د.محمد الدبيسي
تتضمَّن سيرة حمزة بن قبلان المزيني (واستقرتْ بها النَّوى) في مجملها، بعض ما عهدناه في السِّير الذاتية، كما تتضمَّن ما يفارق ذلك المعهود في كتب السِّير الذاتية؛ حيث لم يكتف صاحبها بتتبع مراحل حياته الخاصة، ولم يقصر عنايته على تسجيل الوقائع التي مر بها، وإنما اتَّخذ من سيرته الفردية، نافذة واسعة على مرحلة من مراحل التحوُّل الاجتماعي والتعليمي والفكري في بلادنا، إبان النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد سبقت هذه القراءة دراساتٌ ومقالاتٌ تناولت هذه السيرة من جوانب محدَّدة، فتناول الدكتور سالم الضمادي في دراسة بعنوان: (الذاكرة وتداعيات المكان) طبيعة توظيف المكان، في السيرة، ورصد حضور البيت والقرية، وأماكن الدراسة داخل المملكة وخارجها، وكيف استعادت الذاكرة تلك الأمكنة وأعادت تشكيلها. وتناولت الدكتورة منى المديهش طرفًا ممَّا ألمحنا إليه في مستهلِّ هذا المقال، في دراسة بعنوان: (تكوين الذات ورؤية العالم) سيرة المزيني، ورأت فيها وثيقة للتاريخ الاجتماعي، وللانتقال من الأُمِّية إلى التعليم، وللحركة الفكرية في المملكة، مع تحليل بنية النص ورؤيته للعالم. إلى جانب مقاربات ومقالات أخرى مهمة تناولت هذا العمل السيري.
وإلى ذلك، فإنَّ هذه القراءة لا تدَّعي سبقًا مطلقًا إلى تلك الموضوعات؛ التي وردت في قراءات سابقة. وإنَّما تنصرف إلى جمع تلك العناصر في مسار تحليلي واحد، يرى في السيرة حركة متصلة؛ من المدينة المنورة والأسرة والطفولة، إلى المدرسة، والجامعة، فالابتعاث، فالأستاذية، ثُمَّ الصحافة والمجال العام؛ بحيث تضمَّنت سيرة الفرد وسيرة التحول الذي عاشه المجتمع من حوله.
إلى جانب أثر مُجريات وأمكنة، وأحوال وانتقالات، وأشخاص، من أهمِّها: (المدينة المنورة، والأم والفقر، والمرض، والتعليم، والابتعاث، والاحتكاك بالثقافة الغربية، والتخصُّص في اللسانيات، فالكتابة الصحفية)؛ في تكوين شخصية صاحب السِّيرة، ورؤيته إلى العلم والمجتمع، واللغة والشأن العام.
وبواسطة هذا المنظور، تصبح السيرة محاولة لاستعادة الطريق، الذي صنع الإنسان راوي تلك الأحداث.
وممَّا استرعى انتباهي في هذه السيرة كثرة العناوين، التي تجاوزت (120) عنوانًا، وكذا الاكتظاظ بالتفاصيل، التي فطن الكاتب إلى قيمتها في استعادة عالم الطفولة، وتكوين الذاكرة، ولذلك عُني بالإكثار من العناوين، التي قسَّم بها فصول سيرته وموضوعاتها. فنجد عناوين ترتبط بالمكان، وأخرى بالأسرة، وثالثة بالأشخاص والأحداث، والأشياء والعادات، والذكريات.
وقد يقصر بعض الفصول أو الموضوعات، بينما يمتد بعضها الآخر بحسب ما تقتضيه المادة المستعادة، ودرجة حضورها في الذاكرة. وهو أمر وارد في كتابة السيرة؛ فالوقائع والذكريات تتفاوت في حجمها وامتدادها، والكاتب هنا ليس مطالبًا بأن يوازن بين أحجام الفصول، أو يجعلها متساوية في عدد الصفحات. فقد يفتح العنوان القصير على ذكرى كثيفة الدلالة، كما قد يحتاج موضوعٍ آخر إلى مساحة أطول، لاستيعاب ما ارتبط به من أشخاص وأمكنة، وحكايات وهوامش.
