سارة المطيري
استكمالًا لما انتهيت إليه في مقالي السابق «عدة الناقد معرفيًا وجماليًا»، فقد دفعني الأمر إلى إعادة النظر في هذه الإشكالية التي أريد أن أطرحها في هذا المقال، والحق أنني من الذين رأوا كثيرًا ممن كتبوا عن هذا الجانب موضحين وشارحين ومستوفين، غير أنني أجد الناقد العربي المعاصر اليوم أمام مفترق طرق إشكالي؛ فبعد أن كنا نعيش صراع التراث والحداثة، ينبغي أن نقول: صراع الناقد بينهما.
وأجد الأمر اختبارًا حقيقيًا لوعي الناقد ومسؤوليته الفكرية، كما أن النظرة الموضوعية والمنطقية تكشف لنا أن هذا الثنائي الضيق هو في حد ذاته فخ معرفي؛ فالثنائية بين التراث والحداثة ليست وصفًا للواقع بقدر ما هي إنتاج لخطاب: فمن يطرحه؟ ولماذا؟ وما وظيفته؟ وفي كثير من الأحيان يكون أداة لتقسيم الأصالة والمعاصرة، وكلاهما يمارس الوصاية على الوعي الجمعي، وندرك بطريقة أو بأخرى أن هذه مهمة نقد النقد بامتياز.
فنقد النقد يفكك المسلمات المعرفية التي يحملها النقد، ويرتقي إلى فحص المناهج النقدية نفسها، ويقارنها بالأدوات التي أنتجها العقل العربي في عصوره المختلفة، فيحوّل الفعل هنا من مجرد استهلاك إلى إنتاج للفكر، كاشفًا عن أبرز المغالطات التي قد تكون نتجت عن الاستيراد، ومختبرًا في الوقت نفسه صلاحية الأدوات في سياقها الجديد.
ولأنني لا أريد أن تبقى الفكرة مقصورة على ترديد الشعار الجميل «نقد النقد»، فإن ذلك يحتاج إلى معايير للحكم على الأدوات النقدية، من حيث فعاليتها التفسيرية، واتساقها الثقافي، وقدرتها على كشف المضمر، ومراعاة السياق الذي كُتب فيه النص. فحين نمارس العملية النقدية، لا ينبغي أن نكتفي بإعادة إنتاج النص كما هو، بل ينبغي أن نضيء الجوانب المعتمة فيه؛ لأن هذا ما يبقيه حيًا.
وهذا الفحص المزدوج يفرض ممارسة نقدية متوازنة تجاه الطرفين، فيصير الناقد وسيطًا ثقافيًا حقيقيًا. وهذا لا يعني أن وظيفته التوفيق، بل خلق لغة ثالثة لا تنتمي إلى التراث ولا إلى الحداثة، وإنما هي لغة لتوظيف كل منهما، تنشأ من سؤال المرء عن ذاته وعالمه؛ مستعيرًا من التراث ذاكرته، ومن الحداثة نقدها، ومن هذه اللغة تحديدًا يبدأ المنهج والأداة والقراءة والحكم.
كما أنني أدرك جيدًا أن الناقد اليوم محكوم داخل مؤسسات وسلطات معرفية تفرض عليه خيارات قد لا تكون فكرية بالضرورة، ولكن الناقد الأفضل هو من يعي الشروط، ويعمل على أساسها، محاولًا التعامل معها بحرية دون تقييد، فينتهي بنا المسار الفكري في ذلك إلى أن المعادلة الوجيهة ليست «إما.. أو..»، بل هي معادلة جدل وتفاعل، متجاوزة الحدود إلى ملامسة الإبداع الإنساني الرحب؛ فهي، برأيي، ضرورة وجودية عظيمة.
وهنا يبرز سؤال منهجي دقيق: كيف يواجه الناقد ناقدًا يفوقه معرفيًا؟ هل يواجهه بالتنافس أم بالحوار؟ وهل يقيس وعيه بمسافة تفوقه على غيره، أم بمسافة اقترابه من شروط المعرفة نفسها؟ هذا ما نجيب عنه في المقال القادم، بإذن الله.