع، بينما تضغط الصورة علاقة شكلية أو انفعالًا في مساحة واحدة؛ فلا تحل إحداهما محل الأخرى.
خاتمة: بين نقل التجربة اجتماعيًا وبنائها فنيًا
تكشف قراءة «مذكرات واجمة» أن قيمته لا تُستمد من موضوع المرض النفسي وحده، بل من التفاعل بين ثلاثة أنظمة للتعبير: حكاية الذات، ولغة التجربة، والصورة البصرية. وتساعد المقارنة بأعمال بيرز وميليت وكايسن وستايرون وجاميسون على وضع الكتاب في أفق عالمي لسرد المرض النفسي، مع الانتباه إلى اختلاف السياقات والأغراض والأشكال. وأصنّفه نصًا ذاتيًا هجينًا، أقرب إلى اليوميات السردية المرضية منه إلى المذكرات الاسترجاعية الخالصة؛ لأن التدوين القريب من زمن الحدث يتجاور مع الاستعادة والتعليق، وتنتظم الحكاية حول تجربة المرض والمكان بوصفهما محورًا واحدًا.
وتتضح دلالة هذه الرسوم على نحو أعمق إذا رُبطت بالتحول الذي طرأ على موقف هند الزهراني من الكتابة عن ذاتها وكشف تجربتها. فبحسب ما صرحت به الكاتبة، أحرقت قبل دخولها دار الرعاية الصحية ما سبق أن كتبته عن نفسها؛ لأنها كانت ترى في تلك الكتابات كشفًا لذاتها وتعريًا لها أمام الآخرين؛ ثم اتخذت، بعد خروجها من تجربة الرعاية النفسية، موقفًا مغايرًا، إذ نشرت الأوراق التي احتفظت بها كما هي، من دون تعديل أو تحرير. ولا يمثل هذا التحول مجرد انتقال من إتلاف الكتابة إلى نشرها، بل يكشف تغيرًا في علاقة الذات بما تكتبه وبما تسمح للآخرين بمعرفته عنها: فما كان يُنظر إليه قبل التجربة بوصفه انكشافًا ينبغي محوه، أصبح بعدها مادة قابلة للنشر والمشاركة. وهنا تبرز مفارقة تستحق القراءة النقدية؛ فالذات التي أحرقت كتاباتها خوفًا من انكشافها هي نفسها التي أتاحت لاحقًا للقارئ الاطلاع على أوراقها، بما فيها من عفوية وتفاوت لغوي وانفعالي. وقد يفسر هذا الاختيار حرص الكاتبة على إبقاء أثر التدوين الأول، بدل إعادة صياغته وفق صورة لاحقة أكثر اتساقًا أو تجميلًا، لكنه لا يثبت وحده أن كل ما في النص كُتب لحظة وقوع الأحداث؛ إذ ينبغي التمييز بين الاحتفاظ بصيغة الأوراق وعدم تحريرها، وبين تحديد زمن كتابة كل مقطع على وجه الدقة.
وفي هذا السياق، تتكامل الكتابة والرسوم في إظهار الذات لا بوصفها صورة مكتملة ومستقرة، بل بوصفها ذاتًا تتفاوض مع حدود ما تكشفه وما تحجبه، وما تستطيع قوله بالكلمات وما تعبّر عنه بصريًا. أما الظهور الإعلامي، فتتمثل وظيفته في نقل التجربة إلى المجا ل العام عبر الحديث المباشر، بما يتيح للكاتبة مخاطبة الجمهور والمساهمة في توسيع الوعي بالصحة النفسية ومناقشة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالكتابة عن السرد المرضي النفسي أو الحديث عنه؛ في حين يتيح الكتاب للقارئ الاقتراب من التجربة عبر بنائها السردي وتفاصيلها المكتوبة ورسومها المصاحبة. ومن ثم، لا ينبغي الخلط بين الوسيلتين أو تكرار الحديث عنهما في مواضع متفرقة: فالظهور الإعلامي يحقق التواصل الاجتماعي المباشر، أما الكتاب فيحوّل الأوراق الشخصية إلى أثر أدبي قابل للقراءة والتحليل.
وتكمن أهمية التحول بين الحرق والنشر في أنه يضعنا أمام سؤال مركزي في أدب السيرة الذاتية: متى تتحول الكتابة التي تمثل خطرًا على خصوصية الذات في نظر صاحبتها إلى وسيلة لاستعادة صوتها وإشراك الآخرين في تجربتها؟
ومن مكاسب التجربة أنها لم تبقَ حدثًا مؤلمًا ترويه الذاكرة فحسب، بل أصبحت مادة لبناء شكل سردي تستطيع الذات من خلاله استعادة صوتها وإعادة النظر في صورتها. ولا يعني ذلك أن الكتابة بديل عن العلاج أو أن الفن يمحو الألم؛ إنما تتيح الكتابة أن يُروى ما يصعب قوله، وأن ينتقل الخاص إلى مساحة يمكن للآخرين التفكير فيها. وبين هند التي تتحدث أمام الجمهور وهند التي تبني تجربتها على الصفحة، لا تتغير ضرورة الإصغاء إلى المرض النفسي، بل تتغير وسيلة الوصول إلى المتلقي: خطاب مباشر يفتح باب الوعي الاجتماعي، ونص أدبي يجعل التجربة قابلة للتأمل من خلال الذاكرة واللغة والصورة. وبذلك تمثل «مذكرات واجمة: خلف أبواب دار الرعاية النفسية» لهند الزهراني نموذجًا للسرد المرضي النفسي ضمن أدب السيرة الذاتية السعودية، تتداخل فيه كتابة التجربة المعاشة مع الاستعارة والتشكيل البصري، لتغدو المعاناة موضوعًا للسرد والتأمل وإعادة بناء الذات.
** **
- جامعة الملك سعود.