وتمنح هذه الطريقة القارئ فرصة الانتقال بين وحدات صغيرة من الذاكرة، بحيث تحتفظ كل وحدة بخصوصيتها، وتظلُّ التفاصيل حاضرة في صورتها الأولى. ويبدو ذلك واضحًا في القسم المتعلق بـــــ(المدينة المنورة والعقيق، والبيت، والأم، والمرض، والدِّهليس، والراديو، والألعاب، والكُتَّاب، والمدرسة، والزملاء، والقراءة) وغيرها، من الموضوعات التي استقلت بعناوينها، مع أنَّ بينها خيطًا يصل بين أجزاء التجربة ومراحلها.
وفي اجتماع هذه العناوين تشكَّلت خريطة الطفولة، كما استقرَّت في الذاكرة: مكان وأهل وبيت، ومرض وفقر، ولعب، ومجالس وصوت راديو، وكُتَّاب ومدرسة ورِفاق. وتكتسب التفاصيل الصغيرة دلالتها، حين تنتظم في النسيج النصِّي، وتكوِّن هذه العناصر مجتمعة صورة لمجتمع حيوي، يتحرَّك في زمن متدرِّج التحوُّل، تتناغم عناصره، من الأسرة والحي، والمجلس والعُرف، والمدرسة والإذاعة، والتعليم النظامي، وانشراح الأفق.
المدينة المنورة؛ المكان الذي تكوَّنت فيه الذاكرة
استأثرت المدينة المنورة ومجريات حياة الكاتب فيها، بجزء كبير من هذه السيرة، بلغت حوالي (184) صفحة، وهو ما يؤكِّد أنَّ المدينة المنورة هي منبع جذوره الأُسرية ومُنتماها، والمكان الذي وُلد فيه، وبدأ فيه حياته ثُمَّ غادره، وهي المكان المؤسِّس للذاكرة وللتكوين الأساس، ففي أحيائها وبيوتها، وأسواقها ومزارعها، ومجالسها ومدارسها؛ اختزنت الذاكرة صورها الأولى، وتكوَّنت الأسئلة الأولى التي امتدت مع التعليم، والرحلة والانتقال، والاغتراب، وما إليها.
ولذلك فالبصر في هذه السيرة، يبدأ من هذا المكان، ومن العقيق بصورة خاصة؛ فحديث الكاتب عن مولده ونشأته بجوار وادي العقيق المبارك، يضع المكان في مقدمة عناصر التكوين. والعقيق جزء من الفضاء الذي احتضن طفولته، بما له من بُعدٍ ديني وتاريخي وحضاري، وبما فيه من مزارع وبيوت، وطرق وأهل، ومكونات أخرى، ثُمَّ اتصل بالمدينة المنورة، التي كانت الأسرة تقصدها للسوق، وزيارة المسجد النبوي الشريف، والصلاة فيه، وقضاء الحاجات.
وإلى جانب (المزرعة، والنعناع، وسطح البيت، والطرق المؤدية إلى المدينة، والسوق الذي تقصده الأم كل جمعة)، دخل العقيق في شبكة الحياة اليومية. وارتبطت جغرافيته بالذاكرة، وأصبحت المكونات التي أشرنا إليها آنفًا؛ محطات مترابطة في وعي الطفل. وفي المسافة بين موضع النشأة: العقيق: المكان الجزئي، وبين المدينة المنورة: المكان الإطاري؛ تشكَّل وعيه المبكِّر بالمكان والحركة والناس.
وقد ربطت دراسة الدكتورة منى المديهش؛ بين الاقتباسات الشعرية الواردة في السيرة، ووادي العقيق، وبنية عتباته. ولذلك أخذ المكان موقعًا مهمًا في بنية السيرة؛ فهو المشهد الذي ظهرت فيه الأسرة والعمل، والفقر والمرض، واللعب، والكُتَّاب والمدرسة، والحكاية الشعبية، وهي من أهمِّ العناصر التكوينية في بنية النص بصورة عامة. حيث قدَّم الكاتب المدينة المنورة، بواسطة ما عاشه وحفظته ذاكرته عنها، فتجلَّت صورة اجتماعية ذات كثافة تاريخية؛ فالتاريخ يدخل السيرة من أبواب الحياة اليومية، لتصبح المدينة مجموعة من العلاقات البشرية، والعادات، والأعمال، والأمكنة الجزئية، ولم يجعلها خلفية جغرافية محضة للأحداث.
الأم والفقر والمرض والبيت؛ جذر التكوين
إذا كان العقيق هو المكان الأول، فإنَّ الأم هي الشخصية الأعمق أثرًا في تكوين الذات. ويحتل فصل “كفاح أُمٍّ: فصول اليُتْم” موضعًا تأسيسيًا في السيرة؛ إذ يستعيد الكاتب صورة امرأة واجهت الفقر والمرض، وضيق العيش بعد وفاة الأب، وحملت مسؤولية إعالة أبنائها ورعايتهم، وربطت الكفاح اليومي بمستقبلهم التعليمي.
ويبدأ الفصل من واقعة اليُتْم، ليمتد ويتنامى جاعلًا صورة الأم مركزًا للحياة الأسرية. فقد كان محصول المزرعة محدودًا، وكانت حاجات الأسرة أكبر من مردوده، فتكفَّلت الأم بما تستطيع من أعمال. فكانت تعتني بــ(النعناع الحساوي)، وهو المحصول الرئيس في مزرعة الأسرة، الذي تحمله يوم الجمعة إلى سوق المدينة، مع البيض الذي تنتجه الدجاجات القليلة التي تربيها، وتبيع ما معها في (ساحة باب المصري)، وتشتري بثمنه حاجات البيت، وبعد الفراغ من السوق تقصد المسجد النبوي للصلاة.
كما أنَّ لـ(يوم الجمعة) في ذاكرة الطفل معنىً لا ينحصر في السوق؛ فهو يوم منتظر لأنَّ الأم تذهب إلى المدينة، وتعود ومعها (الحلويات والبسكويت والفاكهة). فتختلط في الذاكرة حركة الرزق بالفرح، ويتمازج مشهد الأم التي تبيع ما أنتجته يداها؛ بمشهد الأطفال الذين ينتظرون عودتها.
وكانت الأم تقصر مواردها على البيت والأبناء؛ ولذلك حرمت نفسها عن مظاهر الزينة التي يتذكَّرها الكاتب، فلم يرها (متحلِّية بالخواتم والقلائد والبناجر). وتأتي هذه الملاحظة الصغيرة شاهدًا على اقتصاد امرأة سخَّرت مواردها المحدودة لحاجات الأسرة، وجعلت من الكسب وسيلة للرعاية والتعليم.
وتتعاظم صورتها شكلًا ومعنى في العادات الدينية والاجتماعية. فقد كانت تصطحب أبناءها في (السابع والعشرين من رجب) لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ تشتري لهم الحلويات التي تصنع للمناسبة. وتصطحب أيضًا بناتها وأبناء الأسرة لزيارة المسجد النبوي بعد (انتهاء الأربعين التالية للولادة)، وظلَّت تلك التقاليد والعادات والمشاهد من الزيارة والصلاة، والحلوى والطقس الاجتماعي راسخة في ذاكرة الطفل.
ويكتمل هذا الجانب القيمي في شخصية الأم بالشجاعة والبر. فيستعيد الكاتب قصة ذهابها لزيارة أمها المريضة في (الجويزيات)، بعد علمها بمرضها عقب مغرب أحد الأيام، وذهابها ليلًا في طريق تحف به الكلاب والذئاب وهوام الأرض، حتى وصلت بعد صلاة العشاء بوقت طويل، وظلت الحكاية في ذاكرة الابن مثالًا على برِّها بأمها.
وفي السنوات الأخيرة من حياة الجدة، كانت الأم تزورها في (عُشَّة) قريبة من البيت، وتذهب إليها أثناء اليوم، وقبل المغرب لإعداد عشائها، ثم تعود لإعداد عشاء أبنائها. وبعد ذلك امتد هذا البر من الابنة (ريَّا)، التي تولَّت رعاية أمها حين كبرت واشتد مرضها، فكانت تقدم لها الطعام، وتساعدها في شؤونها اليومية وتتابع حالتها. وتتصل هذه الوقائع بخيط عميق في السيرة، يتمثَّل في انتقال الرعاية بين الأجيال؛ فالأم رعت أبناءها في اليتم، ورعت أمها، ثم تولَّى الأبناء رعايتها.
ويمثِّل البيت وعاءً مكانيًا لهذا الكفاح. وكان بيت الطفولة (غرفة قديمة صغيرة، لا يتجاوز طولها أربعة أمتار وعرضها مترين ونصف المتر)، وسقفها يحمل جذع نخلة مكسورًا. وكان الخوف من سقوط السقف حاضرًا، خصوصًا أثناء الأمطار، وظل َّ البيت في الذاكرة موضع ألفة ودفء.
ففي ليالي الصيف كان الأطفال ينامون فوق سطحه، وتأتيهم نسمات المزارع المحيطة، ويستمعون إلى (ثغاء الأغنام في الزريبة الملاصقة للبيت). وكانوا يقضون وقتًا في عد النجوم والتعرُّف إلى أسمائها: الثريا والجوزاء والجدي والسِّبَّع.
لتصبح السماء في ذاكرة الطفل عالمًا حكائيًا؛ فتأتي (السِّبَّع) والحكايات المرتبطة بـــ(الجدي)، وقصة (مِجَر الكَبْش) التي تفسر شريط المجرة في السماء في حكاية إبراهيم عليه السلام والكبش الذي افتدى به ابنه إسماعيل.
ويضع الكاتب هامشًا مطولًا عند الحديث عن هذا الحزام السماوي، قارن فيه بين التفسيرات والأساطير التي عرفتها ثقافات مختلفة، من الأسطورة الرومانية إلى بعض المرويات لدى قبائل السكان الأصليين في أمريكا، وصولًا إلى الاسم الإنجليزي، وتجلو هذه الإضافة عن طبيعة الهوامش في الكتاب؛ فهي نمط نصي ثانٍ من السيرة، يستكمل المتن، ويفتح التفاصيل المحلية على المعرفة الثقافية الأوسع.
وتتكرَّر هذه الوظيفة في شرح ألفاظ المكان، ومفردات الحياة اليومية، مثل (الهَبْطة، والهبَّاط)، ونحوهما من ألفاظ وأسماء ومواقع، ومن ذلك توضيحه أنَّ الذهاب إلى المدينة كان يسمَّى (الهَبْطة)، وأنَّ القادم إليها من الضواحي يسمى (الهبَّاط). ويحفظ الهامش بذلك شيئًا من اللغة المحلية المرتبطة بالحركة بين الضاحية: العقيق، والمدينة، ويجعل المصطلح جزءًا من التاريخ الاجتماعي للمكان. ويستمر البيت في مقاومة الزمن؛ حتى مرحلة تخرُّج الكاتب من الثانوية.
وتظهر الأدوات المنزلية في الذاكرة شواهد على نمط حياة كامل: (سَحَّارة أمي) التي تحفظ فيها ملابسها القليلة، و(المِجْلاد) لحفظ التمر، و(الجِز، والمِشرز، والجونة، والحِجو، والرفوف، والمطبخ) الذي يتصدره (الصَّاج). وكانت الأسرة تتناول طعامها في إناءين منفصلين، وتتعامل مع الشتاء واحتياجات الاستحمام والتدفئة بأدوات محدودة، ويشي وصف مثل هذه الأشياء الصغيرة؛ بصورة عامة لحياة نمطٍ من أنماط مجتمع المدينة المنورة في تلك المدة، ومكوِّن من مكوِّناتها.
وتأتي (الكُوَّة) التي تدخل منها أشعة الشمس لتضيف مشهدًا آخر؛ فقد كان الطفل يرى ذرات الغبار والعوالق وهي تتراقص في الضوء، ثُمَّ عاد الرجل الباحث لاحقًا ليمنح المشهد تفسيره العلمي، فتتقاطع دهشة الطفل مع معرفة الرجل الراشد، وهي سمة تكرَّرت في السيرة، وكشفت عن المسافة بين زمن الحدث وزمن استعادته، ودور المعرفة في التأويل والتفسير، وأحيانًا التبرير.
وإلى ذلك فقد اتخذت الأم موضعًا لائحًا في السيرة، فهي الشخصية المؤسِّسة في البدايات، واتخذ (كفاحها) سياقًا نصيًا امتد إلى فصول عديدة، في الوقائع والأحوال التي سجَّلها الكاتب، وأبرزت مشاهد الفقر والمرض، وضيق العيش، التي استعادها بنبرة يغلب عليها التأمُّل، وعدمت صوت الشكوى أو التبرُّم من تلك الأحوال.
فالطفل حين يعيش واقعة ما.. لا يعرف نتائجها، بينما يعرف الرجل الذي يستعيد الواقعة بعد عقود ما انتهت إليه حياته، ولذلك فهو يميل أحيانًا إلى ترتيب الماضي، بحيث يبدو سياق مشهد من تلك المشاهد؛ أكثر انتظامًا ممَّا كان عليه في لحظته الأصلية.
وهذه الفكرة ليست استنتاجًا من بنية السيرة ومتنها فقط، فالكاتب نفسه ذكر في سياق ما ختم به السيرة، تحت عنوان: (وبعد)، وعلى الغلاف الأخير، ما مفاده: (أنَّ الإنسان لا يخطِّط بوعي لكل ما يمر به، وأنَّ الظروف التي ينشأ فيها تدفعه في اتجاهات لا يعرفها مسبقًا، وأنَّ ما يبدو في الاستعادة اللاحقة قريب من التخطيط الواعي، قد يكون صورة مضلِّلة تفرضها الذاكرة على الأحداث التي تمر بالفرد، حين يحاول اكتشاف المنطق وراءها).
على أنَّ في الأمر وجهًا حريًّا بالتأمُّل، وهو أنَّ الكاتب الذي حذَّر من إعادة الذاكرة تشكيل الماضي؛ جعل الذاكرة أداته الأساسية في إعادة بناء حياته نصيًا، على نحو ما تمثَّل في هذه السيرة، وهو أمرٌ لا يضعفها، بقدر ما يجلو طبيعتها. فالحقيقة التي تقدِّمها السيرة ليست بالضرورة حقيقة الأرشيف الخاص أو الوثيقة، وإنَّما حقيقة التجربة، كما ترسَّخت في وعي صاحبها بعد مرور الزمن.
وقد لاحظ الدكتور سالم الضمادي في دراسته؛ أنَّ المكان في هذه السيرة يمتد عبر البيت والقرية وأماكن الدراسة، وأنَّ الذاكرة تعيد بناء المكان وتمنحه دلالات تتجاوز حدوده الجغرافية، ويضيء هذا الرأي جانبًا من مركزية المكان/المدينة المنورة، التي تختزن عند الكاتب الأسرة، والنشأة، والتعليم والمجلس، والأصدقاء والذكريات، وامتداد الحياة فيما بعد.
كانت ليالي الشتاء مجالًا آخر لتكوين وعي الكاتب، في المراحل المبكِّرة من حياته. فالأم التي كانت (تشعل النار في طشت الغسيل)، ويتحلَّق أطفالها حولها (لشرب الحليب بالزنجبيل أو الهيل)، ثُمَّ تبدأ حكاياتها عن الناس في ديرتها، ورعي الغنم، وغارات الذئاب، و(الذيب أبو أصبع)، وأحوال الناس في زمن الأتراك وحكم الشريف. ولهذه الحكايات وظيفة تعليمية واجتماعية؛ فقد تعرَّف الطفل بواسطتها على تاريخ المكان، ومخاوفه وقيمه، وصور الأمن والخطر، والشجاعة والحذر. كما أنَّ الأم هنا حاملة للذاكرة الشفوية، تنقل إلى أبنائها صورًا من عالم سابق عاشته، أو حفظته من أهلها، وتصل تلك الصور بالحاضر، حين تقارن بين زمن الخوف وانعدام الأمن، وحالة الأمن التي عرفتها البلاد بعد توحيدها في عهد الملك عبدالعزيز. وتظهر الحكمة الشعبية في هذا السياق؛ جزءًا من التربية اليومية، ومن أشهر ما حفظه الكاتب عن أمه، قولها: “الرجال ثلاثة: فواحد جابته في فَمّه، وواحد جابته في كُمِّه، وواحد جابته عند أمه”.. ليقوم بشرح العبارة، ثُمَّ يطبِّقها على نفسه، فيرى أنَّه أقرب إلى النوع الثالث؛ بطيء البديهة، لا تخطر له الإجابة الملائمة إلا بعد فوات المناسبة. وتكرَّرت هذه الطريقة مع قولها: “من لا باع وشرا هو والفقر خشرا”، ومع قولها في الحثِّ على التبكير: “ليا بغيت الصيد سرِّح بدري.. لا تصبح إلا عالي المشرافي”.
ثُمَّ يعلِّق على نفسه، رابطًا المثل بعادته في التبكير، مع اعتراف ساخرٍ بأنَّ نتائج التبكير ليست مضمونة دائمًا. لتتحوَّل الحكمة الشعبية داخل السيرة من مادة شفوية إلى مادة تأمُّلية؛ يستعيدها الكاتب، ويفسِّرها، ثُمَّ يدخل نفسه في معناها، وتتناغم ذاكرة الجماعة مع تجربة الفرد.
ويتصل البيت أيضًا بما حوله من بيوت الأقارب في (النَّزلة)، وكانت البيوت متقاربة، يستطيع الأطفال الانتقال عبر أسطح المنازل، فيما تتوزَّع النزلة بين (الشمال والقِبلة)، ويقيم أبناء الأسرة والأعمام في هذه الأقسام. وكانت المنافسات اللفظية بين أطفال الشمال، وأطفال القِبلة جزءًا من الحياة اليومية، يتبادلون فيها الهجاء الطفولي، والهتافات الساخرة.
ويُظهر الترتيب المكاني صورة لمجتمع كانت الأسرة الكبيرة حاضرة فيه، والبيوت متجاورة، والأطفال يعيشون في فضاء اجتماعي مشترك. فالمكان الخاص يمتد إلى مجال القرابة المتصل بالحي، الذي يتصل بالمدينة.
كما تتضح وبجلاء في الفصول الأولى من السيرة، مظاهر حياة أحد مكوِّنات مجتمع المدينة المنورة، وهو القبائل الحجازية المدنية - التي ينتمي الكاتب إلى إحداها- وما يتعلق بحياتها من طرائق العيش، ومفردات المعاش، ومراتب المكانة الاجتماعية، وألوان الموروث الثقافي التقليدي، على نحو ما عبَّر عنه في حديثه حكايات الأم، كما تجلَّت بعض صلات هذا المكوِّن بالمجتمع المدني الحضري، وما جمع الطرفين من وشائج الانتظام في الدراسة، وبعض العادات والتقاليد، التي جاءت ضمنًا في سياق السيرة، مع التمايز بينهما في أحوال المعيشة، وسبل الكسب، وأنماط الاستقرار، وتفاصيل الحياة اليومية، إلى جانب ما عُنيت به السيرة، من مفردات الخطاب اللَّهجي لدى المكوِّن القَبَلي، وما تضمَّنته من سمات التعبير، والموروث الثقافي، وطرائق التخاطب، ودلالات الألفاظ والتراكيب، التي جلَّت البيئة الاجتماعية للكاتب، وما اختزنته من ذاكرته الثقافية وموروثه اللساني، وهو ما يكشف اجمالًا عن انصافه في تصوير واقعه، ومجريات حياته في مراحلها الأولى. وربما كانت سيرة حمزة المزيني، هي أوَّل سيرة لكاتب مدني، تناولت التفاصيل الدقيقة لحياة المكوِّن القَبَلي المدني، وأبانت بعض مظاهرها، وخباياها، واستجلت أحوالها بقدرٍ من الاعتداد والاعتدال في النظر إليها، والاعتزاز بها، واستحضار ما انطوت عليه من تنوُّع وتمايز.